حكام أهل الذمة في الإسلام
في الشروط العمرية
لا بد لمن شاء دراسة تاريخ النصرانية في الإسلام، منذ الاحتلال الإسلامي - الفتح
- إلى يومنا هذا، البحث في الأسباب والعوامل التي أدت إلى تقلص ظل المسيحية
وانحطاطها في الشرق، بعد أن كانت شائعة في أعظم المعابد، سائدة في أكثر الأمصار.
وأول ما يبدو له من هذه الأسباب، بعد تغلب الدين الإسلامي، هو الشروط العمرية
التي أوجبها الشرع الإسلامي على أهل الذمة، ومعظمهم من أهل الكتاب. وهذه الشروط
هي التي جرَّت عليهم في كل حين أصناف المحن والشدائد، وأرغمت الكثيرين منهم على
الخروج من دين آبائهم، وانتحال الإسلام صيانة لدمائهم وأموالهم وأعراضهم، وهرباً
من الذل والصغار. فأقفرت الديار والأديار، وعادت الكنائس مساجد، والبِيَع معابد،
والصوامع جوامع لعبدة الشيطان - كما قال العماد الاصبهاني في كتاب الروضتين في
أخبار الدولتين لأبى شامة 2/134.
نقول : الشروط العمرية هي مجموعة الشروط والأحكام التي بُنيت عليها مظالم النصارى
مدة أربعة عشر قرناً، وهي التي شتت شملهم في الشرق والغرب وأخلت بيعهم وديارهم،
واستنزفت أموالهم ودماءهم وأباحت حرماتهم العامة والخاصة. فما هي تلك الشروط ؟
الشروط العمرية :
قال الخلال في كتابه (أحكام أهل الملل) : أخبرنا عبد الله بن أحمد فذكره. وذكر
سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الحمن بن غنم قال : كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح
نصارى الشام وشرطهم عليهم فيه :
أن لا يحدِّثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة
راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاثة
ليالي يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا
أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه،
وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا
بالمسلمين في شئ من لباسهم ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سروجاً، ولا يتقلدوا
سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا،
وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليباً ولا شئ من كتبهم في شئ من طرق
المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً،
ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شئ من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا
شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران - الشموع - معهم، ولا
يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين.
فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه، فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل لأهل
الشقاق والمعاندة - أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزي 2/ 114 -115. راجع أيضا
الجهاد لابن تيمية 2/223 والخراج لابو يوسف ص 140-153.
وقد تضمنت شروط عمر هذه جملاً من العلم تدور على ستة فصول :
الفصل الأول : في أحكام الكنائس والبيع والصوامع وما يتعلق بذلك - (البيعة هي
الكنيس اليهودي)
الفصل الثاني : في أحكام ضيافتهم للمارين بهم وما يتعلق بها.
الفصل الثالث : فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام.
الفصل الرابع : فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس
وغيره.
الفصل الخامس : فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنها.
الفصل السادس : في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها - أحكام أهل الذمة في
الإسلام ابن قيم الجوزي ص 2/116.
ملاحظة : لا نريد سرد جميع الأحكام لان هذا أمر يطول شرحه، لكننا سوف نعرض فقط ما
يهمنا من أحكام اتفق عليه جمهور علماء المسلمين.
قال الماوردي في أحكامه : يجب على أهل الذمة، بالإضافة إلى ما ذُكر أن يقوموا بما
اشترِط عليهم في عقد الذمة، وقد بينا في بحثنا لعقد الذمة أن هناك شروطاً تجب
عليهم دون أن تذكر في عقد الذمة وقد ذكرتها هناك.
يقول الماوردي : ويشترط عليهم في عقد الذمة شرطان مستحق ومستحب. أما المستحب فستة
أشياء:
الأولى : تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار.
الثاني : أن لا يعلون على المسلمين في الأبنية.
الثالث : أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم، وتلاوة كتبهم، ولا قولهم في المسيح.
الرابع : أن لا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.
الخامس : أن يخفوا دفن موتاهم،ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.
السادس : أن يمتنعوا عن ركوب الخيل - راجع أحكام الماوردي ص 14.
في أحكام الكنائس والبيع والصوامع وما يتعلق بذلك :
- لا نظهر عليها صليباً
لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة، كانوا ممنوعين من إظهاره. قال أحمد في
رواية حنبل : ولا يرفعوا صليباً ولا يظهروا خنزيراً ولا يرفعوا ناراً ولا يظهروا
خمراً وعلى الإمام منعهم من ذلك.
وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال : كتب عمر بن عبد
العزيز أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوساً ولا يرفعوا صليبهم فوق
كنائسهم فإن قُدر على من فعل من ذلك شيئاً بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده.
وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود
أربابها ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب. ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم
وظواهر حيطانها ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها - كتاب أحكام أهل الذمة،
الجزء 3، صفحة 1240. راجع الخراج لأبي يوسف 176-178.
- ولا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفيفاً في جوف كنائسنا
لما كان الضرب بالناقوس هو شعار الكفر وعلمه الظاهر اشترط عليهم تركه.
وقال عمر بن الخطاب (إن أحق الأصوات أن تخفض أصوات اليهود والنصارى في كنائسهم).
وقال أبو الشيخ في كتاب (شروط عمر) حدثنا طاهر بن عبد الله 000 عن أنس بن مالك
قال (إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن عز وجل، فتنزل الملائكة، فتأخذ بأقطار
الأرض فلا تزال تقول (قل الله أحد) حتى يسكن غضب الرب - راجع : أحكام أهل الذمة
ص2/ 153 - راجع أيضاً : الخطط للمقريزي 1/263 و2/ 507 و2/ 492-494 وكتاب الروضتين
لأبي شامة 2/11.
- ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا في القراءة في كنائسنا مما يحضره
المسلمون
لما كان ذلك من شعار الكفر منعوا من إظهاره. قال أبو الشيخ حدثنا عبد الله بن عبد
الملك الطويل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية عن
ضمرة قال : كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا النصارى من رفع أصواتهم في كنائسهم
فإنها أبغض الأصوات إلى الله عز وجل وأولاها أن تخفض. وقال أحمد في رواية أبي
طالب ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم.
وقال الشافعي واشترط عليهم ألا يسمعوا المسلمين شركهم ولا يسمعونهم ضرب ناقوس فإن
فعلوا ذلك عزروا انتهى فرفع الأصوات التي منعوا منها ما كان راجعاً إلى دينهم
وإظهار شعاره كأصواتهم في بحوثهم ومذاكرتهم ونحو ذلك - كتاب أحكام أهل الذمة،
الجزء 3، صفحة 1241. و2/154.
في أحكام الكنائس
تنحصر مسألة بناء وترميم الكنائس في أربعة جوانب، تقسم البلاد إلى الأقسام
التالية :
بلاد أسلم عليها أهلها.
وبلاد مصَّرها المسلمون كالبصرة والكوفة.
وبلاد فتحها المسلمون عنوة.
وبلاد صولح أهلها عليها.
وبناء الكنائس والمعابد لأهل الذمة يختلف باختلاف هذه الأقسام :
فالبلاد التي أسلم عليها أهلها والبلاد التي مصرها المسلمون يُمنع أهل الذمة من
أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة - راجع : أحكام أهل الذمة لابن الجوزي 2/116 - 118
والمغنى المحتاج 4/253 وبدائع الصنائع للكاساني 7/114والمغنى لابن قدامه 10/60.
أما ما مصرته العرب، فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه
بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً، وكل مصر كانت العجم مصرته
ففتحه الله على العرب - المسلمين - فنزلوا على حكمه فللعجم ما في عهدهم، وللعرب
أن يوفوا لهم بذلك - راجع الخراج لأبي يوسف ص 149.
(يستدل أن هذا البلد ملكاً للمسلمين، وما دام كذلك فلا يجوز إظهار معابد الكفر
فيه) - راجع المغنى لابن قدامه 10/ 610.
أما البلاد التي فتحت عنوة، فلا يجوز تمكينهم من إحداث بيعة ولا كنيسة؛ وذلك لأن
المسلمين قد امتلكوها بالفتح وأصبحت في حكم ما مصره المسلمون - راجع : مغنى
المحتاج 4/ 254 والمغنى لابن قدامه 10/610.
وأما الكنائس والبيع الموجودة قبل الفتح، فللفقهاء فيها أقوال:
قال ابن القاسم من المالكية : تبقى ولو بلا شرط.
والحنفية قالوا : يمنعون من الصلاة فيها، وتبقى كالمساكن ولا تهدم وتتخذ للسكن -
راجع : بدائع الصنائع 7/114.
أما الحنابلة فلهم في هذا روايتان؛ الأولى : أن تهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلمين.
فلا يجوز أن تكون فيها بيعة كالذي مصره المسلمون. والرواية الثانية للحنابلة :
يجوز بقاؤها لأن الصحابة قد فتحوا كثيراً من البلاد فلم يهدموا شيئاً من الكنائس.
أما الشافعية فقالوا بوجوب هدمها في الأصح.
يقول ابن القيم الجوزي (هذه البلاد بحالاتها المختلفة صافية للإمام إن أراد أن
يقر أهل الذمة فيها ببدل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام أن يحدثوا فيها بيعة أو
كنيسة، أو يظهروا فيها خمراً أو خنزيراً أو ناقوساً لم يجز. وإن شرط ذلك وعقد
عليه الذمة كان الشرط والعقد فاسداً، وهو اتفاق الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع).
وقال الإمام أحمد : حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعيد، عن توبة بن
النمر الحضرمي قاضي مصر قال : قال رسول الله (لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة).
الخصاء هنا كناية عن الرهبنة.
عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا كنيسة ولا خصاء في الإسلام.
سئل عكرمة ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب فقال هل للعجم أن يحدثوا فيها
شيئاً؟ فقال : أيما مصر مصره العرب، فليس للعجم أن يبنوا فيه، ولا يضربوا فيه
ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزير.
وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر
مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا بها ناقوساً إلا في مكان لهم الصلح،
وليس لهم أن يظهروا الخمر في بلاد المسلمين.
قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر أنه سمع الحسن يقول : إن من السنة أن تُهدم الكنائس
التي في الأمصار القديمة والحديثة. ذكره أحمد عن عبد الرزاق. وهذا الذي جاءت به
النصوص والآثار وهو مقتضى أصول الشرع وقواعده.
يقول ابن تيمية : (أن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة : مذهب أبو حنيفة،
ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري، والأوزاعي والليث بن
سعد، وغيرهم من الصحابة والتابعين، متفقون : على أن الإمام إن هدم كل كنيسة بأرض
العنوة؛ يجب طاعته ومساعدته في ذلك) - راجع : الجهاد 2/212 -214.
عن الحسن البصري أنه قال : من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة
والحديثة.
عن عمر بن الخطاب أنه قال (لا كنيسة في الإسلام).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ولا زال من يوفقه الله من ولاة أمور
المسلمين يفعل ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز، روى الإمام أحمد عنه أنه كتب
لنائبه في اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين فهدمها. وكذلك هارون
الرشيد أمر بهدم الكنائس في سواد بغداد وكذلك المتوكل - راجع : أحكام أهل الذمة
لابن الجوزي ص 2/ 119 -125.
هذا أمر صريح في أنهم لا يملكون رقابها كما يملكون دورهم : إذ لو ملكوا رقابها لم
يكن للمسلمين أن ينزلوها إلا برضاهم كدورهم، وإنما متعوها متاعاً، وإذا شاء
المسلمون نزلوها، فإنها ملك المسلمين. فإن المسلمين لما ملكوا الأرض لم يستبقوا
الكنائس والبيع على ملك الكفار بل دخلت في ملكهم كسائر أجزاء الأرض، فإذا نزلها
المارة - من المسلمين - بالليل أو النهار فقد نزلوا في ملكهم.
فإن قيل : فما فائدة الشرط إن كان الأمر كذلك؟ قيل : فائدته أنهم لا يتوهمون
بإقرارهم فيها كسائر دورهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلا بأذنهم.
فما يدل على ذلك، أنها لو كانت ملكاً لهم لم يجز للمسلمين الصلاة فيها إلا
بأذنهم، فإن الصلاة في ملك الغير بغير إذنه في المكان المغصوب هي حرام، وفي صحتها
نزاع معروف، وقد صلى الصحابة في كنائسهم وبيعهم.
لكن المسلمين قد اختلفوا في كراهية الصلاة في البيع والكنائس :
واحتج الذين كرهوا الصلاة في البيع والكنائس : أنها من مواطن الكفر والشرك، فهي
أولى بالكراهية من الحمام والمقبرة والمزبلة، وأنها من أماكن الغضب، وأن النبي قد
أنهى عن الصلاة في بابل وقال أنها ملعونة فعلل منع الصلاة فيها باللعنة. وكنائسهم
موضع اللعنة، والسخطة والغضب ينزل عليهم فيها كما قال بعض الصحابة : (اجتنبوا
اليهود والنصارى في أعيادهم فإن السخطة تنزل عليهم).
وهي من بيوت أعداء الله، والله لا يُعبد في بيوت أعدائه - أحكام أهل الذمة 2/148.
لا حرمة في شريعة الإسلام السمحة لكنائس الله :
شريعة الإسلام الكاملة والعادلة أباحت للمسلمين كنائس الله، لهم أن يدخلوها في أي
وقت ومتى شاءوا دون أن يمنعهم أحد من ذلك، إنهم نزلاء بيوت الرحمن بالإكراه. وفي
فترة خلافة عمر بن الخطاب دمر الغزاة الفاتحون أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكافرين -
راجع الاستشراق، أدور السعيد ص 102.
من هنا وبناءً على هذه الأحكام والتشريعات الإسلامية، أُغلقت كنائس الله، ونُهبت،
وأُحرقت، ودُمرت وذلك عملاً بتعاليم شريعة الإسلام السمح والمسالم الذي لا إكراه
فيه!
فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس :
- أن نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا فرق
شعر ولا في مراكبهم.
قيل : الغيار مصدر غاير أي خالف. ويطلق في العرف على العلامات والقيود التي وضعت
على أهل الذمة لتشهيرهم وتمييزهم. فيتناول كل ما خالف زي المسلمين من أزياء
النصارى واليهود، كالزنار والعمامة ورقع الدراريع، والخيوط الملونة الموضوعة على
الكتف، وكل ما خيط على الثياب الظاهرة مما يخالف لونه لونها، وما كان يعلق في
الرقاب عند دخول الحمامات من الدراهم المكتوب عليها (ذمي)، والخواتم، والأطواق من
الحديد أو الرصاص، ويُجعل أحياناً في الأعناق من الجلاجل، وما كان يمتاز الرجال
به من النعال، والنساء من الأخفاف، وبالإجمال كل ما خالف العادات والألوان
المختصة بالمسلمين وملابسهم. وقد قيل أن الغيار هو علامة الكفار. هذا أصل الغيار.
وربما شمل الغيار ما خالف بعض العادات والهيئات كجز النواصي وعدم إرسال الذوائب
والركوب على الحمير بالأكف.
وهناك فوائد أكثر من ذلك منها : أنه لا يقوم له، ولا يصدره في المجالس، ولا يقبل
يده، ولا يقوم لدى رأسه، ولا يخاطبه بأخي ولا سيدي وولي ونحو ذلك، ولا يدعى له
بما يدعى به للمسلم من النصر والعز ونحو ذلك، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين
ولا من زكواتهم، ولا يستشهد تحملاً ولا أداء، ولا يبيعه عبداً مسلماً، ولا يمكنه
من المصحف، ولا تقبل شهادتهم وغير ذلك من الأحكام والأفعال المتخصصة بإذلال
الذميين - راجع : أحكام أهل الذمة ص2/177.
والغيار - أي التفرقة - سنة سنها محمد وجرى عليها الصحابة والتابعين والأئمة
وولاة أمور المسلمين في كل عصر وكل مصر.
قال أبو القاسم الطبري في سياق ما روى عن النبي : مما يدل وجوب استعمال الغيار
لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صغاراً وذلاً، وشهرة وعلماً عليهم، ليعرفوا من
المسلمين في زيهم ولباسهم، ولا يتشبهوا بهم. وكتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار بأن
تجز نواصيهم، ولا يلبسون لباس المسلمين حتى يُعرفوا - راجع المصدر السابق ص 2/165
والجهاد لابن تيمية 2/223.
الأوامر السلطانية بإلزام الغيار:
سنة 235- 849 أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم
وثيابهم، وأن يتطليسوا بالمصبوغ بالقالى، وأن يكون على عمائمهم رقاع مخالفة للون
ثيابهم من خلفهم ومن بين أياديهم، وأن يلزموا بالزنانير الخاصرة لثيابهم، وأن
يحملوا في رقابهم كرات خشب كبيرة، وأن لا يركبوا خيلاً ولتكن ركبهم من خشب إلى
غير ذلك من الأمور المذلة لهم والمهينة لنفوسهم، وأن لا يستعملوا في شئ من
الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم. وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة، وتضييق
منازلهم المتسعة، فيؤخذ منها العشر، وأن يُعمل ما كان متسعاً من منازلهم مسجداً.
وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق وإلى كل بلد -
راجع : البداية والنهاية 10/313- 314.
من جملة الشروط العمرية أن لا يتشبه الذميون بالمسلمين في شيء من لباسهم في
قلنسوة… ولا نعل ذات عذبة… وعلق الفراء في ذلك التفسير الآتي : أما النعلان فقد
قيل أنه تجعل شرك نعالهم مثنية وأن يحذوها حذو المسلمين لأن هذا كان عادة لهم في
لباسهم فأمروا بالبقاء عليه ليقع الفرق والتمييز بينهم وبين المسلم، وإنما اعتبر
ذلك في النعال لأن المتأمل منا ينظر إلى قدم الماشي والذاهب في الطرقات فإذا وجد
هيئته على هيئة - راجعه للذمي - حكم له بحكمهم - راجع : بيان ما يلزم أهل الذمة
فعله ص10.
ولقد ذكر ابن القيم الجوزي في كتابه (أحكام أهل الذمة) مجمل تلك الأحكام، كما بين
لنا المدلولات الشرعية لتلك الأحكام :
- في قص النواصي :
جز النواصي شرط من الشروط العمرية التي أُخذت على أهل الذمة. والنواصي هي مقدمة
الرأس أو شعر مقدمة الرأس إذا طال سميت بذلك لارتفاع منبتها. والناصية مقدار ربع
الرأس فإذا كان ربع الرأس محلوقاً كان عالماً ظاهراً وأمراً مشهوراً أنه ذمي.
عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه كان يكتب إلى عماله يأمرهم بجز نواصيهم، يعني
أهل الكتاب - راجع أحكام أهل الذمة 2/ 173 راجع أيضاً صبح الأعشى 13، 265 وبيان
ما يلزم أهل الذمة فعله11.
- لا يتكنوا بكناهم
قالوا الأسماء ثلاثة أقسام : قسم للمسلمين، وقسم للكفار، وقسم يشترك فيه المسلمون
مع الكفار.
فالأول هو : كمحمد وأحمد وأبو بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير، فهذا النوع لا
يمكنهم التسمي به، والمنع منه أولى من المنع من التكني بكناية المسلمين، فصيانة
هذه الأسماء عن أخبث خلق الله أمر جسيم.
والثاني : كجرجس وحنا ومتى ومرقص ونحوه لا يمنعون من التسمي بها.
والثالث : كيحيى وعيسى ويعقوب وداود وسليمان وأيوب، لا يمنعون من التسمي بها.
وأما أن يُخاطب الذمي بسيدي ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعاً. أما تلقيبهم بمعز
الدولة ونحو ذلك فلا يجوز كما أنه لا يجوز أن يسمى سديداً ولا رشيداً ولا مؤيداً
ولا صالحاً ولا نحو ذلك، وإن تسمى بشيء من هذه الأسماء لا يجز للمسلم أن يدعوه
به، بل إن كان نصرانياً يقول له يا مسيحي ويا صليبي، وإن كان يهودياً يقال له يا
يهودي يا إسرائيلي - أحكام أهل الذمة للجوزي 2/188-189.
- ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا
نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا.
قال : أهل الذمة ممنوعون من ركوبهم السروج، وإما يركبون الأكف - وهي
البرادع - عرضاً، وتكون أرجلهم جميعاً إلى جانب واحد، كما أمرهم أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه كان يكتب إلى عماله يأمرهم أن يركب
أهل الذمة في شق. وقد قال الشافعي : ولا يركبون فرساً أصيلاً، وإنما يركبون
البغال والحمير. و يمنع أهل الذمة من ركوب الفرس، إذ في ركوبها الفضيلة العظيمة
والعز، وهى مراكب المجاهدين في سبيل الله الذين يحمون حوزة الإسلام قال تعالى :
"واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". فجعل
رباط الخيل لرهبة الكفار فلا يجوز أن يمكنوا من ركوبها.
يمنع أهل الذمة من تقلد السيوف لما بيَّن كونهم أهل ذمة، فإن السيوف عز لأهلها
وسلطان، وقد قال رسول الله بعثت بالسيف بين يدي الساعة. فبالسيف الناصر والكتاب
الهادي عز الإسلام وظهر في مشارق الأرض ومغاربها. فالسيف أعظم ما يعتمد في الحرب
عليه ويرهب به العدو، وبه ينصر الدين ويذل الله الكافرين؛ والذمي ليس من أهل حمله
والعز به.
فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنها :
- ولا نخرج صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين
زيادة على عدم إظهارهم ذلك على كنائسهم وفي صلواتهم، فهم ممنوعون من
إظهاره في أسواق المسلمين وإن لم يرفعوا أصواتهم به ولا يمنعون من إخراجه في
كنائسهم وفي منازلهم بل الممنوع منه فيها رفع أصواتهم ووضع الصليب على أبواب
الكنائس - كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 3، صفحة 1241. و2/ 154.
- الأماكن التي يُمنع أهل الذمة من دخولها :
قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
عامهم هذا" التوبة 28.
عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة
العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً. رواه مسلم - أحمد 196 - 210
وعن عائشة قالت : آخر ما عهد رسول الله قال (لا يُترك في جزيرة العرب دينان. رواه
احمد. وفي مسنده أيضاً عن على قال : قال رسول الله (يا على إن أنت وليت الأمر
بعدي فاخرج أهل نجران من جزيرة العرب).
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون قبلتان في بلد واحد
- أبو داود 2636.
- لا نُرغِّب في ديننا ولا ندعو إليه أحداً
هذا من أولى ألا أن يُنقض العهد به : فإن حراب الله ورسوله باللسان، وقد يكون
أعظم من الحراب باليد. ولما كانت الدعوة الباطلة مستلزمة - لابد - للطعن في الحق
كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعناً في دين الإسلام وقد قال تعالى "وان
نقضوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر". ولا ريب أن
الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف - أحكام أهل الذمة ص2/ 160.
في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها :
- المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم :
قال أبو طالب : سألت أبا عبد الله : أيستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين
مثل الخراج؟ قال : لا يستعان بهم في شئ.
عن أنس بن مالك قال : أن رسول الله قال : لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا
على خواتيمكم عربياً. وفسر قوله (لا تستضيئوا بنار المشركين) يعني لا تستنصحوهم
ولا تستضيئوا برأيهم . والصحيح أن معناه : مباعدتهم وعدم مساكنتهم كما جاء في
حديث الرسول (لن استعين بمشرك) - رواه مسلم.
ومن أدلة منع استخدام الذميين ما ورد عن عمر بن الخطاب في منعه لأبي موسى الأشعري
من استكتاب نصراني في الحيرة، وعندما قال أبو موسى لا يقوم أمر الحيرة إلا به،
قال عمر : مات النصراني والسلام - راجع : أحكام أهل الذمة في الإسلام لابن القيم
الجوزى 1/211 وتفسير الرازي 3/414
كان لعمر بن الخطاب عبد نصراني فقال له : اسلم حتى نستعين بك على بعض أمور
المسلمين، فإنه لا ينبغي أن نستعين على أمرهم بمن ليس منهم، فأبى، فاعتقه، وقال
له اذهب حيث شئت - راجع أحكام أهل الذمة لابن الجوزي 1، 114
عن عمر بن الخطاب قال : لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله،
ولا تأتمنوهم إذ خونهم الله - راجع : سنن البيهقي 10/، 127 و9/204 والمغني 1/453
و6/425 لا و8/532.
- ولا يشارك أحد منا مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر
التجارة :
وهذا لأن الذمي لا يتوقى مما يتوقى منه المسلم من العقود المحرمة والباطلة، ولا
يرون بيع الخمر والخنزير حرام.
وقد قال إسحاق بن إبراهيم : سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يشارك اليهودي
والنصراني؟ قال : يشاركهم ولكن هو يلي البيع والشراء وذلك أنهم يأكلون الربا
ويستحلون الأموال.
ثم قال أبو عبد الله ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل. وقال إبراهيم بن
هانىء : سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي - كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 3،
صفحة 1330.
- عقل الذمي نصف عقل المؤمن
عن رسول الله : إن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، ذكره النسائي. وعن الترمذي :
عقل الكافر نصف عقل.
وعند أبي داود، كانت قيمة الدية - دية الذمي - على عهد رسول الله ثمانمائة دينار،
وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم، فلما كان عمر رفع
دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع - راجع : فتأوي رسول الله
307.
- شهادة أهل الذمة
قالوا : لا تقبل شهادة الكافر على المسلم لقوله تعالى "واستشهدوا شهيدين من
رجالكم". وقال عمر بن الخطاب : المسلمون عدول بعضهم على بعض - أي أن غير المسلم
ليس عدلاً - فلا تُقبل شهادته على المسلم، قال عمر بن الخطاب : العبد والذمي إذا
شهدا ردت شهادتهما - راجع : موسوعة فقه عمر بن الخطاب 402 وسنن البيهقي 10/ 197
والمحلى 9/ 293 وأخبار القضاة 1/ 70 و283 .
فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام :
- لا يُقتل مسلم بكافر
قال النبي : (ولا يُقتل مسلم بكافر). وأكثر أهل العلم لا يوجبون على
مسلم قصاصاً بقتل كافر، أي كافر كان. رُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن
ثابت، ومعاوية، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن
شبرمة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن
المنذر، وقال النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي : يُقتل المسلم بالذمي خاصة ./50 قال
أحمد : الشعبي والنخعي قالا : دية المجوسي واليهودي والنصراني، مثل دية المسلم،
وإن قتله يُقتل به. هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول!
واستبشعه. وقال : النبي يقول : "لا يقتل مسلم بكافر". وهو يقول : يُقتل بكافر." -
رواه الإمام أحمد وأبو داود ./85، وفي لفظ : "لا يُقتل مسلم بكافر" - رواه
البخاري، وأبو داود ./85.
في أحكام ضيافتهم للمارين بهم وما يتعلق بها :
- ونوقر المسلمين في مجالسهم ونقوم لهم
توقير المسلمين في مجالسهم، والتوقير : التعظيم والاحتشام لهم، ولا يمكرون عليهم
بمكر، ولا يدخلون عليهم بغير استئذان ولا يفعلون بين أيديهم ما يخل بالوقار
والآداب، ويحيونهم بتحية أمثالهم ولا يمدون أرجلهم بحضرتهم، ولا يرفعون أصواتهم
بين أيديهم ونحو ذلك.
قولهم (أي إذا دخلوا ونحن في مجلس قمنا لهم عنه وأجلسناهم فيه، وهذا يعم المجالس
المشتركة والمختصة بهم، فإذا دخلوا عليهم دورهم وكنائسهم قاموا لهم عن مجالسهم
وأجلسوهم فيها - راجع أحكام أهل الذمة 2/191.
هذه كانت بعض أحكام أهل الذمة في الإسلام. من أراد المزيد عليه مراجعة كتاب ابن
القيم (أحكام أهل الذمة في إسلام) وكتب الفقه. وقد ذكر الشروط العمرية ابن كثير
في تفسيره لآية سورة التوبة 29 - راجع أيضاً : العماد الأصبهاني في كتاب الروضتين
في أخبار الدولتين لأبى شامة 2/134. والجهاد لابن تيمية 2/223 والخراج لأبي يوسف
ص 140 -153. وأحكام الماوردي ص 14.
سؤال : لو افترضنا جدلاً أن الدول الغربية قررت العمل (تطبيق) أحكام أهل الذمة في
الإسلام على رعياها المسلمين ولكن مع تعديل بسيط في التسمية وليس في الأحكام،
فبدل أن يطلق عليها (أحكام أهل الذمة في الإسلام) يطلق عليها (أحكام أهل الإسلام
في الغرب)، ماذا سيكون موقفكم من تلك الأحكام؟ هل ستتقبلونها ؟
الغريب في أمة الإسلام هو : أنهم يصفون بعض اعتراض الغربيين على الحجاب
بالعنصرية، لكن أحكام الغيار (أي أحكام لباس أهل الذمة) ليست عنصرية !!
والأغرب من هذا وذاك أنهم يتهمون الغرب بالكيل بمكيالين. حقاً إن لم تستحي افعل
ما شئت وقل ما شئت.
سؤال : هل تتماشى تلك الأحكام مع
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1948 ؟
والتي نصت مواده على :
المادة 1 يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا
عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء. وهل من تساوي في الكرامة
والحقوق في أحكام كهذه ؟ ألا تخالف تلك الأحكام هذا الإعلان؟.
المادة 2 لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا
الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو
الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة
أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلاً عما تقدم
فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو
البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلاً أو تحت
الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.
المادة 3 لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
المادة 4 لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة
الرقيق بكافة أوضاعهما.
المادة 5 لا يُعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية
أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.
المادة 6 لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية.
المادة 7 كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية
متكافئة منه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز
يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا.
المادة 8 لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال
فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون.
المادة 9 لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً.
المادة 10 لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن
تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه
والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه.
المادة 11 (1) كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته
قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.
(2) لا يدان أي شخص من جراء أداة عمل أو الامتناع عن أداة عمل إلا
إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا
توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة.
المادة 12 لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو
مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا
التدخل أو تلك الحملات.
المادة 13 (1) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.
(2) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له
العودة إليه.
المادة 14 (1) لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء
إليها هرباً من الاضطهاد.
(2) لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو
لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
المادة 15 (1) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
(2) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.
المادة 16 (1) للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة
دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه
وعند انحلاله.
(2) لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى
كاملاً لا إكراه فيه.
(3) الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع
بحماية المجتمع والدولة.
المادة 17 (1) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
(2) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.
المادة 18 لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق
حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة
الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.
المادة 19 لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية
اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية
وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
المادة 20 (1) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات
السلمية.
(2) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.
المادة21 (1) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما
مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.
(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
(3) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة
بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين
الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
المادة 22 لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي
أن تحقق بوساطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر
لشخصيته.
المادة 23 (1) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية
كما أن له حق الحماية من البطالة.
(2) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساوِ للعمل.
(3) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرضِ يكفل له ولأسرته عيشة
لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.
(4) لكل شخص الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته.
المادة 24 لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولاسيما في تحديد
معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.
المادة 25 (1) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافِ للمحافظة على الصحة
والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك
الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض
والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن
إرادته.
(2) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال
بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير
شرعية.
المادة 26 (1) لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله
الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً وينبغي أن
يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة
التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.
(2) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماءً كاملاً،
وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة
بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة
لحفظ السلام.
(3) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم.
المادة 27 (1) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع
الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه.
(2) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على
إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.
المادة 28 لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه
الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققاً تاماً.
المادة 29 (1) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته
أن تنمو نمواً حراً كاملاً.
(2) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها
القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات
العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.
(3) لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع
أغراض الأمم المتحدة ومبادئها
المادة 30 ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة
أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة
فيه.
أسئلة ملحة : هل تتماشى المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان والتي تنص على : ((1) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة
لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً. (2) لكل شخص نفس
الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد). مع المنع من استعمال اليهود
والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم ؟!
هل تتماشى المسألة الثانية من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي
تنص على : (لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل) مع ما جاءت به تلك
الأحكام من حكم : لا يشارك أحد منهم مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر
التجارة ؟!
هل تتماشى المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على : (لكل شخص
الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو
عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء
أكان ذلك سراً أم مع الجماعة)
مع ما جاءت به تلك الأحكام من :
1. لا نظهر عليها صليباً
2. ولا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا
3. ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا مما يحضره
المسلمون.
4. ولا نخرج صليباً ولا كتاباَ في أسواق المسلمين ؟!
هل تتماشى المادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (لكل إنسان حق التمتع بكافة
الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو
اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل
الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين
الرجال والنساء. وفضلاً عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو
القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو
تلك البقعة مستقلاً أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته
خاضعة لأي قيد من القيود) مع ما جاءت به تلك الأحكام فيما يتعلق بتغيير لباسهم
وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس ونحوه ؟!
إنها العنصرية بأبشع أنواعها وأبشع أشكالها.
عنصرية الإسلام ألغت كل القيم الإنسانية وتجاوزت كل الحدود حين حرمت المسلم من أن
يتخذ من اليهود والمسيحيين
(ومن غيرهم كذلك....) أصدقاء
له.
علاقة المسلم بغير المسلم (الموالاة)
الموالاة في اللغــة:
أصـل المـوالاة من الوَلْى - بسكــون اللام - وهو القُرْب والدُّنُوْ، ومنه قول
النبي للغــلام (كـُلْ مما يليك) أي مما يقاربك، ووالى بين شيئين : تابَعَ بينهما
بلا تفرقة، ومنه الموالاة في أعمال الوضوء أي المتابعة بينها بلا تفرقة. فأصل
الموالاة : القرب والمتابعة.
قال الزبيدي في تاج العروس : "هي المحبة بغض النظر عن درجة هذا الحب ومرتبته، فكل
من أحببته وأعطيته ابتداءً من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته
إلى نفسك" - تاج العروس 10/401.
وتأتي أيضاً بمعنى النصرة، وتأتي كلمة (أولياء) بمعنى الخاصة والبطانة، وأيضاً
بمعنى الاتحاد والتجانس.
وقال الفرّاء : الوَلِيّ والمَوْلى واحد في كـلام العـرب - (لسـان العـرب)
15/408، وكلاهمـا يستعمـل فـي الفاعل (الموالِي، بكسر اللام) والمفعول (الموالَي،
بفتح اللام) - المفردات للراغب الأصفهاني صـ 533.
وتـولّى فلانٌُ فلاناً : أي اتبعه وأطاعه وتقرَّب منه ونصره.
وتولّى عنه : أي أعرَضَ وذهب وانصرف، فمعناها عكس (تولّى) التي تعنى اقترب، ومنه
قوله تعالى "فاعرض عن من تولى عن ذكرنا" النجم 29، وقوله تعالى "فتولّ عنهم"
القمر 6، وإذا جاءت تولى بمعنى أعرض وانصرف كما في قوله تعالى "لا يصلاها إلا
الأشقى الذي كذّب وتولى" الليل 15 ـ 16، فيُقَدَّر فيها (عن) محذوفة بعد (تولّى)
- انظر : (لسـان العـرب) لابن منظور، ط دار صادر، 15/406 ـ 415، و(النهاية) لابن
الأثير 5/ 227 ـ 230، و (المفردات) للراغب الأصفهاني 533 ـ 535، و (مختار الصحاح)
للرازي صـ 736، و(المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية بمصر 2/1057 ــ 1058، و
(مجموع فتاوى ابن تيمية) 20/ 499.
أما التولي : قال الجوهري في (الصحاح) 6/2530 "هو تقديم كامل المحبة والنصرة
للمتولى بحيث يكون المتولِي مع المتولَى كالظل مع الجسم". فالتولي بمعنى الاتخاذ
والاتباع المطلق، وبمعنى الانقطاع الكامل في نصرة المتبع وتقريبه وتأييده، ويأتي
بمعنى الاتباع، وبمعنى التفويض.
وكل تولي موالاة وليس العكس، والتولي أخص من الموالاة، فكل تولي كفر والموالاة
منها ما هو كفر ومنها ما هو دون ذلك، على اختلاف بين العلماء في التفريق.
وضد الموالاة : المعاداة، وهى المباعدة والمخالفة. والوَليّ ضــد العــدو،
والوَلِيّ هو : الناصــر والمعــين والحليف والمحـب والصديق والقريب في النسب،
والمعِتق، والعَبْد، وكل من قام بأمر فهو وَلِيُّه : كولي الأمر، وولي المرأة في
النكاح وولي اليتيم ونحوه.
قال بطرس البستاني في (محيط المحيط) 2/1353 "هي مصدر عادى يعادي وعداءً، والعداء
مصدر عادى أي خاصمه، وصار له عدواً، والعداوة : اسم بمعنى الخصومة والمباعدة،
والعدو والعداوة، أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو"
والعدو : ضد الولي، والجمع أعداء وجمع الجمع أعادي، وهو ضد الصديق أيضاً، والعدو،
والعداوة، والأعداء، والعدوان، كلها ورد استعمالها في القرآن، وتأتي المعاداة في
أغلب استعمالاتها، ويراد بها البغض والكراهية وحب الانتقام، عكس الموالاة تماماً،
والتي تدل في أغلب استعمالاتها على المحبة والمودة والمتابعة والنصرة والقربة،
وبذلك فالموالاة والمعاداة بهذا المعنى المتقدم ضدان لا يجتمعان، فوجود أحدهما
ينفي الآخر لزوماً في حق ذات معينة.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (الرسائل الشخصية) ص232 "أبلغوهم أن المعاداة
ملة إبراهيم عليه السلام، ونحن مأمورون في متابعته"، قال تعالى "قد كانت لكم أسوة
حسنة في إبراهيم والذين معه" إلى قوله "حتى تؤمنوا بالله وحده". ثم قال "واذكروا
لهم، أن الواجب على الرجل أن يعلّم عياله وأهل بيته الحب في الله، والبغض في
الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا
صحة لإسلام المرء إلا بصحة الصلاة ولا صحة لإسلامه أيضاً إلا بصحة الموالاة
والمعاداة في الله".
المولاة في الشرع:
تُطلق الموالاة على عدد من المعاني، يُعرف المراد منها بحسب السياق، وجميع
المعاني الشرعية للموالاة ترجع إلى أصلها اللغوي وهو القُرب والدُّنُوْ.
والمـوالاة المحـرمة شرعاً هي صـرف المسلـم شيـئاً من هـذه الخصـال إلى الكافرين،
كما جاء في القرآن : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"
الممتحنة 1. فإن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعادوا الكفار ويبغضوهم
ويقاتلوهم ما استطاعوا.
كما جاء في القرآن "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا
لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم
العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده" الممتحنة 4، وقال أيضاً : "يا
أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير" التوبة
73 والتحريم 9.
فمن قام بخلاف هذا فأطاع الكافرين أو أحبهــم أو نصــرهم، فقــد تولاّهم، ومن
تولاهم فــقد كفــر لقوله - في الآيات موضع الاستدلال - "ومن يتولهم منكم فإنه
منهم" المائدة 51، ويتأكد كفره إذا ما أطاع الكافرين أو نصرهم فيما يضر الإسلام
والمسلمين كما يفعل أنصار الحكام المرتدين لأن هذه مشايعة لهم فيما هم عليه من
الكفر وإعانة على ظهور الكفر على الإسلام.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره : 6/160 " "ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا
يهدي القوم الظالمين" من تولاهم ونصرهم على المؤمنين من أهل دينهم وملتهم، فإنه
لا يتولى متولِ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه،
فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه كحكمه".
وبيَّن ابن جرير العموم الذي تدل عليه الآية بقوله (والصواب من القول في ذلك
عندنا أن يقال : إن الله تعالى في ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود
والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم
نصيراً وحليفا وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزّب على
الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان - إلى أن قال : "ومن
يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَ اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم،
يقول : فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا
يتولى متولّ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد
عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه كحكمه) - تفسير الطبري 6/ 276 ــ 277.
وقال القرطبي في قوله : "ومن يتولهم منكم" أي يعضدهم على المسلمين "فإنه منهم"
بيّن تعالى أن حُكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي
تولاّهم ابن أُبَيّ، ثم هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال
تعالى "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"، وقال تعالى في آل عمران "لا
يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"، وقال تعالى "لا تتخذوا بطانة من
دونكم" وقد مضى القول فيه. وقيل : إن معنى "بعضهم أولياء بعض" أي في النصرة. "ومن
يتولهم منكم فإنه منهم" شرط وجوابه، أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما
خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار
منهم أي من أصحابهم) - تفسير القرطبي 6/ 217.
ويقول ابن حزم في (المحلى) 13/35 " صح أن قوله تعالى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم"
إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا لا يختلف فيه اثنان من
المسلمين".
يقول ابن القيم في (أحكام أهل الذمة) 1/67 "إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه
أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم، "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" فإذا كان
أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم".
يقول البيضاوي نقلاً عن (الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك) ص56 وص39 : "قال
تعالى "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من
الله في شيء"، "ومن يفعل ذلك" أي اتخاذهم أولياء، "فليس من الله في شيء" أي من
ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية، فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان".
يقول شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود) 7/337 "عن سمرة بن جندب قال : قال
رسول الله (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله"، قال أصحاب اللغة جامعه على كذا
اجتمع معه ووافقه انتهى المشرك بالله، والمراد الكفار ونص على المشرك لأنه الأغلب
حينئذ، والمعنى من اجتمع مع المشرك ووافقه ورافقه ومشى معه وسكن معه أي في ديار
الكفر فإنه مثله، أي من بعض الوجوه؛ لأن الإقبال على عدو الله وموالاته توجب
إعراضه عن الله، ومن أعرض عنه تولاه الشيطان ونقله إلى الكفر.
قال الزمخشري : وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة العدو متنافيان وفيه
إبرام وإلزام بالقلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والتحرز عن مخالطتهم
ومعاشرتهم "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" والمؤمن أولى
بموالاة المؤمن وإذا والى الكافر جره ذلك إلى تداعي ضعف إيمانه فزجر الشارع عن
مخالطته بهذا التغليظ العظيم حسماً لمادة الفساد "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا
الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين"، وقوله "يا أيها الذين آمنوا لا
تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن
الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى
أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا
في أنفسهم نادمين"، فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى وذكر
أن من والاهم فهو منهم أي من تولى اليهود فهو يهودي ومن تولى النصارى فهو نصراني.
وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال، قال عبد الله بن عتبة : ليتق أحدكم
أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، قال فظنناه يريد هذه الآية : "يا أيها
الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" إلى قوله "فإنه منهم"..
وقال ابن تيميـة أيـضاً : يبـين ذلك أنـه ذكــر هـذا في ســياق النهي عن مــوالاة
الكفــار، فـقال تعالى" يا أيها الذين آمنوا لا تتخــذوا اليهــود والنصــارى
أوليـاء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنـه منهم، إن الله لا يهدي القوم
الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة،
فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين
- إلى قوله - يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم
يحبهم ويحبونه". فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية
الردة. ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة. وهو لما نهـي عن مــوالاة الكفار
وبيَّن أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم بيَّن أن من تولاهم وارتد عن دين
الإسلام لا يضر الإسلام شيئاً - مجموع الفتاوى 18/ 300، وله مثله في جـ 28/193.
وقال ابن تيمية أيضاً : قال تعالى "يا أيها الـذين آمــنوا لا تتخــذوا اليهـود
والنصـارى أوليـاء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم" فيوافقهم ويعينهم فإنه
منهم أهـ - مجموع الفتاوى 25/ 326.
وكذلك من تولى المشرك فهو مشرك ومن تولى الأعاجم فهو أعجمي، فلا فرق بين من تولى
أهل الكتابين وغيرهم من الكفار، ثم أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في
الدين وشبهة يسارعون في الكفر قائلين "… نخشى أن تصيبنا دائرة…" المائدة 52، أي
إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا : نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل،
فيتسلطون علينا، فيأخذون أموالنا ويشردوننا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله
الذي قال الله فيه "الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم
ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً".
قد أفادت آيات سورة المائدة موضع الاستدلال بأن من تولى الكفار فقد كَفَر، وقد
تأكد كفره بعدة مؤكدات من نفس الآيات ومن غيرها، ومن ذلك : "ومن يتولهم منكم فإنه
منهم" المائدة 51، وأكّد أنه منهم بحرف التوكيد (إنَّ). وقوله "حبطـت أعمالهـم
فأصبحوا خاسرين" المائدة 53، وحبوط العمل والخسران بسبب الكفر. وقوله "من يرتـد
منكـم عن دينه" المائدة 54 فإنها خطاب لنفس المخاطبين بالنهي عن موالاة الكافرين
كما قال ابن تيمية والشوكاني فيما نقلته عنهما آنفاً : إن الموالاة نوع من الردة.
وقوله "لا يتخــذ المؤمنــون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس
من الله في شيء" آل عمران 28، قال ابن جرير الطبري في تفسيرها : ومعنى ذلك : لا
تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على
المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك فليس من الله
في شيء، يعني بذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في
الكفر - تفسير الطبري 6/ 313.
وقد أفـادت أيضاً آيات سـورة المائــدة موضع الاسـتــدلال أن هذا الحكـم بالكفر
عام، يجري على كل مسلم تولى الكافرين، وذلك لأن الآية المشتملة على هذا الحكم هي
من صيغ العموم، لأنها مُصدَّرة بـ (مَنْ) الشرطية، قال "ومَنْ يتولهم منكم فإنه
منهم"، وقال ابن تيمية : ولفظ (مَنْ) أبلغ صيغ العموم، لاسيما إذا كانت شرطاً أو
استفهاماً - مجموع الفتاوى جـ 15/ 82، وله مثله في جـ 24/ 346.
إذن موقف القرآن من علاقة المسلمين بغير المسلمين بشكل عام ومن اليهود والمسيحيين
بشكل خاص واضح وصريح : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"
المائدة 51.
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن
تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً" النساء 144.
وهذا نهي عام للمسلمين من أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين الذين يتخذون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في دروب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه.
يقول لهم : "يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ولا توالوا الكفار فتؤازروهم من
دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجب له النار من المنافقين".
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم،
قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم
تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم !!" آل عمران 118،119.
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تلقون إليهم بالمودة، وقد
كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم، أن تؤمنوا بالله ربكم" الممتحنة
1.
"بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون
المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعاً" النساء 138،139.
****
علاقة المسلم بغير المسلم من القرآن والسنة
ولم تقف أوامر القرآن عند حد مطالبة المسلمين بعدم اتخاذ اليهود والمسيحيين
أصدقاء، بل أخذ القرآن أبعاداً أكثر وأخطر من ذلك بكثير؛ أبعاداً وصلت لحد
مطالبته بملاحقتهم والتضييق عليهم وقتالهم أينما وجدوهم حتى يسلموا أو يدفعوا
الجزية (الإتاوة).
"قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَاغِرُونَ" التوبة 29.
"قاتلوا" القوم "الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" يقول : ولا يصدقون بجنة
ولا نار.
"ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق" يقول : ولا يطيعون الله
طاعة الحق. يعني : أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام.
"من الذين أوتوا الكتاب" وهم اليهود والنصارى.
"من الذين أوتوا الكتاب" وهم أهل التوراة والإنجيل.
"حتى يعطوا الجزية" ومعنى الكلام : حتى يعطوا الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه
للمسلمين دفعاً عنها.
وأما قوله : "عن يد وهم صاغرون" أي يدفعوا الجزية بأيديهم للمسلمين دون إنابة وهم
أذلاء مقهورون، يقال للذليل الحقير : صاغراً.
قال القرطبي في تفسيره للآية : "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"
الخ. أمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار، وخص أهل الكتاب بالذكر. وسبب قتالهم
يرجع لنكرانهم نبوة محمد.
"فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ"
التوبة 5.
يعني بقوله : "فإذا انسلخ الأشهر الحرم" فإذا انقضى ومضى أشهر الحرم، وهي بعض
الأشهر العربية : ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم.
"فاقتلوا المشركين" يقول : فاقتلوهم "حيث وجدتموهم" حيث لقيتوهم من الأرض في
الحرم وغير الحرم.
"وخذوهم" يقول : وأسروهم "واحصروهم" يقول : وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام.
"واقعدوا لهم كل مرصد" يقول : واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم كل مرصد،
يعني : كل طريق ومرقب، وهو مفعل من قول القائل رصدت فلاناً أرصده رصداً، بمعنى :
رقبته. "فإن تابوا" أي إن اسلموا وأقروا بنبوة محمد. "فخلوا سبيلهم" - راجع :
تفسير الطبري، شرح آية سورة التوبة 5. وتفسير القرطبي. وابن كثير. وصفوة
التفاسير.
"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" البقرة 193. يقول للمؤمنين به
فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له.
"ويكون الدين كله لله" يقول : حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره.
لكي لا يكون مع دينكم كفر وحتى يقال : لا إله إلا الله، عليها قاتل النبي، وإليها
دعا.
عن الربيع : "ويكون الدين لله" يقول : حتى لا يعبد إلا الله، وذلك لا إله إلا
الله؛ عليه قاتل النبي وإليه دعا. فقال النبي : (إني أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
"فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" يعني بقوله : "فإن انتهوا" فإن انتهى
الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودخلوا في ملتكم، وأقروا بما ألزمكم الله
من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداء عليهم وقتالهم
وجهادهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين وهم المشركون بالله، والذين
تركوا عبادته وعبدوا غير خالقهم.
عن قتادة قوله : "فلا عدوان إلا على الظالمين" والظالم الذي أبى أن يقول لا إله
إلا الله - راجع : تفسير الطبري في شرحه للآية سورة البقرة 193.
"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" الأنفال 60. وأعدوا لهؤلاء الذين
كفروا بربهم، "ما استطعتم من قوة" يقول : ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي
تكون قوة لكم عليهم من السلاح والخيل.
"ترهبون به عدو الله وعدوكم" يقول : تخيفون بإعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من
المشركين.
"سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق" أنفال 12. يقول : سأرعب
قلوب الذين كفروا بي أيها المؤمنون منكم، وأملأها فرقاً حتى ينهزموا عنكم،
فاضربوا فوق الأعناق!! أي اضربوا الرقاب، رقاب الكفار أي الغير مسلمين. راجع جميع
تفاسير القرآن في شرحهم للآية.
"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا
أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض" المائدة 33.
*****
خرافة مقولة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)
من أين جاءونا بقانون المعاملة بالمثل وبمقولة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)؟ هل
لكم أن تدلونا على آية أو حديث يقرر هذا المبدأ؟ إن هذا المبدأ مبدأ باطل مخالف
للقرآن وللسنة رغم شيوعه على ألسنة الكثيرين..
لقد نسوا أصحاب الفضيلة المنادين بمقولة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) قوله
تعالى : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون" القلم35 - 36.
فهذا النص يدل على أنه لا يمكن أن يساوى المسلم بالكافر لا في الدنيا ولا في
الآخرة، فكيف يكون لغير المسلم ما للمسلم وعليه ما عليه؟
ثم إني أسـأل المسلم ومن قال بقوله : أنى للمسلم أن يتزوج بالكتابية فهل للكتابي
أن يتزوج بالمسلمة؟ وإذا كانت الإجابة بلا وهي كذلك قطعاً فكيف يكون لهم ما لكم
؟!
وإن على المسلم أن يدفع زكاة ماله فهل على الذمي - وإن كان من أغنى الأغنياء - أن
يدفع الزكاة؟ لا شك أنه ليس عليه زكاة فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون عليهم ما
على المسلمين؟!.
والعجيب أن الكثيرين ممن يذكرون هذا المبدأ ينسبونه إلى النبي، وهذا باطل. فإن
هذا القول لا أصل له في كتب السنة إذا كان المقصود به أهل الذمة، وإلا فهو وارد
في شأن من أسلم من الكفار والمشركين، كما في حديث أنس مرفوعاً : (أُمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا
ويأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم
إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) - أخرجه أبو داود 2641
والترمذي 2608.
وقد بين الشـيخ الألباني في السـلسلة الضعيفة (1103) (2176) بطلان هذا الحـديث
إذا قصد به أهـل الذمـة ثم قال : وإنَّ مما يؤكد بطلانه مـخالفته لنصوص أخرى
قطعية؛ كقوله تعالى "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون"، وقوله : "لا
يقتل مسلم بكافر"، وقوله : "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ..."، وكل هذه
الأحاديث مما اتفق العلماء على صحتها.
ومن مظاهر العنصرية في الإسلام أيضاً (أحكام الديار)، فكما قسمت شريعة الإسلام
العباد إلى مؤمن وكافر. هكذا أيضاً قسمت شريعة الإسلام البلاد إلى قسمين بلاد
الإسلام أو دار السلم. وبلاد الكفر أو دار الحرب. فما هو الأساس الشرعي لهذا
التقسيم؟
******
أحكــــام الديـــــار
قال صاحب كتاب (الجامع في طلب العلم الشريف) الشيخ الدكتور عبد القادر بن عبد
العزيز : اعلـم أن أسـاس تقسيـم العالـم إلى داريــن ـ دار الإسـلام ودار الكفـر
ـ هو عمـوم بعثـة النـبي إلى الناس كافة : عموماً مكانياً لجميع أهل الأرض،
وعموماً زمانياً من وقت بعثته وإلى يوم القيامة، ومع عموم بعثته وصَدْعِهِ بدعوته
انقسم الخلق إلى مؤمن به وكافر، ثم فرض الله تعالى على المؤمنين الهجرة من بين
الكافرين، وقيض الله لهم أنصاراً بالمدينة فكانت هي دار الهجرة ومجتمع المهاجرين
وبها أنشأ رسول دولة الإسلام، وظل فرض الهجرة إلى المدينة قائماً حتى فتح مكة، ثم
ظلت فريضة الهجرة على كل مسلم يقيم بين الكافرين، فتميزت الديار بذلك إلى دار
الإسلام وهى مجتمع المسلمين وموضع سلطانهم وحكمهم، ودار الكفر وهى مجتمع الكافرين
وموضع سلطانهم وحكمهم، ثم فرض الله على المؤمنين قتال الكفار إلى قيام الساعة
فسميت دارهم أيضاً دار الحرب.
الأدلة على هذا التقسيم :
ذهب بعض المعاصرين - مثل د. وهبة الزحيلي في كتابه (آثار الحرب في الفقه
الإسلامي) - إلى أن تقسيم العالم إلى دارين لا أساس له من الكتاب والسنة وإنما هو
اجتهاد من الفقهاء بعد عصر النبوة وعصر الصحابة.
ويجب أن يكون معلومــاً أن هذا التقسيـم مجمع عليه بين علماء الأمة من السلف
والخلف. وأن الإجماع لابد أن يستند إلى دليل من الكتاب أو السنة كما قال ابن
تيمية - انظر (مجموع الفتاوى) 7/39.
ونحن نذكر هنا بعض الأدلة على هذا التقسيم:
فمن القرآن قوله : "وقال الذين كفـروا لرسلهـم لنخرجنكـم من
أرضـنا أو لتعودن في ملتنا" إبراهيم 13، وقوله "قال الملأ الذين استكبروا من قومه
لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا" الأعراف 88.
فالإضافة في كلمتي (أرضنا) و(قريتنا) - وهى إضافة الأرض والقرية إلى ضمير
المتكلمين (نا) - هي إضافة تملك، فأرضنا وقريتنا تعني أرض الكافرين وقرية
الكافرين التي يملكها الكفـار ويتحكمـون فيها بالأمر والنهي والسلطان ولهذا
هدّدوا رسلهم، وهذه هي صفة دار الكفر.
وقوله "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم
بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار" الممتحنة 10.
وقوله "والذين آمنـوا ولم يهاجـروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا" الأنفال
72.
فهذه النصوص الخاصة بالهجرة تدل دلالة واضحة على الدارين دار الإسلام ودار الكفر،
إذ الهجرة إذا أطلقت في نصوص الشرع تعني الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام.
ومن النصوص في هذا أيضاً قوله "سأوريكم دار الفاسقـين" الأعراف 145.
ومن السنــة : الأحــاديث الــواردة في وجوب الهجرة وهى تدل على
تقسيم العالم إلى دارين، ومنها الأحاديث المذكورة في المسألة الأولى ومنها أيضا
قوله (كلُ مسلمٍ على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله عز وجل من مُشركٍ
بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين) - رواه النسائي بإسناد حسن عن
بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
وبالإضافة إلى أحاديث وجوب الهجرة، فمن النصوص الدالة على هذا التقسيم : عن ابن
عمر (أن رسـول الله نهــى أن يُسافــر بالقرآن إلى أرض العـدو) متفق عليه.
ومنها حديث ابن عباس الطــويل في الرجم وفيه أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر بن
الخطاب بمنى (فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة) - الحديث رواه
البخاري (6830).
ومنها ما رواه النســائي بإســناد صحيــح عن ابن عباس قال (إن رسـول الله وأبا
بكر وعمر كانوا من المهاجرين لأنهم هجروا المشركين وكان من الأنصار مهاجرون، لأن
المدينة كانت دار شرك، فجاءوا إلى رسول الله ليلة العقبة).أهـ.
قال ابن منظور (والدارة : لغة في الدار) (لسان العرب) 4/ 298، ط دار صادر.
وبلدة الكفر هي دار الكفر كما قال ابن حجر في شرحه (وفيه فضل الهجرة من دار
الكفر) فتح الباري 1/ 535.
فهــذه النصــوص تدل على أن تقسيــم العالم إلى دارين دار الإسلام ودار الكفر
ثابت بالكتاب والسنة ومنقول عن الصحابة. وأن الهجرة واجبة من الثانية إلى الأولى.
بل قد وردت المصطلحات الخاصة بهذه الديار في الكتاب والسنة - في النصوص السابقة -
بألفاظ مختلفة مثل : دار الفاسقين - أرض العدو - دار الهجرة والسنة - دار شرك -
دارة الكفر - بلدة الكفر. وهذا كله في الرد على من زعم إن تقسيم العالم إلى دارين
أمر أحدثه الفقهاء باجتهادهم.
تعريف دار الإسلام ودار الكفر:
يظهر من الأدلــة المذكــورة في المسألتين السابقتين أن دار الإسلام هي البلاد
الخاضعة لسلطان المسلمين وحكمهم، وأن دار الكفر هي البلاد الخاضعة لسلطان
الكافرين وحكمهم، وإليك أقوال العلماء في هذا:
قال ابن القيم (قال الجمهــور : دار الإسـلام هي التي نزلها المسلمــون وجــرت
عليـها أحكــام الإسلام، وما لم تجرِ عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن
لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جداً ولم تصر دار إسلام بفتح مكة) - أحكام أهل
الذمة لابن القيم، 1/ 366، ط دار العلم للملايين 1983.
وقال الإمــام السَّـرَخْسي الحنفي (عند أبي حنيفة إنما تصــير دارهــم دار الحرب
بثلاث شرائط، أحدها : أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار
للمسلمين، والثاني : أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ولا ذمي آمن بأمانه،
والثالث : أن يُظهروا أحكام الشرك فيها).
ولم يعتبــر العلمـاء الشـروط التي ذكـرها أبو حنيفة حتى خالفـه صاحبـاه : القاضي
أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني كما ذكر السرخسي، وذكره أيضاً علاء الدين
الكاساني وعلل قولهما بقوله (إن كل دار مضافة إما إلى الإسلام وإما إلى الكفر،
وإنما تضاف الدار إلى الإسلام إذا طُبقت فيها أحكامه، وتضاف إلى الكفر إذا طبقت
فيها أحكامه، كما تقول الجنة دار السلام والنار دار البوار لوجود السلامة في
الجنة والبوار في النار، ولأن ظهور الإسلام أو الكفر بظهور أحكامهما) - بدائع
الصنائع للكاساني، 9/ 4375، ط زكريا علي يوسف. فجعل الكاساني مناط الحكم على
الدار هو نوع الأحكام المطبقة فيها.
وانتقــد ابن قدامة الحنبلي أيضاً شــروط أبي حنيفة فقال (ومتــى ارتد أهــل بلد
وجــرت فيه أحكامـهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد
الردة، وعلى الإمام قتالهم فإن أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة،
ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن
تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا
قاتلهم قتل من قدر عليه ويُتبع مدبرهم ويُجاز على جريحهم وتغنم أموالهم، وبهذا
قال الشافعي).
وعن أبي يوسف ومحمد إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب، لأن
البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة. فكل موضع ظهر فيه حكم
الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم
الإسلام فالقوة فيه للمسلمين - المبسوط للسرخسي، جـ 10 صـ 114، ط دار
المعرفة.
فجعل الصاحبان المناط : هو الغلبة والأحكام.
قال ابن قدامة - ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب - المغني مع
الشرح الكبير 10/ 95.
ابن قدامة مناط الحكم على الدار نوع الأحكام الجارية فيها.
وقال السرخسي في شرحه لكتاب (السير الكبير) (والدار تصير دار المسلمين بإجراء
أحكام الإسلام) - السير الكبير 5/ 2197.
وللقاضي أبي يعلى الحنبلي (كل دار كانـت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام
الإسلام فهي دار الكفر) - المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى صـ 276، ط دار المشرق
ببيروت 1974.
ولعبد القاهر البغدادي مثله في (أصــول الــدين) له، صـ 270، ط دار الكتب العلمية
ط 2.
وقال الشيخ منصور البهوتي (وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب وهى
ما يغلب فيها حكم الكفر) - كشاف القناع، 3/ 43.
هذه هي شريعة الإسلام التي قسمت البلاد والعباد
هذا هو الإسلام دين الصدق والرحمة والتسامح والسلام!!
هذا هو رحم .. جُب .. هاوية الأصولية الإسلامية .. بأبعاده وجذوره المتباينة ..
أعمدة هذا الهيكل الأصولي المختبئ وراء أقنعة الزخارف المصطنعة والتقوى المزيفة
والبياض المدنس .. والقرابين البشرية الموضوعة على مذبحه منذ 1400 عام .. مذبحه
المقدس جداً .. والمعصوم جداً لعله يرضي الآلهة .. لعلها تشم رائحة الدم .. فترحم
!! وتدخلهم جناتها التي تجري من تحتها الأنهار حيث أنهار الخمر المعتقة .. واللبن
الأبدي .. والذهب الثمين والولدان المخلدون .. وحور العين … اشتياق
اللاهثين
هذا الهيكل المقدر علينا .. والمكتوب بماء الذهب على بابه .. بابه المرصع
بالأحجار الكريمة ..
"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله
ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"
التوبة 29.
"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهما
واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله
غفور رحيم" التوبة 5.