الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق

 

المقدمة

شبه الجزيرة العربية – التي تمتد من الخليج الفارسى/ العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، ومن الشام والعراق والكويت شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، تميزت بكونها مهد الحضارة الإنسانية، والتي بدأت في منطقة ما بين النهرين ( دجلة والفرات). في هذه المنطقة بدأ الاستقرار البشري عندما اكتشف الإنسان الزراعة وترك حياة الصيد والترحال. ومع الاستقرار وتوفر الغذاء أصبح الزمن متوفراً للإنسان ليفكر فلسفياً فيما حوله بعد أن كان يقضي جل وقته في مطاردة الحيوانات ليصطاد قوته، وبالتالي يترحل مع هذه الحيوانات حيثما ذهبت في طلب العشب، مبدداً جُل وقته في الحركة والترحال. فالزراعة قد وفرت له الاستقرار وفراغ الوقت بين مواسم الزراعة، وبذا سمحت له بالتفكير الفلسفي. وأول ما فكر فيه الإنسان فلسفياً كان معنى الحياة وتفسير الظواهر الطبيعية التي شاهدها حوله، وعليه اتجه تفكيره نحو القوة التي تتحكم في هذا العالم، وولدت لدى الإنسان فكرة الأديان. وكان طبيعياً أن تبدأ فكرة الأديان في منطقة ما بين النهرين التي بدأ فيها استقرار الإنسان الصياد. ومنها هاجر إبراهيم إلى أرض كنعان على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت هذه المنطقة مركزاً لنزول  الديانتين التوحيديتين – اليهودية والنصرانية.

وقد ظلت اليهودية محصورة في منطقة فلسطين، لعدم التبشير بها، ولاعتقاد اليهود أن ديانتهم خاصة بهم فقط وليست لغير بني إسرائيل، وكذلك ظلت  النصرانية التي كانت مضطهدة من قبل اليهودية ثم الرومان الذين كانوا يحكمون تلك المنطقة. ولما اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية ومستعمراتها في جميع أنحاء العالم، انتشرت المسيحية في منطقة الهلال الخصيب ( الشام والعراق )

فاجتمعت في جزيرة العرب الديانة اليهودية والنصرانية وعبادة الأوثان حتى العام السادس الميلادي، ثم جاء محمد بن عبد الله في مكة يدعو لدين جديد سماه الإسلام، ملة إبراهيم حنيفاً. وأهم قاعدة في هذا الدين الجديد كانت قاعدة التوحيد بالله، للتخلص من الأصنام العديدة التي كان يعبدها عرب الحجاز في ذلك الوقت.

وبعد مقاومة شديدة من قريش في مكة، هاجر محمد إلى المدينة حيث آمن به الأنصار ( الأوس والخزرج) وساندوه في نشر دينه الجديد. وفي ظرف عشرة سنوات انتشر الإسلام، بحد السيف، ليعم كل الجزيرة العربية وبسرعةٍ خاطفة انتشر الإسلام في بقية البلاد المعروفة آنذاك.

فهل أتى الإسلام بشئ جديد لم تسبقه عليه اليهودية والمسيحية؟ و كون العرب اعتنقوا الإسلام، هل أغنى ذلك حياتهم الاجتماعية والدينية؟ هل كان ممكناً لعرب الجزيرة أن يصلوا لنفس القناعة بوحدانية الله وعبادته دون الأصنام لو لم يظهر الإسلام وسطهم؟ وهل عبادة الأصنام تختلف عن عبادة الله كما يراه الإسلام؟

كل هذه أسئلة وغيرها سوف أحاول الرد عليها في متن الكتاب، وسوف أبدأ بالتوحيد. هل التوحيد في الإسلام يختلف عن التوحيد في المسيحية أو اليهودية؟

 الفصل الأول

التوحيد بالله

فلو بدأنا بفكرة التوحيد، وهي الأساس في الدين، نجد الإسلام يقول إن الله واحدٌ  وهو لن يغفر لمن يشرك به أحداً. فهل قالت اليهودية أو المسيحية بغير ذلك؟ القرآن يخبرنا " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون" [1]. وكذلك يقول القرآن:  " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [2].

فهل قال اليهود إن عزير ابن الله؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس كتاب " العهد القديم" الذي يتكون من تسعة وثلاثين سفراً، منها " التوراة" التي تشمل خمسة أسفار، وهي:

التكوين، الخروج، اللاويون، العدد، التثنية.

وهناك أسفار الأنبياء وتشمل:

يشوع، القضاة، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الملوك الأول، الملوك الثاني، أشعيا، أرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونس ( يونان)، ميخا، ناحوم، حبقوق، حجي، زكريا، ملاخي

وهناك الكتب العظيمة، وهي:

مزامير داود، الأمثال، تاريخ أيوب

وهناك المجلات الخمسة وهي:

نشيد الأناشيد، راعوث، مراثي أرميا، الجامعة، أستير

وهناك الكتب الخمسة: أخبار الأيام الأول، أخبار الأيام الثاني، نحميا، عزرا، دانيال

وجميع هذه الأسفار تؤكد أن الإله واحد لا شريك له، وتحذر من الوثنية وعبادة الأصنام، فمثلاً نجد في سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين: " لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها ولا تعمل كأعمالهم بل تبيدهم وتكسر أنصابهم، وتعبدون الرب إلهكم" [3].

وفي سفر " اللاويون " يحذر الرب كذلك من عبادة الأصنام ويؤكد أنه إله واحد: " لا تلتفتوا إلى الأوثان، وآلهةً مسبوكةً لا تصنعوا لأنفسكم، أنا الرب إلهكم" [4]. ونجد في سفر التثنية: " لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم، بنتك لا تعط لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك لأنه يرّد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى، فيزداد غضب الرب عليكم، اهدموا مذابحهم واكسروا أنصابهم واقطعوا سواريهم واحرقوا تماثيلهم بالنار"[5]. وهذا تحذير واضح لليهود من الاختلاط بالكنعانيين الذين كانوا يعبدون الأصنام.

ويؤكد الرب في سفر أشعيا أنه هو الرب الوحيد، لا إله معه: " أنا الرب وليس آخر لا إله سواي"[6]. وقد أكد إله موسى وحدانيته منذ اللحظة الأولى عندما كلم موسى على جبل الطور، فقال له: " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، ولا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك، إله غيور" [7].

وفي كل أسفار العهد القديم لا نجد غير الحث على توحيد الله والابتعاد عن عبادة الأصنام. والقرآن نفسه يقول عن التوراة: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" [8]. ويتكرر وصف التوراة هذا في عدة آيات في القرآن. وليست هناك أي آية بالتوراة تقول إن عزير ابن الله أو إن لله شريكاً أو ابناً. ويدّعي المسلمون أن الآية غير موجودة بالتوراة المعروفة لدينا الآن لأن اليهود قد حرفوا التوراة.

ولكن ليس في التوراة الموجودة بين ظهرانينا الآن ما يدل على أنها محرفة، وليست لدينا نسخة أصلية قديمة لنقارن بها التوراة الحالية لنعرف إن كانت محرفة أم لا. كل ما لدينا هو ما يقول علماء المسلمين والمفسرون من أن التوراة قد حُرفت. ولو كانت التوراة قد حُرفت، فهل يجوز لله أن يقول للرسول محمد: " وكيف يُحَكّموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ؟ "[9]  فهذا دليل على أن التوراة لم تكن قد حُرفت حتى ظهور الرسول محمد بن عبد الله. فلو كانت التوراة قد حُرفت لقال الله لرسوله:  " كيف يحكموك وعندهم التوراة قبل أن تُحرف "، أو " إنهم يحكموك لأن توراتهم محرفة" أو كلمات بهذا المعنى.

وكذلك يقول القرآن:   " قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم " [10]. فليس من المعقول أن يقول محمد لليهود إنهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة، وهو يعلم أن التوراة صارت محرفة. وعندما جاء عيسى بن مريم برسالته قال لبني إسرائيل إنه جاء: " مصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحّل لكم بعض الذي حُرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون "[11]. فعيسى قد جاء مصدقاً لما في التوراة، ولم يقل لهم جئت لأصحح التوراة التي قد حُرفت، وقد كانت الفرصة سانحة هنا أن يصحح الله التوراة عندما أرسل عيسى بالإنجيل، ولكن الإنجيل لا يختلف عن التوراة كثيراً، فهذا دليل أن التوراة لم تُحرف.

وكذلك نجد مرة أخرى أن الله قد أرسل عيسى مصدقاً لما بين يديه من التوراة: " وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدىً" [12]. فليس هناك أي ذكر بأن التوراة قد أصابها تحريف، ولكن القرآن يقول في سورة النساء: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غيرَ مُسمعٍ وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو انهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم "[13]. وهذه الآية لا تدل على أي تحريف في التوراة لأن القرآن يقول " من الذين هادوا "، يعني أن بعض اليهود يحرفون الكلام عن مواضعه، وليس كل اليهود. وتحريفهم للكلام عن مواضعه هو قولهم:         " سمعنا وعصينا " بدل أن يقولوا: " سمعنا وأطعنا "، وقولهم " راعنا"، من المراعاة ولكنهم كانوا يقصدون   " راعناً " من الرعونة، وكأنهم يصفون الرسول بالرعونة. وهذا هو المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه ". وحتى لو افترضنا أن المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه " هو تحريف التوراة، فإنه تحريف في معنى الكلمات، وليس تحريفاً في النص.

ويقول القرآن في سورة البقرة، الآية 75: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ". مرة أخرى يخبرنا القرآن أن فريقاً منهم، وليس كلهم، كانوا يسمعون كلام الله ويعونه ثم يحرفون معناه، وليس نصه في التوراة.

وفي سورة المائدة، الآية 13: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذُكّروا به ". ويقول ابن كثير: " يحرفون الكلم عن مواضعه" أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا ما لم يقل". وواضح هنا أن تحريفهم لكتاب الله كان في تأويلهم لمعناه، وليس في النص.

ولو فرضنا، كذلك، أن جزءا  من اليهود قد حرّفوا نص التوراة، فهذا يعني أن بقية اليهود لم يحرفوها، وبالتالي لا بد من وجود نُسخ من التوراة غير محرفة، ومن اليسير على اليهود المتدينين، والذين يحفظون التوراة، التعرف على المحرف منها وتصحيحها، ففي اليهود كما في المسلمين أناس قضوا كل أعمارهم في حفظ وتدريس كتاب الله.

وفي الحديث النبوي أن الله كتب التوراة قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة[14] . فإذا كان الله قد أهتم بالتوراة وكتبها حتى قبل أن يخلق آدم، فليس من المعقول أن يسمح لليهود بتحريفها، وهو قد قال: " إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون "[15]. والذكر هنا لا يعني القرآن فقط كما يدعي بعض المفسرين، فالتوراة ذكر من الله، خاصة أن الله لم يعهد بها إلى جبريل ليبلغها موسى، إنما كلم بها موسى وأنزلها عليه مكتوبة في ألواح، فلا بد له، إذاً أن يحفظها من الضياع والتحريف.

ويقول الدكتور محمد أحمد الحاج، في كتابه عن النصرانية " ومع كل هذه التحريفات فلقد بقيت التوراة دعوة صريحة في كثير من نصوصها إلى التوحيد، والمتتبع لأسفارها يجد آيات كثيرة، تصرح بتوحيد الله  وتنفي عنه الشرك، كما أنها جاءت بتفاصيل العبادة التي لا تنبغي إلا لله، وفيها تحذير واضح من الشرك والوثنية، وكذلك بقية أسفار العهد القديم"[16]. فالدكتور هنا قد قدم لنا الأدلة على أن التوراة التي بين أيدينا تحتوي على آيات عديدة تثبت وحدانية الله، لكنه لم يقدم لنا أي دليل أنها قد حُرفت، ليدعم قوله " ومع كل هذه التحريفات".

وفكرة التوحيد أصلاً كانت موجودة في القبائل البدائية في أفريقيا وأستراليا وأمريكا. فقد كانت هذه القبائل تعبد " الطوطم "، الذي هو عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعاراً لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا الطوطم، وقد يكون هذا الطوطم نباتاً أو جماداً أو حيواناً. ولكل قبيلة طوطم واحد فقط. وقد اكتشف ( جلين) و ( سبنسر) خلال أبحاثهما في وسط أستراليا بين قبائل " الأبوروجنيز" أي السكان الأصليين، وهم قبائل بدائية حتى الآن، اكتشف هذان الباحثان أن عدداً من هذه القبائل يدينون بالطوطمية[17]. فإذا صح هذا القول، تكون فكرة التوحيد معروفة للإنسان منذ زمن طويل قبل نزول الأديان السماوية التوحيدية.

ولكن هناك من يشكك في هذه النظرية من أمثال ( لانج) و( تايلور) اللذين قالا بأن الطوطم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أمماً بدائية كانت تعبد مع الطوطم آلهة أخرى وربما لم تعبد الطوطم إطلاقاً، وإن كان رمزاً لها[18].

أما عباس محمود العقاد فيعتقد أن البشرية مرت بثلاثة مراحل تطورية، هي: التعدد، والتمييز والترجيح، والوحدانية. ويقول إن التوحيد هو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع الحضارات الكبرى[19].

وسواء ابتدأ الإنسان بفطرته بالتوحيد كما في عبادة الطوطم أم تدرج إليه عن طريق التعددية، فأهل الجزيرة العربية، الذين نعرفهم ب " عرب الجاهلية"، قد كانوا يعتقدون بالتوحيد قبل ظهور الإسلام.  ونجد هذا مذكوراً في القرآن في سورة الزمر الآية 38: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله". وكذلك لما هلك أبو طالب خرج رسول الله ( ص) إلي الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة وعمد إلي نفر من ثقيف وهم أخوة ثلاثة، قال لهم: " أنا رسول الله إليكم". فقال له أحدهم: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك "[20]. فهذا، ولا شك, كلام رجلٍ يعرف الله ويُعظمه.

وإنما عبدوا الأصنام كوسيلة تقرّبهم إلى الله الذي هو بعيدٌ في السماء، لا يستطيعون التحدث إليه مباشرةً. ورغم أن الكعبة كانت تحتوي على ما يزيد عن ثلاثمائة صنم، إلا أنهم كانوا يحلفون بالله، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله و عبيد الله وما شابه ذلك. حتى اسم الجلالة نفسه كان معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. وكانوا يحلفون بالله، فيقول الرجل منهم: " تالله" أو " والله".

وإذا نظرنا للمسيحية وكتابها المقدس – الإنجيل- الذي يحتوي على العهد القديم والعهد الجديد، لوجدنا أن العهد الجديد يحتوي على أربعة أناجيل هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وكذلك يحتوي على أربع عشرة رسالة بعث بها المسيح إلى بلاد عديدة، ثم رسائل يعقوب وبطرس ويوحنا ورؤيا يوحنا.

والعهد الجديد، كالعهد القديم من قبله، ملئ بالآيات التي تدعو لوحدانية الله، فلو نظرنا في إنجيل متى ، مثلاً، لوجدنا أن الشيطان أخذ المسيح إلى قمة جبل وأراه كل الممالك وقال له: سأعطيك كل هذه الممالك إذا سجدت لي. فقال له المسيح: " اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " [21].

وفي رسالة الرسول بولس لأهل رومية نجده يسألهم: هل الإله هو رب اليهود فقط؟ أم هو كذلك رب غيرهم؟ ويجيب عليهم بأنه رب الجميع " لأن الله واحد"[22]. والأناجيل الثلاثة الأولى تتحدث عن وحدانية الله، والإنجيل الوحيد الذي تحدث عن ألوهية المسيح هو إنجيل يوحنا. وقد ظهرت عبارة الثالوث بعد مجمع " نيقيا" الذي دعا له الإمبراطور قسطنطين عام 325 ميلادية، بعد أن اعتنق المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية [23]. وقد كان آريوس، القس المصري يقول إن المسيح مخلوق ولا يمكن أن يكون إلهاً كالخالق، بينما قال آخرون بأن المسيح والروح القدس والرب هم بمثابة الإله. وقد فضّل الإمبراطور قسطنطين الرأي الثاني، وبذا أصبح هذا الرأي هو الرأي الرسمي للمسيحية، ولو أخذ الإمبراطور برأي آريوس، لما ظهرت هذه المشكلة.

والتثليث عند المسيحيين لا يعني أن هناك ثلاثة آلهة في السماء، وإنما يعني هناك إله واحد ذو ثلاثة أقانيم. والأقانيم كلمة سريانية الأصل، مفردها أقنوم وهي تعني الشخص أو الكائن المستقل بذاته. ويعني هذا أن الله له ثلاثة شخصيات مستقلة، لكنه واحد. ويقول البيضاوي في شرح الآية: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " [24]  "إن صح أنهم يقولون : الله ثلاثة أقانيم الآب والابن وروح القدس ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم وبروح القدس الحياة، فذلك لا يدل علي تعدد الذات الإلهية، لأن العلم والحياة في الله هما ذات الله بعينها ".

ولكن كانت هناك طائفة في الجزيرة العربية يُعرفون باسم " المريميون " كانت منتشرة في الحجاز، وكانوا قبل اعتناقهم المسيحية يعبدون كوكب " الزهرة " ويقولون أنه نتيجة تزاوج الشمس و القمر، وقدّسوا هذا الثلاثي، وبعد اعتناقهم للمسيحية أتوا ببدعة تقول بألوهية المسيح وأمه مريم، وأن المسيح هو نتيجة الزواج بين الله ومريم العذراء. فحلّ بذلك هذا الثالوث: الله المسيح مريم، مكان الشمس والقمر والزهرة. ولم ينتشر هذا المذهب إلا في نطاق محصور في شبه الجزيرة العربية. وكانت هناك طائفة نصرانية تُعرف ب " الآريون " Arians جعلوا للمسيح ألوهية من درجة أقل من ألوهية الله. وكانت هناك كذلك فرقة النساطرة التي قالت إنه من المستحيل أن يجتمع في شخص واحد صفة الألوهية وصفة الإنسانية. وقبل مجمع نيقة لم يكن أحد يتكلم بالثالوث.

وفكرة التثليث هذه كانت معروفة لقدماء المصريين، فقد كانوا يعبدون إلهاً مثلث الأقانيم  مصوراً في أقدم هياكلهم [25]. ونفس الفكرة موجودة عند الهنود، فالبراهمة تعتقد بوجود إلهي مكون من ثلاثة أقانيم. وهذا الثالوث المقدس غير منقسم في الجوهر والفعل والامتزاج، مثل الشمس التي تتكون من قرص، وأشعة، وحرارة، والثلاث مكونات تعني الشمس في مفهومنا. وفكرة الثالوث كذلك كانت معروفة لقدماء اليونان والرومان والفرس والمكسيك.[26]

والتثليث في المسيحية لا يعني أن الإنجيل قد حُرف، فالمسيحيون يعتقدون أن الله واحد، وعندما يقولون أن المسيح ابن الله، لا يعنى هذا أن المسيح إله في حد ذاته، فكل المسيحيين أبناء الله، إذ يقول لهم الإنجيل " ادعوا أباكم الذي في السماء"،  فهذا لا يعنى أن كل شخص مسيحي إله بذاته، أو أنهم هم الأبناء الفعليين لله. وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع.

فلو لم يظهر الإسلام،  لاتبع عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية أو خليطاً منهما كما فعل الأبيونيون  ( Ebionites) وهم اليهود المتنصرون، وكانوا يسكنون منطقة الحيرة،  ويعني اسمهم بالعبرانية الفقراء، وكيفية نشأتهم غير معروفة وكانت عقيدتهم خليطاً  من اليهودية والمسيحية فقد اعتقدوا بوجود إله واحد خالق الكون، وعظموا السبت وقالوا أن المسيح إنسان امتاز عن غيره بالنبوة، رسول أرسله الله للناس أجمعين، وأنكروا الصلب فذهبوا إلى أن الذي صُلب شخص آخر غير المسيح وقد شُبه لهم فاعتقدوا  أنه المسيح. فلو اتبع عرب الجزيرة أيً من هذه الديانات  لوصلوا إلى نفس النتيجة- توحيد الله وعبادته وفعل الخير والامتناع عن فعل الشر.

يتضح من هذا العرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت موطناً لثلاث عقائد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً.


[1]   سورة التوبة، الآية 30

[2]  سورة المائدة، الآية 72

[3]  سفر الخروج: 23/ 24-25

[4]  سفر " اللاويون": 19/4

[5]  سفر التثنية: 7/ 2-5

[6]  سفر أشعيا: 45/5

[7]  سفر الخروج: 20/ 1-5

[8]  سورة المائدة: الآية 44

[9]  سورة المائدة: الآية 43

[10]  سورة المائدة: الآية 68

[11]  سورة آل عمرآن: الآية 50

[12]  سورة المائدة: الآية 46

[13]  سورة النساء: الآية 46

[14]  صحيح مسلم: ( القدر: 15): 4/ 2043

[15]  سورة الحجر: الآية 9

 محمد أحمد الحاج: النصرانية من التوحيد إلى التثليث، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية ص 70 [16]

[17]  نشأة الدين، علي سامي النشار، دار نشر الثقافة، الإسكندرية 1949م، ص 92

[18]  الدين: الدكتور محمد عبد الله دراز، ص 159؟ نقلاً عن النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص 25، مصدر سابق

[19]  الله: عباس محمود العقاد، دار المعارف بمصر، الطبعة الخامسة، 1976، ص 13

[20]  تاريخ الطبري، المجلد الاول ص 554

[21]  إنجيل متى: 4/10

[22]  رومية: 3/30

[23]  النصرانية والإسلام، محمد عزت الطهطاوي، ص 293، دار الأنصار، القاهرة 1977، نقلاً عن النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص 89/ مصدر سابق

[24]  المائدة، الآية 116

[25]  العقائد الوثنية في النصرانية، محمد طاهر تنير،  بيروت 1330 هجرية/ ص 24

[26]  العقائد الوثنية في النصرانية،  ص0 2

الفصل الثاني

الدولة الإسلامية

يدّعي المسلمون أن الإسلام دينٌ ودولة، وفي القرآن و السنة ما يكفي من القوانين لحكم دولة المسلمين، ولا تحتاج هذه الدولة لقوانين وضعية، يصوغها الناس المحكومون أنفسهم.  والمفكر المصري سيد قطب، أحد مؤسسي جماعة الأخوان المسلمين في مصر، قال: " الله، وليس الإنسان، هو الذي يحكم. الله هو مصدر كل السلطة، بما فيها السلطة السياسية. والفضيلة، وليست الحرية، هي أقيم المثُل الإنسانية. ولذا يجب أن يكون قانون الله، وليس قانون الإنسان الوضعي، هو الذي يحكم أي مجتمع".[1] فلننظر الآن كيف تكونت الدولة الإسلامية وما آلت إليه اليوم، بسبب قانونها الإلهي.

قبل ظهور الإسلام كانت مناطق نجد وتهامة والحجاز تسكنها قبائل رعوية، بدوية تخضع كل قبيلة منها لحكم شيخ القبيلة، ثم ابنه الأكبر بعد موته. وأما مكة والمناطق التي حولها فكانت تسكنها قبيلة قريش، بأفخاذها وبطونها المختلفة. ورغم ثراء قريش من التجارة ورعاية الكعبة، ورغم اختلاطهم بنظم الحكم المختلفة في البلاد التي كانوا يتاجرون معها، فقد حافظوا على نظام حكم شيخ العشيرة وظلوا متفرقين. ولم يتمكن محمد بن عبد الله من تكوين دولة إسلامية حتى هاجر للمدينة.

أنشأ الرسول دويلة صغيرة في المدينة بعد أن أصلح بين الأوس والخزرج ( الأنصار) وبين المهاجرين معه من مكة، وأصبح لكل مهاجر أخ من الأنصار يقاسمه ماله وعمله. وكتب صحيفةً المشهورة التي عقد بها عهداً مع يهود المدينة أمنّهم بها على حياتهم وأموالهم شريطة أن لا يتعاونوا مع عدو ضده، وأن ينصروا المسلمين إذا داهمهم عدو. و كان الرسول هو رئيس هذه الدويلة وقاضيها وقائد جيشها. وكان الرسول يعرف معظم سكان دويلته بالاسم. وكان إذا خرج في غزوة نصّب أحد الرجال حاكماً على المدينة لحين رجوعه إليها. كان للرسول مجلس استشاري خاص يتكون من الصحابة المقربين من أمثال عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف. وكان الرسول إذا أرسل سرية لغزو أحد القبائل، أمّر عليها أحد قادته الموثوق بهم.

وكانت هذه السرايا والغزوات هي مصدر الرزق الرئيسي للدويلة الجديدة، إذ لم يكن عرب مكة والمدينة يمتهنون الصناعة أو الزراعة. وبدأت هذه السرايا باعتراض قوافل قريش والسطو عليها وأخذ ما أمكن من الغنائم منها. ثم نزلت الآية : " وأما تخافنّ من قوم خيانةً فانبذ إليهم على سواءٍ إن الله لا يحب الخائنين "[2]. فكانت هذه الآية هي الإذن للرسول بحرب اليهود، فوجه الرسول جيشه على يهود المدينة بدءاً ببني قينقاع، فأجلاهم عن المدينة وأخذ أموالهم وزرعهم. ثم دارت الدورة على بني قريظة الذين قُتل رجالهم وسُبيت نساؤهم وأطفالهم. ثم غزا بقية اليهود من يهود خيبر ويهود بني المصطلق

وبعد الخلاص من اليهود استمرت الغزوات على بقية القبائل العربية التي دانت بالإسلام، واحدةً تلو الأخرى. وبعد أن أسلمت قبائل العرب بعث الرسول برسائل لرؤساء الدول المجاورة يدعوهم للإسلام، فاستجاب بعضهم لدعوته كالمنذر بن ساوي، أمير البحرين، ورفض بعضهم، كملك الروم والمقوقس صاحب مصر، الذي أرسل للرسول هدايا من ضمنها مارية القبطية، أم إبراهيم. أما شرحبيل أمير غسان فقد قتل سفير الرسول الحارث بن عُمير الأزدي.

لم يكن بهذه الدويلة بيت مال للمسلمين تُحفظ فيه الأموال التي أصابوها من غزواتهم أو جمعوها من الزكاة، فكانت الأموال توزع على المشاركين في الغزوة بعد أن يُخصم منها الخمس، وهو نصيب الله ورسوله. ولم يكن بالطبع هناك أي جيش نظامي تمده الدولة بالسلاح والعتاد، وإنما كان المفروض على كل جندي أن يُحضر سلاحه وزاده وراحلته. وحتى قبل وفاة الرسول ببضعة أشهر، عندما أراد غزوة تبوك، جاء إليه جماعة من المتطوعين لا يملكون دواباً يترحلون عليها، وطلبوا منه إمدادهم بالدواب اللازمة، فلم يكن باستطاعته أن يمدهم بها، فبكوا لكونهم سيتخلفون عن الغزوة، فسموا بالبكائين.  وكان غذاء الجيش في هذه الغزوة يتكون من التمر فقط.

وكان الرسول هو القاضي الذي يحكم بينهم بالعدل ويقبلون حكمه: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً "[3]. وكانت القضايا بسيطة، حسب بساطة الحياة، فما كانت تستدعي غير شاهدين عدلين من رجالهم، وكان الحكم نهائياً، لا استئناف فيه، إذ كان الرسول يستمد أحكامه من القرآن، وإذا جابهته مشكلة لم ينزل بها قرآن ٌبعد، كان جبريل حاضراً عنده بعد حين بالحكم الإلهي الأمثل.

وألمت بالرسول وعكة شديدة في العام الحادي عشر بعد الهجرة، وكان يغيب عن الوعي فترة ثم يصحو، وفي إحدى صحواته قبل أن يموت، قال  للحاضرين، وفيهم عمر بن الخطاب: " ائتوني بدواةٍ وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي" [4]. فقال لهم عمر: " قد غلبه المرض، حسبنا كتاب الله "، واختلفوا فيما بينهم، منهم من يقول آتوا له بالقلم، ومنهم من يقول لا. وارتفعت أصواتهم بالجدال مما أضطر الرسول إلى طردهم من غرفته، ومات دون أن يترك لهم وصيةً بمن يخلفه، أو كيف يختارون خليفةً من بعده.

و بموت الرسول فقد المسلمون قائدهم ومرشدهم وقاضيهم ومصدر قانون دولتهم الجديدة. ولما كانت معظم القبائل، بما فيها قريش، قد دخلت الإسلام تحت حد السيف، ولم يكن الإسلام قد ترسخ فيهم بعد، ارتد بعضهم عنه. وأول من ارتد كانت قبائل في اليمن يتزعمها عيهلة بن كعب العنسي، المعروف بالأسود العنسي. ثم ارتدت اليمامة بقيادة مسيلمة بن ثمامة ( مسيلمة الكذاب).

ولدرء هذا الخطر كان لابد للمسلمين من اختيار خليفة للرسول يقود الدولة الحديثة قبل أن تتفتت، ولما لم يكن الرسول قد ترك لهم طريقة لاختيار خليفته فقد لجاءوا إلى  الطريقة التي عرفوها قبل الإسلام – التحزب القبلي. وظن الخزرج أن الخليفة سيكون منهم لأنهم هم الذين نصروا الرسول عندما كان مستضعفاً في قريش، ولولاهم لما ساد الإسلام. فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واختاروا زعيمهم سعد بن عبادة. والمهاجرون من جانبهم اعتقدوا أن الخليفة يجب أن يكون منهم، اعتماداً على حديث الرسول " الأئمة من قريش " [5]. وكذلك الحديث    " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى منهم اثنان ". وكاد زمام الأمور أن يفلت وتشتعل الحرب بين الأنصار والمهاجرين لولا أن انحاز الأوس إلى المهاجرين فرجحوا كفتهم. ووقتها بايع عمر أبا بكر الصديق، فبايعه بقية المسلمين الحاضرين، ما عدا علي بن أبي طالب، وعمه العباس، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام.

ولما لم يكن للدولة الجديدة أي نظام لاختيار حكامها، فقد أقر العلماء الطريقة التي تمت بها بيعة أبي بكر، أي تنعقد البيعة ببيعة واحد يتبعه الحاضرون في بلد الأمام، ولا تتوقف على الغائبين عنها. وهذا يعني إهمال كل المسلمين الذين يسكنون خارج مدينة الإمام، وهم الغالبية. وأقر العلماء هذه الطريقة لاختيار الإمام رغم أن الإسلام يقول: " وأمرهم شورى بينهم "، و " شاورهم في الأمر ". فأصبحت الشورى استشارة القلائل وإهمال الكثرة. فكانت بيعة أبي بكر بداية الشقاق بين المسلمين ولم يمض على إنشاء دولتهم أكثر من عشرة سنين.

أما بني أمية الذين حاربوا الرسول بقيادة زعيمهم أبي سفيان بن حرب، لم يكن لهم أمل في الخلافة ولكنهم سعوا في إشعال نار الفتنة والخلاف بين أبي بكر وعمر بن الخطاب من جهة، وعلي بن أبي طالب وبني هاشم من الجهة الأخرى. فخرج معاوية يصيح: " إني لأرى عجاجة لا يُطفئها إلا دمٌ. يا آل عبد مناف، ما بال هذا الأمر في أقل حيّ من قريش؟ ". وذهب إلى علي بن أبي طالب وقال له: " ابسط يدك أبايعك، فوالله لو شئت لأملأنها  عليه خيلاً ورجالاً "، وكان يقصد أبا بكر.

وكانت هناك قبائل من العرب، غير التي ارتدت، لم تقبل ببيعة أبي بكر، فمنعوا عنه الزكاة عن طريق الاحتجاج على خلافته، فقال أبو بكر: " لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله لقاتلتهم عليه ". فقال له القوم:  " لا نقاتلهم قتال الكفرة "، لكنه أرسل جيشه لحربهم، وتقاتل المسلمون فيما بينهم رغم أن الحديث يقول: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار ". وكذلك الحديث: " كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه ". فهزمهم وأخذ منهم السبايا والأموال، والأسرى الذين ظلوا في الحبس حتى جاء عمر بن الخطاب إلى الخلافة فرد السبايا والأموال وأطلق سراح المحبوسين [6]

ويظهر من هذا العرض أن دولة الإسلام لم تبدأ بدايةً موفقةً، فقد خالفت القرآن والسنة في أمرين مهمين: الأمر الأول هو الشورى، فلم يكن اختيار أبي بكر شورى بالمعنى المفهوم، إذ بايعه رجل واحد في مجلس صغير في سقيفة بني ساعدة، ولم تطل الشورى بقية القبائل المسلمة التي تدخل تحت حكم الخليفة. والأمر الثاني هو قتال المسلمين بعضهم البعض لأن بعض القبائل امتنعت عن دفع الجزية، فحاربهم أبو بكر وأخذ نساءهم سبايا، وهو منهي عنه.

وربما يكون هناك أمر ثالث خالف القرآن، ألا وهو حرب المرتدين وإدخالهم عنوة في الإسلام بعد أن تركوه، والقرآن يقول:

" لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي "[7].

وكذلك يقول: " أفانت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" [8].

 وأيضاً: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر "[9].

 ومع أن هناك بعض المفسرين الذين  يقولون إن هذه الآيات المذكورة قد نُسخت بآية السيف، فهناك من العلماء من يقول إنها غير منسوخة. وهناك كذلك:       

" ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافرٌ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "[10].

وكذلك: " وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسلُ أفإن  مات أو قُتلَ انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين"[11].

فليس في هذه الآيات ما يخوّل لأبي بكر حرب المرتدين. فالقرآن قال إذا ارتدوا فلن يضروا الله بشئ. ويبدو أن أبا بكر قد اعتمد على حديث يقول: " من بدل دينه وفارق الجماعة فاقتلوه ".  وبذا يكون أبو بكر قد خالف القرآن وسنّ سنةً يعاني منها الإسلام حتى يومنا هذا، لاعتماده على حديث يخالف صريح القرآن.

ولم تدم خلافة أبي بكر طويلاً، ومرض بعد سنتين من توليه الخلافة فعهد بها إلى عمر بن الخطاب، وكان قد استشار فيه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف. وجاء أبو بكر للمسجد وسأل المصلين: هل ترضون بمن استخلف عليكم؟ ولما أجابوا بالإثبات، أخبرهم أنه قد اختار عمر. ويقول ابن عساكر إن علياً وقف في المسجد وقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر. فقال أبو بكر: هو عمر فاسمعوا له وأطيعوا. ولما مات أبو بكر تولى عمر الخلافة وتولى عليّ بن أبي طالب القضاء، وتزوج عمر أم كلثوم، بنت عليّ بن أبي طالب، وحفيدة الرسول من بنته فاطمة الزهراء. ومع أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب لا يتطرق الشك إلى نزاهتهما، فإن مثل هذا الزواج يفتح الباب لغيرهم إلى تضارب المصالح " Conflict of interest "

والذي حدث في اختيار عمر بن الخطاب ليس شورى، مهما حاولنا جعلها كذلك. فأبو بكر قد استشار رجلين فقط، وحتى لو قال عليّ بن أبي طالب : لن نرضى إلا أن يكوم عمر، فهو كان يمثل نفسه فقط، وليس بالضرورة أن يكون رأي بقية المسلمين موافقاً لرأيه. ماذا عن بقية المسلمين في مكة واليمن والشام وغيرها، فهؤلاء لم يستشرهم أحد. وقد أجاز علماء المسلمين  الطريقة الجديدة لاختيار الخليفة- وهي جواز انعقاد الخلافة بعهد من الخليفة السابق. ويعني هذا نهاية الشورى قبل أن تحط جذورها بالمجتمع الإسلامي الجديد، فأصبح اختيار الخليفة الجديد بتوصية من الخليفة السابق.

ولما طعن أبو لؤلؤة الخليفة عمر، جمع عمر ستةً من الصحابة: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وأمرهم أن يجتمعوا بعد وفاته ليختاروا الخليفة من بينهم، وحدد لهم مهلة ثلاثة أيام لاختياره، وعيّن المقداد بن الأسود حاجباً لهم، وقال له:    " إن أجمع خمسة على رجل منهم وأبى الآخر فاضرب عنقه. وإن أجمع ثلاثةٌ على واحد، وثلاثة على واحدٍ آخر، فليكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. "[12]  فعمر ما كان يعلم في تلك الأيام أن الديمقراطية لا تكون دائماً بالإجماع،  ويمكن أن تكون بالأغلبية، ولا داعي لقتل المعارضين.

ولما سمع عليّ هذا الكلام ساورته الشكوك في طريقة الاختيار هذه  إذ أن سعد بن أبي وقاص ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان زوج أخته، ويمكن أن يجتمع الثلاثة ويختاروا الخليفة منهم، وبذا ينتهي دور الثلاثة الآخرين. وقد خمّن عليّ أن عبد الرحمن سوف يختار عثمان بن عفان.

وقبل اتخاذ القرار لقي عمرو بن العاص علياً في ليالي الشورى فقال له: " إن عبد الرحمن بن عوف رجل مجتهد، وانه متى اعطيته العزيمة كان ازهد له فيك، وإن أعطيته الجهد والطاقة، فانه ارغب له فيك ".  ثم لقي عثمان فقال له: " إن عبد الرحمن رجل مجتهد وليس والله يبايعك الا بالعزيمة، فاقبل ما يسألك عنه". والمؤامرة واضحة في هذا، فهو يطلب من عليّ أن يُعطي ابن عوف الجهد، لكنه طلب من عثمان أن يعطيه العزيمة.

ووقف عبد الرحمن بن عوف في المسجد وطلب من الحاضرين أن يشيروا عليه، فأشار عليه بنو هاشم بعليّ وتبعهم فريق من المهاجرين فيهم عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، وأشار عليه بنو أمية بعثمان. فدعا عبد الرحمن بن عوف عليّاً أن يقوم إليه فقام اليه فاخذ عبد الرحمن بيده فقال:  " هل انت مبايعي علي كتاب الله وسنة نبيه وفعل ابي بكر وعمر؟ " قال عليّ: " اللهم لا، ولكن علي جَهدي من ذلك وطاقتي "، فارسل يده ثم نادى: " قم إليّ يا عثمان "، فاخذ بيده فقال: " هل انت مبايعي علي كتاب الله وسنة نبيه وفعل ابي بكر وعمر؟ " قال: " اللهم نعم "، فرفع عبد الرحمن بن عوف راسه إلى سقف المسجد ثم فال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.[13] فلما بايعوا عثمان خرج عليّ من المسجد وهو يقول: " خدعة، وأيما خدعة ". وكذلك قال: " ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون ".

مرة أخرى لم يطبّق المسلمون " وأمرهم شورى بينهم" في اختيار خليفتهم، ولو كان الأمر شورى، كما يقول القرآن، لطلب ابن عوف من الحاضرين التصويت برفع الأيدي، على عثمان وعليّ، ولطلب من المسلمين في مكة واليمن وغيرها ان يختاروا بين الأثنين.  وقد أجاز الفقهاء الطريقة التي تم بها اختيار عثمان كقاعدة أصولية للحكم، وهي أن يعيّن الخليفة عدداً محدوداً من أهل العلم والرأي، فيختارون خليفةً منهم. ولكن طريقة اختيار عثمان هذه كانت مفتوحة لتهمة المحسوبية والفساد لعلاقة عثمان بن عفان بعبد الرحمن بن عوف. وعليّ بن أبي طالب نفسه نوّه بذلك. والذين جلسوا في مجلس الشورى هذا لاختيار الخليفة كانوا ستة رجال، تجاهلوا آراء الآلاف المؤلفة من المسلمين. وقد قال بعض المؤرخين إن عبد الرحمن بن عوف قد طاف بالمدينة يستشير زعماء القوم وقواد الجيش، ولكن حتى إن صح هذا، فالذين استشارهم لا يمثلون إلا جزءاً يسيراً من المسلمين في ذلك الوقت. وواضحٌ من الترشيح في المسجد أن العملية كانت قبلية، فبنو أمية كانوا مع عثمان وبنو هاشم مع عليّ، وكلاهما من قريش. وهكذا همّشوا الأنصار الذين لولاهم لما قامت قائمة الإسلام الذي حاربته قريش بكل جبروتها، ثم صاروا خلفاؤه.

فالفكرة القائلة بتساوي المسلمين- المسلمون سواسية كأسنان المشط- وكذلك الفكرة القائلة بنهاية القبلية – لا قبلية في الإسلام- ما هي إلا حبرٌ على ورق منذ ولادة الفكرة، إذ أن الحديث يقول عن الخلافة: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان "، وأظهرت عملية اختيار عثمان بن عفان للخلافة أن بني أمية لم ينسوا قبليتهم وكذلك لم ينسها بنو هاشم.

خلافة عثمان

كان عثمان بن عفان رجلاً نزيهاً في نفسه لكنه كان ضعيفاً تجاه أقاربه، لا يرد لهم طلباً. وبمجرد أن اعتلى منصة الخلافة عيّن أقاربه ولاةً على الأمصار وترك لهم الحبل على الغارب، يفعلون ما يشاءون برعاياهم دون خوفٍ من حساب أمير المؤمنين.

فقد عيّن عثمان على الكوفة أخاه من أمه، الوليد بن عقبة. وكان الوليد هذا معروفاً بالفسق وشرب الخمر. يقال أنه صلى بالناس في مسجد الكوفة ذات يوم وهو سكران، فلما انتهى من صلاته قال للناس " أتريدون أن أزيدكم؟ " فغضب الناس وهجموا عليه فانتزعوا خاتمه من يده وهو لا يشعر، فجاءوا به إلى عثمان. وهنا بدأت قصة ذات شأن. حيث قال عثمان للرجل الذي أتى بالخاتم " أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟ " فأجاب الرجل " معاذ الله، ولكني أشهد أني رأيته يغسلها من جوفه، وأني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل".

 وكان عثمان يحاول إيجاد العذر لأخيه. فتدخل علي بن أبي طالب وطلب من عثمان أن يعزل الوليد ويحده. واضطر عثمان أن يحضر الوليد إلى المدينة، ورمى بالسوط إلى عليّ ليجلده. فلما أقبل عليّ على الوليد، أخذ الوليد يسبه ويقول له " يا صاحب مكس" فغضب عقيل ( أخو عليّ) من هذه التسمية فأخذ يسب الوليد بدوره، وصار الوليد يزوغ من يد علي فأمسك به علي وضرب به الأرض وعلاه بالسوط. فقال عثمان " ليس لك أن تفعل به هذا " فقال علي " بلى. وشر من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه"[14].

وكان عثمان يمنح أقاربه من  بيت مال المسلمين دون وجه حق،  فقد ذكر محمد بن عمر أن عبد الله بن جعفر حدثه عن أم بكر بنت المسوّر عن أبيها أنه قال: قدمت أبل من أبل الصدقة إلى عثمان فوهبها لبعض بني الحكم ( من بني أمية) من أقاربه.[15]

ولما أحتج الناس على ذلك قال لهم عثمان: " لنأخذّن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام". فاعترض عليه عمار بن ياسر قائلاً " أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك ". واعترض عليه علي بن أبي طالب أيضاً فقال: " إذن تُمنع ويُحال بينك وبينه" [16].

ولأن عثمان كان من أثرياء قريش، حاول حماية الأغنياء الذين طالبهم أناس من أمثال أبي ذر الغفاري بتوزيع أموالهم على الفقراء، وكان أبو ذر يجوب الشوارع صائحاً بالأغنياء أن يوزعوا أموالهم كلها على الفقراء وكان يردد من القرآن : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم". فنهاه عثمان عن ذلك، لأنه كان يكنز الذهب، كما سنرى لاحقاً، فقال أبو ذر: " أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله "[17]

وغضب عثمان غضباً شديداً على أبي ذر وقال لمن حوله: " أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أقتله، فإنه فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام". فقال علي بن أبي طالب، وكان حاضراً:      " أشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون: فإن يكن كاذباً فعليه كذبه وإن يكن صادقاً يصيبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب". وقد غضب عثمان من عليّ لجوابه هذا، واتهمه بأنه هو الذي حرّض أبا ذر عليه في سبيل أغراضه الخاصة[18].

ولما اشتد النزاع بين عثمان وأبي ذر حول كنز الأموال كان كعب الأحبار بجانب عثمان يؤيده و يأتي له بما يدعم رأيه ضد أبي ذر، مما أضطر أبا ذر إلى الهجوم عليه حيث ضربه على رأسه وشجه. فغضب عثمان لذلك غضباً شديداً. كان كعب الأحبار يرى أن الأغنياء عليهم فقط دفع الزكاة[19]. وقال عثمان يوماً بحضور أبي ذر وكعب الأحبار: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار " لا بأس" فقام إليه أبو ذر يقول " يا أبن اليهودي أتعلمنا ديننا "[20]

نفذ صبر عثمان أخيراً فأمر بنفي أبي ذر إلى الربذة، وأمر بأن لا يشيّعه أحد. والظاهر أن عليّ لم يسمع بهذا المنع، أو لعله سمع به وتغافل عنه، فخرج لتوديع أبي ذر يصحبه ولديه الحسن والحسين وأخوه عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر، وكان معهم عمار بن ياسر[21].

يقال أن عثمان غضب على عمار بن ياسر لتوديعه أبا ذر فأمر بنفيه أيضاً. فجاء علي بن أبي طالب إلى عثمان يلومه في ذلك، فهدده عثمان بنفيه إياه كذلك، عند ذلك جاء نفر من كبار الصحابة فلاموا عثمان وقالوا له:      " كلما غضبت على رجل نفيته، فإن هذا أمر لا يسوغ "، فكف عثمان عن عليّ وعن عمار[22]

وكان لمروان بن الحكم دورٌ كبير في إفساد خلافة عثمان إذ كان مستشاره المقرب وكان يشير عليه بما يفيد بني أمية دون غيرهم. وكان مروان يعتبر أن الحكم أصبح ملكاً لبني أمية لأنهم كانوا أهل عزٍ وسلطان قبل مجئ الإسلام. فغضب المسلمون غير بني أمية على عثمان، وقلّ احترامهم له، وابتدأ بعضهم يهينه علانية. قال محمد بن عمر: وحدثني محمد بن صالح عن عبد الله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد قال: مر عثمان بن عفان علي جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره فقال جبلة لعثمان: " يا نعثل، والله لأقتلنك ولأحملنك علي قلوص جرباء ولأخرجنك  الي حرة النار". ثم جاءه مرة أخري وعثمان علي المنبر فانزله عنه[23]

ويقول أبو بكر بن اسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد قال: كان أول من اجترأ علي عثمان بالمنطق السيئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو جالس في ندى قومه وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: " لمَ تردون علي رجل فعل كذا وكذا!! " قال: ثم أقبل علي عثمان فقال: " والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه ". قال عثمان: " أي بطانة! فوالله اني لأتخير الناس "، فقال: " مروان تخيرته! ومعاوية تخيرته! وعبد الله بن عامر بن كُريز تخيرته! وعبد الله بن سعد تخيرته! منهم من نزل القرآن بدمه، واباح رسول الله دمه "

قال محمد بن عمر: وحدثني ابن أبي الزناد عن موسى بن عُقبة عن أبي حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك، فتب نتب. فاستقبل عثمان القبلة وشهر يديه - قال ابو حبيبة: فلم أر يوماً أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام اليه جهجاه الغفاري فصاح: يا عثمان، ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرعك العباءة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك علي الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان، فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال ابو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلا عن ملإ من الناس، وقام إلي عثمان خيرته وشيعته من بني أمية فحملوه فأدخلوه الدار[24]

وغضب أهل مصر غضباً شديداً على عثمان وعلى واليه بمصر، عمرو بن العاص، فقرر عثمان عزل ابن العاص، واستعمل عبد الله بن أبي سرح، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن علي عثمان، فأرسل إليه عثمان فقال: " يابن النابغة، ما اسرع ما قمل جُربان جُبتك! إنما عهدك بالعمل عاماً أو أقل. أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عني باخر! والله لولا أُكلة ما فعلت ذلك ". قال: فقال عمرو: " إن كثيراَ مما يقول الناس وينقلون إلي ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك! " فقال عثمان: " والله لقد استعملتك علي ظلعك، وكثرة القالة فيك ". فقال عمرو: " قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راضى ". فقال عثمان: " وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت عليك فأجترأت علي، أما والله لأنا أعز منك نفراً في الجاهلية ". فقال عمرو: " دع عنك هذا، فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وهدانا به، قد رأيت العاص بن وائل ورايت أباك عفان، فوالله للعاص كان أشرف من أبيك ". قال: فانكسر عثمان وقال: " ما لنا ولذكر الجاهلية"[25]   

فالخليفة عثمان كان يعلم بما يقول الناس عن عمرو بن العاص وكان يعلم بنواقصه ولكنه رغم ذلك ولاه على مصر ولم يحاول أن  يدقق في سلوكه في مصر. كان يكفي أنه عمرو بن العاص وأنه من أشراف بني أمية.

وخرج عمرو بن العاص من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي علياً مرة فيؤلبه علي عثمان ويأتي الزبير مرة فيؤلبه علي عثمان، ويأتي طلحة فيؤلبه علي عثمان، فلما كان حصر عثمان الأول، خرج من المدينة حتى انتهى إلي أرض له بفلسطين يقال لها السبع، فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول: العجب ما ينتابنا من ابن عفان .

واستمر غضب الرعية في مصرعلى عثمان، وكان بها محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حُذيفة يحرضان المصريين على الخروج على عثمان. وخرج المصريون في خمسمائة رجل وأظهروا أنهم يريدون العمرة، وسار القوم حتى نزلوا ذا خُشب وجاء الخبر أن القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع. أتى رسولهم إلي علي ليلاً وإلي طلحة وإلي عمار بن ياسر، فلما رأى عثمان ما رأى، جاء علياً فدخل عليه بيته فقال: يابن عم! إنه ليس لي مترك ولي حق عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هولاء القوم، وإناأاعلم أن لك عند الناس قدراً، وأنهم يسمعون منك، فأنا أحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإني لا أحب أن يدخلوا علي، فان ذلك جرأة منهم علي، وليسمع بذلك غيرهم. فقال علي: علام أردهم؟ قال: علي أن أصير إلي ما أشرت به علي ورأيته لي، ولست أخرج من يديك. فقال علي: ذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية، أطعتهم وعصيتني. فقال عثمان: إني أعصيهم وأطيعك. فركب علي إلي أهل مصر فردهم عنه، فانصرفوا راجعين .

وقبل أن يصلوا إلى مصر عثروا على رجلٍ يحمل رسالة من عثمان إلى واليه في مصر يطلب منه قتلهم، فرجعوا وحاصروا منزل عثمان.  فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فقال: أما بعد أيها الناس، فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي، وسمعت رسول الله يقول: من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة، فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب. فرق الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم. فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان بن الحكم وسعيد بن العاص ونفرا من بني أمية. فقال مروان: والله لإقامة علي خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تُخّوف عليها. وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم. قال فخرج مروان إلي الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! أخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم، أرجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن مغلوبين علي ما في أيدينا.

فالخلافة وأمارة المؤمنين لم تكن بالنسبة لمروان بن الحكم شورى بين المسلمين، وإنما كانت حقاً لبني أمية وأصبحت مُلكاً في أيديهم، ولذلك قال للمصريين " ! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا!"

وأخيراً، بعد حصار دام فترةً ليست بالقصيرة، دخلوا على عثمان فقتلوه وشغر منصب الخلافة مرة أخرى. ويعتقد بعض المؤرخين أن لبني أمية يداً في مقتل عثمان إذ كان معاوية يعلم أن عثمان كان رجلاً مسناً وأنه لو مات موتاً طبيعياً سوف تتحول الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب ويفقد الأمويون حقهم في الخلافة إلى الأبد. فزار معاوية عثمان إبان اشتداد الثورة عليه، ويقال إنه نصح عثمان بأن يقتل علياً وطلحة والزبير زاعماً أنهم سيقتلونه إذا لم يقتلهم. فرفض عثمان هذه النصيحة، عند ذلك قال له معاوية: " أجعل لي الطلب بدمك إن قُتلت ". فأجابه عثمان على ذلك[26]

فعثمان كان ثالث خليفة للمسلمين، وتولى الخلافة بعد موت الرسول بحوالي اثنتي عشر عاماً فقط، ورغم حداثة الإسلام وكثرة الصحابة الذين عاصروا النبي وحفظوا عنه تعاليمه، تآمر عمرو بن العاص مع غيره على عليّ بن أبي طالب ومنحوا الخلافة لعثمان وبني أمية. ولم يحافظ عثمان على أموال المسلمين وحابى أقاربه على حساب الآخرين حتى قال عنه عمار بن ياسر:  " لقد كفر عثمان كفرة صلعاء" [27].

وقد عاب الناس على عثمان عدة أفعال منها:

1- ضربه لعمار بن ياسر حتى فتق أمعاءه، لما كان بينه وبين عباس بن عتبة من خلاف

2- وضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه، لما احتج أبن مسعود على حرق المصاحف

3- وابتدع في جمع القرآن وحرق المصاحف

4- وأجلى أبا ذر إلى الربذة

5- وأخرج أبا الدرداء من الشام

6- رد الحكم بن مروان بعد أن نفاه الرسول إلى الطائف

7- أبطل سنة القصر في الصلاة في السفر

8- ولى أبناء أعمامه وأبناء أخواله على المسلمين،( وأجزل لهم العطاء من بيت المال)

9- أعطى مروان خُمس أفريقية

10- وعلا على درجة رسول الله وقد انحط عنها أبو بكر وعمر

11- لم يحضر بدراً، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان

12- لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان الذي أعطى السكين لأبي لؤلؤة وحرضه على قتل عمر

13- وكتب كتاباً إلى عامله في مصر ليقتل المصريين بعد أن أتفق معهم على عدة أمور وقت حصاره [28]

وإذا أخذنا هذه الاتهامات الخطيرة ضد عثمان، نجد المدافعين عنه يأتون بحجج لا تُقنع أحداً، فمثلاً يقول محب الدين الخطيب، محقق كتاب أبن العربي: العواصم من القواصم، في ضرب عمار بن ياسر: " كان بين عمار وعباس بن عُتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب. قلت وهذا ما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال" [29]. فأي منطق إسلامي هذا؟ رجلان بالغان عاقلان، اختلفا، فأدبهما خليفة المسلمين بالضرب مثلهم مثل أطفال المدارس.

وعندما احتج بعض الناس على الطريقة التي جمع بها عثمان القرآن، وحرقه للمصاحف الأخرى، قال الإمام أحمد بن حزم: " إن هؤلاء روافض، والروافض ليسوا من المسلمين"[30].

ولما فتح عبد الله بن أبي سرح شمال أفريقية، أعطاه الخليفة عثمان خمس الفئ، والقرآن يقول: " و اعلموا إنما غنمتم شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"[31].  وعبد الله بن أبي سرح أخو عثمان في الرضاعة، فهو إذاّ من ذوي القربي، ولكن هذا الخمس من الغنيمة مفروض أن يكون لله وللرسول والمساكين وابن السبيل وذوي القربة. ولكن عثمان أعطاه فقط لذوي القربي. ويقول محب الدين الخطيب: " أما ما زعم الزاعمون من أن عثمان كان يود ذوي قرابته ويعطيهم، فمودته ذوي قرابته من فضائله"[32]. وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن نصيب " ذوي القربى" لقراية الإمام، كما ذهب الحسن وأبو ثور، وأن النبي كان يعطي أقاربه بحكم الولاية. فمنذ بداية الدول الإسلامية، استولى الحاكم وأقرباؤه على نصيب الله في الفئ الذي كان من المفروض فيه أن يذهب إلى الفقراء والمساكين.

وأخطر من هذا أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قتل الهرمزان لأنه سمع أن الهرمزان هو الذي أعطى أبا لؤلؤة السكين التي طعن بها عمر بن الخطاب. ورفض عثمان، رغم إصرار عليّ بن أبي طالب، أن يقتص من ابن عمر، لكونه ابن عمر بن الخطاب. فماذا حدث ل " ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب"[33] ؟

عليّ بن أبي طالب

بعد مقتل عثمان بايع أهل المدينة، بمن فيهم الزبير وطلحة، عليّ بن أبي طالب، لكن رفض بنو أمية، يمثلهم معاوية بن أبي سفيان، مبايعته، وأرسل إليه معاوية خطاباً يطالب فيه بدم عثمان، على أساس أنه هو ولي عثمان والمخوّل بطلب دمه، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب. أما بعد فإن الله اصطفي محمداً بعلمه وجعله الأمين على وصيه والرسول على خلقه. ثم اجتبى له من المسلمين أعواناً أيده بهم، فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، وكان انصحهم لله ورسوله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلماً، عثمان، فكلهم حسدت وعلي كلهم بغيت. عرفنا ذلك في نظرك الشذر وقولك الهجر وتنفسك الصعداء وإبطائك عن الخلفاء في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش[34].

خرج طلحة والزبير، وكلاهما من المبشرين بالجنة، خرجا إلى مكة بعد أن أذن لهم الخليفة علي ابن أبي طالب. وهناك أعلنا الرجوع عن بيعته وانضما إلى بني أمية بالمطالبة بدم عثمان، متهمين علياً بعدم نصرته وأنه كان يحمي قاتليه. وطلحة والزبير نفسهما كانا قد امتنعا عن مبايعة أبي بكر في بادئ الأمر، وكانا يريدان الخلافة لأحدهما، كما ظهر أيام واقعة الجمل. فقد لقي سعيد بن العاص طلحة والزبير بالبصرة، فقال لهما: "  إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني، قالا: لأحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه، قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم " [35]

والغريب أن عمال عثمان، بالبصرة والكوفة والشام ومصر، هم الذين تأخروا عن نصرته حتى أُتيح للثائرين أن يحاصروه فيطيلوا حصاره وأن يقتلوه بعد ذلك . وعثمان كان قد عود عماله أن يوافوه في المواسم من كل عام، فما بالهم أقاموا في أمصارهم هذا العام ولم يشهدوا الحج حتى اضطر عثمان وكان محصوراً أن يأمر ابن عباس ليحج بالناس. والجدير بالذكر أن عامل عثمان بمصر كان عبد الله بن أبي سرح، أخوه في الرضاعة، وعامله بالبصرة كان عبد الله بن عامر بن كريز، أبن خاله، وعامله بالشام معاوية بن أبي سفيان، أبن عمه، وكان عثمان قد كتب إلى معاوية بالشام: " بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فان اهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث إليّ من قِبلك من مقاتلة أهل الشام علي كل صعب وذلول ". ولم يفعل معاوية. فلماذا تخلف أبن عمه وأبن خاله وأخوه في الرضاعة عن نجدته لولا أنهم كانوا يأملون مقتله حتى يكون دمه ذريعتهم لاغتصاب الحكم من علي بن أبي طالب؟

وخرج طلحة والزبير ومعهم عائشة بنت أبي بكر زوج الرسول، وأم المؤمنين، إلى البصرة ليحاربوا الخليفة عليّ بن أبي طالب، وعائشة كانت لا تطيق علياً منذ أيام حادثة الإفك عندما استشار الرسول علياً فقال له عليّ: " يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك "[36]. خرج الثلاثة فيما يُسمى بواقعة الجمل، لأن عائشة كانت محمولةًَ على جمل، والتقى جيشهم بجيش عليّ، وقُتل عشرة آلاف من المسلمين من الجانبين [37]

والغريب أن عائشة كانت أول من حرّض على قتل عثمان، وكانت تقول: " لقد كفر نعثلٌ، فاقتلوه". وعندما قررت الخروج من مكة إلى البصرة، قالت : " قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه. فقال لها ابن أم كلاب: لم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر" . قالت: " انهم استتابوه ثم قتلوه، وقولي الأخير خير من قولي الأول " [38].

فهذه هي أم المؤمنين تقود جيشاً إسلامياً ليقاتل جنود الخليفة عليّ بن أبي طالب، وهم كذلك مسلمون، والإسلام ما زال في طفولته، وقد حرّم رسول الله دم المسلم على المسلم. ورغم أن عائشة قد ندمت مؤخراً وتمنت لو أنها قد ماتت قبل خروجها في الواقعة، إلا أن الضرر قد حدث وسفك المسلمون دماء أخوانهم المسلمينن لأن بني أمية كانوا يطلبون الخلافة بقميص عثمان لأنهم ما كان يمكن لهم أن ينالوها بالشورى. وساعدتهم أم المؤمنين على أطفالها، وساعدهم طلحة والزبير، لشئ في نفس يعقوب.

والكل يعلم أن عائشة زوج النبي قد خاطبها الله في القرآن مع بقية أزواجه فقال: " يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً* وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى "[39]. وعندما ذهبت إلى البصرة مع طلحة والزبير، سأل شابٌ من بني سعد طلحة أن كان هو والزبير قد أحضرا زوجاتهما معهما، فأجاب طلحة بالنفي، فأنشد الشاب:

صنتم حلائلكم وقدمتم امكمْ                  هذا لعمرك قلة الإنصاف

أُمرت بجر ذيولها في بيتها                 فهوت تشق البيد بالإيجاف

عرضاً يقاتل دونها أبناؤها                  بالنبل والخطيّ والاسياف

هتكت بطلحة والزبير ستورها             هذا المخبر عنهم والكافي [40]

وقال عمار بن ياسر لعائشة: " يا أم المؤمنين، ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد أليك! قالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت: والله إنك-ما علمتُ- قوّالٌ بالحق، قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.

وبعد واقعة الجمل هذه حارب معاوية عليّ بن أبي طالب في موقعة صفين، وقُتل عددٌ كبير من المسلمين من الطرفين، ثم رفع جيش معاوية المصاحف طلباً للتحكيم، وقبل عليّ بالتحكيم واختار أبا موسى الأشعري ليمثله. وبعد أن اتضحت خديعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري، انقسم جيش عليّ لقسمين: قسم طلب منه أن يرجع عن قرار التحكيم ويحارب معاوية، وقسم وافقه على الالتزام بالتحكيم. وعندما رفض عليّ الرجوع عن التحكيم، خرج عليه القسم الأول من جيشه وعُرفوا ب " الخوارج"، وظل القسم الآخر معه وعُرفوا بالشيعة.

وكنتيجةٍ مباشرة لمعركة صفين انقسمت دولة المسلمين إلى قسمين: قسم لمعاوية بن أبي سفيان، وهو الشام، والقسم الآخر لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. وانقسم المسلمون إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ مع معاوية والأمويين بالشام، وقسم مع عليّ بن أبي طالب، وهم الشيعة، وقسمٌ خرج عليه، وهم الخوارج.

فجمع عليّ شيعته وحارب الخوارج في النهروان وهزمهم، ففروا إلى الأهواز بعد أن قتل منهم عدداً كبيراً. ولم تمض أربعة سنوات على خلافة عليّ حتى قتله الخوارج، وكانوا قد صمموا على قتل عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص، واعتبروا ما فعله ثلاثتهم كبيرة توجب قتلهم. وتطوع ثلاثة منهم هم: عبد الرحمن بن ملجم والحجاج بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي، لقتلهم،  ولكن لم ينجح منهم غير عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علياً.

مرة أخرى نرى المسلمين يقتلون بعضهم البعض رغم تحريم ذلك في القرآن وبأحاديث النبي، ورغم أمر الرسول لهم بأن يطيعوا أولي الأمر فيهم. وبحلول سنة ستة وثلاثين هجرية، أي بعد مرور خمسة وعشرين عاماً فقط على موت النبي، تقسمت الدولة الإسلامية إلى قسمين وتقسم المسلمون إلى ثلاثة طوائف. ومع مرور السنين زاد تقسيم المسلمين إلى طوائف أخري وزادت حروبهم ضد بعضهم البعض.

بعد مقتل عليّ بايع أهل العراق الحسن بن عليّ ليكون خليفةً للمسلمين، وكان أول من بايعه قيس بن سعد، وبايعه بقية الناس. مرة أخري انحصرت الشورى على مبايعة أناس قليلين في بلد الإمام. ولم يطل الوقت بالحسن حتى تفرق عنه الناس، فكتب إلى معاوية يطلب الصلح.

بعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سُمرة بن حبيب، فقدما على الحسن بالمدائن، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف ( خمسة ملايين) درهم في أشياء اشترطها[41] . وبايع الناس معاوية أميراً على المؤمنين، وسميت  السنة التي بايع فيها الحسن معاوية، عام الجماعة. وبدأت الدولة الأموية في سنة أربعين هجرية.

فلنستعرض ما حدث لدولة المسلمين في الثلاثين سنة الأولى بعد موت الرسول. فالدولة الإسلامية يُفترض فيها أن تلتزم بالقرآن والسنة كمصدر لتعاملها مع مواطنيها ومع من يتولى منهم مراكز القيادة. فلنبدأ بتعاملها مع مواطنيها:

أولاً: احترام حق المواطنين في اختيار من يحكمهم

والقرآن يقول " أمرهم شورى بينهم"، وقد رأينا كيف وافق العلماء على عدة طرق لاختيار الخليفة: منها أن يبايع رجلٌ واحد الخليفة الجديد ثم يتبعه الآخرون، كما حدث في اختيار أبي بكر الصديق. والطريقة الثانية هي أن يختار الخليفة من سيخلف بعده، كما حدث في اختيار عمر بن الخطاب، والطريقة الثالثة هي أن يختار الخليفةُ جماعةً من أهل العلم والرأي ليختاروا الخليفة من بينهم، كما حدث في اختيار عثمان بن عفان.

وليس من الممكن أن نقول إن هذه شورى تستطلع رأي غالبية مواطني الدولة. وكان الإمام عليّ بن أبي طالب يرى أن الشورى تنحصر فقط في الأنصار والمهاجرين، وأن بقية المسلمين لا حق لهم فيها، فهو قد كتب إلى معاوية:  " أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار".

وربما كان هذا هو السبب في أن كل الدول الإسلامية وخاصةً العربية منها، ما زالت تحكمها قوانين وراثية أو عسكرية لا تعترف بالشورى وحق المواطن في الاختيار، لأن مواطنيها ليسوا من المهاجرين والأنصار .

وهناك بعض الدول التي حاولت خداع الناس بإنشاء مجالس شورى، يتم اختيار أعضائها من قِبل الحاكم أو من قبل الجمهور عن طريق انتخابات مزورة. فلم يحدث في تاريخ الإسلام، لا في دولة الخلفاء الراشدين ولا في الدول التي أعقبتها، أن تم اختيار أحد الحكام عن طريق الشورى الحقيقية. ومما يدل على اهتمام الإسلام بالشورى، من الناحية النظرية على الأقل، أن هناك سورة في القرآن اسمها " الشورى ". ولكن رغم أن هذه السورة بها ثلاث وخمسين آية، تُذكر فيها الشورى مرة واحدة فقط: " والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " [42].

والمشكلة أن الإسلام لم يبين لنا كيفية ممارسة هذه الشورى، فلا القرآن وضّحها ولا السنة فعلت. ولذلك عندما اختار عمر بن الخطاب ستة أشخاص ليختاروا الخليفة منهم، كان يعتقد أن هذه هي الشورى. وبالطبع لم يهتم أحد في تلك الأيام بسؤال الرعية كيف رأوا ممارسة الشورى. وأغلب الظن أن غالبيتهم لم يعتبر ما جرى في اختيار الخلفاء شورى.

فعندما خرج طلحة والزبير مع عائشة في واقعة الجمل، أراد الزبير أن يُقنع أهل البصرة أن عثمان قُتل مظلوماً ولذا وجب عليهم الخروج معه لحرب عليّ بن أبي طالب، الذي آوى قاتلي عثمان، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيها الرجل أنصت حتى نتكلم، فقال عبد الله بن الزبير: ومالك وللكلام! فقال العبدي: يا معشر المهاجرين، أنتم أول من أجاب رسول الله فكان لكم بذلك الفضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفي رسول الله بايعتم رجلاً منكم، والله ما استامرتمونا في شئ من ذلك فرضينا واتبعناكم،فجعل الله عز وجل للمسلمين في أمارته بركة، ثم مات رضى الله عنه واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشورونا في ذلك، فرضينا وسلمّنا، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر، فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثم أنكرتم من ذلك الرجل شيئاً فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثم بايعتم علياً من غير مشورة منا، فما الذي نقمتم عليه فيه فنقاتله؟ فهموا بقتل ذلك الرجل فقام من دونه عشيرته، فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه، فقتلوا سبعين رجلاً [43] .

فالواضح أن المسلمين، حتى في تلك الأيام الأولى للإسلام، كانوا متذمرين من عدم مشورتهم في القرارات المهمة التي تمس حياتهم، كاختيار أمير المؤمنين، لكنهم سكتوا عن ذلك خوف الفتنة وشق صفوف المسلمين. 

ثانياً: معاملة الإسلام للحاكم

لو نظرنا لكيفية معاملة الإسلام للحكام لوجدنا أنه يكاد يؤلههم ويضعهم على منصة فوق البشر. فليس في الإسلام أي منظومة في كيفية محاسبة الحاكم. الإسلام يطلب منا أن نطيع الحاكم، " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".[44]

وفي حديث عن الرسول " " لا تسبوا الولاة، فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر. وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر. وإنما هم نقمة ينتقم الله بهم ممن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرع "[45] . وكذلك " أطيعوا أولي الأمر فيكم ولو كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة". فطاعة الحاكم هي أهم من أي صفة أخرى في المسلم. وهناك قاعدة أصولية تقول عندما يبايع المسلم الخليفة أو الأمير على الطاعة، يفقد هذا المسلم إرادة القبول والرفض لأن البيعة هي عقد بيع كامل الشروط، ويجب الإيفاء به. فالمؤمن في دولة الخلفاء الراشدين قد فقد حق الرفض لأوامر الخليفة لأنه بايع الخليفة، والمسلم في العصور التي تبعت دولة الخلفاء إلى يومنا هذا، قد فقد حق الرفض رغم أنه لم يبايع خليفته الذي جاء لمنصة الحكم عن طريق الوراثة،  ولكنه فقد هذا الحق لأن البيعة للحاكم ضمنية في الإسلام. فالمسلم مكلفٌ بطاعة ولى الأمر.

ولا يُسأل الحاكم في الإسلام إذا تصرف في أموال المسلمين دون وجه حق كما فعل الخليفة عثمان بن عفان عندما أعطى جمال الصدقة لأقربائه من بني أمية، و عندما أعطى عبد الله بن أبي سرح خمس الفئ من شمال أفريقية. وقد رأينا أن معاوية بن أبي سفيان سمح للحسن بن عليّ عندما صالحه أن يأخذ خمسة ملايين درهم من بيت مال الكوفة. وكذلك عندما خطب الخليفة عثمان بن عفان فقال: " لنأخذّن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام ". ويبدو أن طاعة المسلمين لخليفتهم غلبت عليهم، فلم يعترض على قولة عثمان هذه، حسب علمنا، إلا عليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري.

ويقال إن أبا الأسود الدؤلي كتب إلى الخليفة عليّ بن أبي طالب يشكو له عامله بالبصرة، عبد الله بن عباس، الذي اتهمه أبو الأسود بأنه أكل أموال بيت مال المسلمين، ولما كتب عليّ إلى ابن عباس يطلب منه كشف حسابات بيت المال، دعا ابن عباس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه منهم الضحاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين، فأخذوا ما استطاعوا من بيت المال، وخرجوا مع ابن عباس من البصرة[46]. ويقال إنه ذهب إلى مكة، وكانت يومئذ قد خرجت عن بيعة أمير المؤمنين، واشترى ثلاث جواري. ويقال إنه كتب إلى عليّ أخيراً يقول: " لأن لم تدعني من أساطيرك لأحملنّ هذا المال إلى معاوية يقاتلك به "[47]. ولم يحاسبه أحد بعد ذلك. ولا يمكن، طبعاً، أن تستقيم الأمور في دولةٍ يتصرف حكامها بلا رقيب.

كان معاوية يبني داره الخضراء فمر به أبو ذر، الصحابي المعروف،  وهتف أبو ذر في وجه معاوية قائلاً:    " من أين لك هذا؟" ثم أخذ  يقول لمعاوية: " إن كنت إنما بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وإن كنت إنما بنيتها من مالك فإنما هو السرف" [48]. وبالطبع اغتاظ معاوية من هذا الرجل، لكنه لم يتجرأ بمعاقبته لمنزلة أبي ذر عند الصحابة، فكتب إلى الخليفة عثمان بن عفان بأمر أبي ذر، واستدعى عثمان أبا ذر وقال لمن حوله:    " أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أقتله، فإنه فرّق جماعة المسلمين" .

فإذا كان الإسلام دينٌ ودولة، لا بد للدولة من قوانين واضحة معروفة تحدد كيف يُحاسب رئيس الدولة في حال تصرفه بأموال المسلمين دون وجه حق، أو إذا خالف الدستور في أي وجه من وجوهه،  وما هو عقابه؟ فالقرآن يذكر لنا عقاب السارق والزانية وشارب الخمر، لكنه لا يحتوي على آية واحدة تحدد لنا عقاب الحاكم الذي يتصرف في أموال الدولة بدون حق، ولا الحاكم الذي يقتل المعارضين له دون وجه حق.  ولأن القرآن لا يقدم لنا أي وسيلة أو قانون لمعاقبة الحاكم الظالم، جاء رجال الفتاوي بفتوى تقول " إن أفضل شهيد من ذهب إلى حاكم ظالم فقتله ". فليس هناك قانون لعزل الحاكم أو سجنه، إنما يُقتل، تماماً كما قال عمر بن الخطاب في الذي يخالف الجماعة وقت الشورى، ولا تقتله الدولة حسب قوانين ونظم سارية تضمن له محاكمة عادلة، وإنما تترك الدولة القانون للمجاهدين، الذين يكون أفضلهم من يقتل هذا الإمام الظالم.

ويقال إن عمر بن الخطاب سأل يوماً في مجلسه هل هو خليفة أم ملك؟ فأجابوه أن الملك يعسف الناس وأن عمر لا يفعل ذلك فهو لا يمكن أن يكون ملكاً. ونستنتج من هذا أن الملك لا يمكن أن يكون عادلاً، وقد قال الله في القرآن: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون"، ورغم هذا بايع أئمة الإسلام ملوك بني أمية، ولم يحتجوا على ملكهم. ورغم ظلم الملوك يقول القرآن: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " ( أل عمرآن/26). فرغم ظلم الملوك يعطيهم الله الملك.

وقد نبذ المسلمون الأوائل الملكية وأصروا على أن حكامهم خلفاء للرسول، ولكن لم تكن الخلافة نظاماً بالمعنى الكامل، ولم يكن لها أصول تمكنها من أن تكون نظرية للحكم ذات حدود صلبة تضمن ديمومتها. وقد اعتبر أبن رشد نظام الخلافة نسخة مطابقة لجمهورية إفلاطون الفاضلة[49]. وجمهورية إفلاطون الفاضلة كانت نظام حكم نظري لم يسبق له أن طُبق لاستحالة توافر الشروط التي أتى بها إفلاطون في الحاكم، ولذا انتهى نظام الخلافة بقيام الدولة الأموية.

وفي القرآن آية تقول: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا "[50]، ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية: " الركون هو السكون إلى الشئ والرضى به. وقال قتادة: معناه لا توادوهم وتطيعوهم". فإذا كان الحاكم ظالماً جائراً فيجب على المسلمين ألا يستكينوا له، وعليهم أن يخرجوا عليه. ولكن لأن القرآن يقول كذلك: " أطيعوا الله وأطيعوا  والرسول وأولي الأمر  منكم"، فقد اختلط على المسلمين الأمر، فتدخل وعاظ السلاطين فقالوا إن الله هنا يقصد الكافرين والمشركين الذين يجب ألا نوادهم. فطاعة الحاكم أمر إلهي. وقد قال أبو بكر للمسلمين وقت بيعته:    " أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". ولكن في زمن عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، أصبح عدد كبير من الصحابة لمستفيدين من ذلك الحكم، لذلك أطاعوا الحكام  رغم أن الحكام  لم يطيعوا الله في عدة وجوه.

ثالثاً: إجماع المؤمنين

عندما ثار زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك في العراق، اختلف الفقهاء في هذه الثورة والأمر بإطاعة أولي الأمر، ويقال إن أبا حنيفة كان يؤيد زيداً ويواليه. وقال الزمخشري: كان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي وحمل الأموال إليه والخروج معه على الخليفة. ولكن اتباع أبي حنيفة يقولون إن هذه الرواية غير صحيحة وفقهاء الحنفية مجمعون على القول بعدم جواز الخروج على السلطان ( الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج 13 ص 395.)

والإسلام يؤكد مراراً وتكراراً على وحدة المسلمين وجمع صفهم، حتى أن بعض العلماء أفتى أن أي شئ يجتمع عليه المسلمون فهو حق بدليل قول الرسول: " لا تجتمع أمتي على ضلال ".  و لذلك عندما تنازل الحسن بن عليّ عن الخلافة وبايع المسلمون معاوية، وتوحدت الدولة الإسلامية مرة أخرى، سُمى ذلك العام بعام الجماعة، رغم أن المسلمين اجتمعوا خلف رجل داهية في السياسة لكنه أبعد ما يكون عن تعاليم الإسلام، وحارب خليفة رسول الله كما حارب أبوه رسول الإسلام على مدى عشرين عاماً. فإجماع الأمة هدفٌ في حد ذاته في الإسلام، وليس مهماً على أي شئ يجتمعون لأن الرسول أخبرنا أنهم لا يجتمعون على ضلال.

وقد رأينا أن الخليفة عمر بن الخطاب قبل أن يموت كان قد اختار ستةً من الصحابه وأمرهم أن يختاروا الخليفة من بينهم، ورأينا كيف أنه عيّن المقداد بن الأسود حاجباً لهم، وقال له: إن أجمع خمسة على رجل منهم وأبى الآخر فاضرب عنقه.

فالخروج على الجماعة يستوجب ضرب العنق. وقد أكد هذا الخليفة عليّ بن أبي طالب عندما تم اختياره خليفةً وكتب إلى معاوية في الشام، يخبره أن المسلمين اختاروه خليفةً بالشورى: "  فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك رضاً، فإن خرج عن أمرهم خارجٌ بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.[51]

ومن شدة ولع المسلمين بوحدة الصف، اتهم بعضهم عليّ بن أبي طالب بتفرقة صف المسلمين، رغم أن عليّ كان خليفة المسلمين المعترف به ( ولو أن الذين اختاروه قلة من المسلمين)، وكان يحارب معاوية في محاولة لتوحيد دولة المسلمين التي شطرها معاوية باستقلاله بالشام، فقد روي المقريزي أن يوسف بن عمر والي هشام على العراق أيام الثورة الزيدية صعد على المنبر في يوم جمعة وقال: إن أول من فتح على الناس باب الفتنة وسفك الدماء هو عليّ [52].

ويبدوا أن الدكتور عليّ الوردي، عالم الاجتماع، يوافق هذا الرأي فيقول: " لم يشهد التاريخ الإسلامي رجلاً فرّق الجماعة كعلي بن أبي طالب. وقد أُتهم علي بسفك دماء المسلمين مراراً، حتى أن ابن عمه ونصيره، ابن عباس اتهمه مرة بهذه التهمة. قيل إن ابن عباس أخذ شيئاً من بيت المال يوم كان عاملاً لعلي على البصرة ثم هرب به. فكتب إليه علي يلومه ويهدده ويخوفه من الله. فأجابه ابن عباس: أنه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمته شئ من أموال المسلمين، على أن يلقاه وفي ذمته تلك الدماء التي سفكت يوم الجمل والتي سفكت في صفين والتي سفكت في النهروان. فقال علي: " وابن عباس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء" [53].

ويقول سهيل العاني صاحب كتاب " حكم المقسطين على كتاب وعاظ السلاطين" : إن الاعتراض على الظلمة غير واجب إذا كان فيه تحرك فتنة تؤدي إلى تفرقة الكلمة وذلك لأن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة[54]. فالصبر على ظلم السلطان أفضل من الخروج عليه وتفريق كلمة المسلمين.

وعلماء المسلمين يفضلون إجماع المسلمين على حياة المسلم، حتى لو كان هذا المسلم عثمان بن عفان. فعندما ثار الناس على عثمان وطالبوه بالتنحي وإرجاع الأمر للشورى، يقال أنه قبل ذلك وبعث سعد بن أبي وقاص إلى عليّ بن أبي طالب ليخبره بذلك، ولكن قُتل عثمان قبل أن يصل سعد إلى عليّ. ويعلق الأستاذ محب الدين الخطيب على ذلك فيقول: " إن عثمان لا يجوز له أن يخلع نفسه أبداَ ".  فالخلافة في نظر الخطيب قميص ألبسه الله عثمان، وقد قال رسول الله لعثمان " يا عثمان، إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع الذي قمّصك الله فلا تخلعه "، وقال ذلك ثلاثاً[55]. وهذا لا شك حديث منحول صنعه بنو أمية، ولكن الخطيب استدل به.

ويعتقد الخطيب أن خلع عثمان يؤدي للفتنة وسفك دماء المسلمين، أما قتله فهو يهدّئ الفتنة ويقلل من سفك الدماء. ويقول الخطيب " عثمان افتدى دماء أمته بدمه مختاراً فما احسن الكثير منا جزاءه [56]. فأصبح عثمان في نظره كالمسيح بن مريم عند المسيحيين.

ورغم كل هذا التشديد على وحدة المسلمين، لم يجتمع المسلمون على شئ واحد منذ موت الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. فقد تقسموا شيعاً واحزاباً في خلافة عثمان ثم في خلافة عليّ بن أبي طالب، وزاد التحزب والانقسام الذي استمر حتى يومنا هذا. فانقسمت الشيعة إلى الأثني عشرية، والسبعية، والزيدية، والفاطمية، والإسماعيلية وغيرهم. وانقسمت السنة إلى عدة مذاهب منهم المالكية، والشافعية، والحنبلية، والحنفية  وغيرهم. وتقسمت أقطارهم وسياساتهم حتى أنهم صاروا لا يتفقون حتى على هلال رمضان الذي يمكن الآن حساب ورصد متى يظهر في أي بقعة في الأرض حساباً دقيقاً لا مراء فيه. كل هذا يثبت أن الإسلام قد أتى بنظم قد تكون جميلة من الناحية النظرية، لكن لا يمكن تطبيقها في عالم الواقع.


[1]  Dinesh D Souza, What is so great about America ( Regency Publication) p 97

[2]   سورة الأنفال، الآية 58

[3]  سورة النساء، الآية 65

[4]  الملل والنحل:أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، المكتبة العصرية، بيروت، 2003 م، ص 17

[5]   الملل والنحل للشهرستابي، ص 18: مصدر سابق

[6]   نفس المصدر، ص 19

[7]   سورة البقرة، الآية 256

[8]  سورة يونس، الآية 99

[9]  سورة الكهف، الآية 99

[10]   نفس السورة، الآية 217

[11]  سورة آل عمرآن، الآية 144

[12]  أحداث التاريخ الإسلامي بترتيب السنين: د.عبد السلام الترمانيني، دار طلاس، دمشق: http://history.al-hslam.com

[13]  تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الثانية، ص 586

[14]  هذه خلاصة قصة رواها الطبري وابن حنبل والمسعودي والواقدي/ أخذاً عن : مهزلة العقل البشري للدكتور عليّ الوردي، الطبعة الثانية، دار كوفان، لندن، ص 211

[15]  تاريخ الطبري، أبو جعفر بن جرير الطبري،دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، المجلد الثاني،  ص 661

 طه حسين، الفتنة الكبرى، ج1 ص 167 [16]

 طه حسين، الفتنة الكبرى، ج1 ص 163 [17]

  عبد الحميد السحار، أبو ذر الغفاري، ص 157/ نقلاً عن وعاظ السلاطين: د. علي الوردي، ص 110 ،الطبعة الثانية، دار كوفان، لندن [18]

[19]  طه حسين، في الادب الجاهلي، ج1 ص 164

[20]  البلاذري، أنساب العرب ج5، ص 52-54

  عبد الحميد السحار، أهل البيت، ص 68 [21]

  طه حسين، الفتنة الكبرى، ج1 ص 165 [22]

[23]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 661 ( مصدر سابق)

[24]  نفس المصدر ونفس الصفحة

[25]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 656

  عبد الحميد السحار، أهل البيت، ص 74 [26]

 ابن العربي،العواصم من القواصم، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت،الطبعة الأولى 2003م، ص 76[27]

[28]  ابن العربي، العواصم من القواصم، ص 73

[29]  ابن العربي: العواصم من القواصم، ص 75

[30]  نفس المصدر، ص 81

[31]  سورة الأنفال، الآية 41

[32]  ابن العربي، العواصم من القواصم، ص 110

[33]  سورة البقرة، الآية 179

[34]   طه حسين، في الادب الجاهلي، ج2، ص71

[35]   تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 9

[36]  مختصر السيرة النبوية للإمام أبي الفداء بن كثير، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982، ص 321

[37]  تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 21 ( مصدر سابق)

[38]  تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 12 ( مصدر سابق)

[39]  سورة الأحزاب، الآيات 32-33

[40]  تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 15

[41]  تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 165

[42]  سورة الشورى، الآية 38

[43]  تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 18

[44]   سورة النساء، الآية 59

أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 11، نقلاً عن: وعاظ السلاطين، د. علي الوردي ص 62 [45]

[46]   تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص 154

[47]   طه حسين، الفتة الكبرى ج2 ص 142

 [48]   طه حسين، الفتنة الكبرى، ج2، ص 204

[49]  من قاموس التراث، هادي العلوي،الكبعة الثالثةن الأهالي، 1988، ص 11

[50]   سورة هود، الآية 113

[51]   محمد عبده، نهج البلاغة ج3 ص 8

[52]   [52]   المقريزي، النزاع والتخاصم ص 29/ نقلاً عن مهزلة العقل البشري: د. علي الوردي، ص 125  

 

[53]  وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 200

[54]   وعاظ السلاطين، الدكتور علي الوردي، ص 100 

[55]   ابن العربي، العولصم من القوصم، ص 136 ( الحاشية)

[56]   مهزلة العقل البشري، د. عليّ الوردي، ص 224

الفصل الثالث

الدولتان الأموية والعباسية

بتنازل الحسن بن عليّ عن الخلافة لمعاوية انتقلت الخلافة إلى بني أمية القرشيين وتحقق الأمل الذي كانوا يعملون من أجله، وبتوليهم الخلافة انتهى عهد الشورى وابتدأ عهد الملكية، كما تنبأ الرسول، في حديث منحول، لا بد أن بني أمية قد نحلوه، حين قال:  "  الخلافة ثلاثون ثم تعود ملكا ً"[1]. وقريش التي حاربت الإسلام طوال عشرين عاماً ولم يسلموا حتى فتح الرسول مكة بفترة وجيزة قبل وفاته، أصبحوا حكام المسلمين ولم يمض على اسلامهم أكثر من ثلاثين عاماً.

بمجرد أن استتب الأمر لمعاوية نجده أحاط نفسه بالحرس المدجج بالسلاح، وبالخدم والحشم، وانتهت أيام كان المسلم يستطيع أن يلاقي أمير المؤمنين نائماً تحت شجرة ( عدلت فنمت يا عمرُ). كان معاوية إذا سار رافقه موكب فخم كموكب الأكاسرة وإذا جلس حف به الحجاب والحراس على أكتافهم السيوف. وكانت مائدته عامرة بالأطعمة الفاخرة حيث كان لا يجلس إليها إلا من كان من أبناء الطبقات العليا [2].

وكان كل هم معاوية أن يجعل الحكم في قريش ويجعل نظام الحكم ملكي، لا شورى. ولم يكن معاوية يؤمن بالشورى، كما لم يكن أبوه. فأبو سفيان  لم يفهم الإسلام على أنه دين، إنما فهمه على أنه دولة من شأنها السيطرة على الخلافة. وقد اتضح هذا عندما رأى جيوش الإسلام تفتح مكة،  فقال لصاحبه العباس عم النبي:   " والله يا أبا الفضل لقد اصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً".  فقال له العباس " إنها النبوة ". فقال ا أبو سفيان  " نعم إذن" [3]. ويقال أن أبا سفيان خاطب عثمان عندما توليه الخلافة، فقال: " لقد صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري  ما جنة ولا نار" [4]

وعندما استأثرت قريش بالفئ واحتج الناس، اجتمع بهم معاوية، وقال لهم: " إنكم قوم من العرب ذوو أسنان وألسنة وقد أدركتم بالإسلام شرفاً وغلبتم الأمم وحويتم مواريثهم. وقد بلغني أنكم ذممتم قريشاً ونقمتم على الولاة فيها وإن قريشاً لو لم تكن، عدتم أذلة كما كنتم.. وإن أئمتكم لكم جنة فلا تصدوا عن جنتكم. افقهوا عني ولا أظنكم تفقهون. إن قريشاً لم تُعز في جاهلية ولا في إسلام إلا بالله وحده. فإنه لم يردهم أحدٌ من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل. حتى أراد الله تعالى أن يستنقذ من أكرمه باتباع دينه، من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة فأرتضى لذلك خير خلقه ثم ارتضى له أصحاباً وكان خيارهم قريشاً. ثم بنى هذا الملك عليهم وجعل الخلافة فيهم فلا يصح الأمر إلا بهم. وقد كان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه؟ "[5].

فبالنسبة لمعاوية أن الله ارتضى للرسول قريشاً أصحاباً، وكان قد أعزهم في الجاهلية، ولا بد له أن يعزهم في الإسلام. وكون قريش حاربوا الرسول كل حياته حتى فتح مكة قبل عامين من موته، لا يقلل ذلك من عظمة قريش عند الله والناس، ولا نستطيع أن نلومه لأن الرسول قال: " لا يزال هذا الأمر في قريش حتى لو بقى منهم اثنان "، رغم أن الأنصار ( الأوس والخزرج) هم الذين نصروه، ولولاهم لما قامت للإسلام قائمة.

 وأحاط معاوية نفسه بأصحاب رسول الله  وطلب منهم صُنع الأحاديث التي تُعلي من قدر قريش وبني أمية وتحط من قدر عليّ بن أبي طالب وأصحابه. وقد اجتمع عنده عدد كبير من الصحابة من أمثال أبي هريرة و المغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم، وأخذ هؤلاء يملأون الدنيا بأحاديث الرسول، وكان معاوية يغدق علي كل من يأتيه منهم بحديث يرضيه[6].  وحصر معاوية حق الشورى على أهل الشام، الذين كانوا يطيعونه طاعةً عمياء، فقد قال المسعودي عنهم:  " ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين، الجمعة في يوم الأربعاء وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها "[7].  وكان قد كتب إلي عليّ قبل أن يُقتل:    " قد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان. فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. وإنما الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فان فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام[8]

والغريب أن معاوية لما استتب له الأمر وأصبح خليفة المسلمين، تدين له كل بلاد المسلمين بالطاعة، لم يطالب بإلقاء القبض على من قتل عثمان بن عفان، مع أنه حارب علياً لإيوائه إياهم. وفي واقع الأمر لم يكن معاوية يهتم لمن قتل عثمان وإنما استعمل مقتله كوسيلة لإغتصاب الخلافة. . و لما طالبته ابنة عثمان بأخذ دم أبيها من قاتليه، قال لها: " يا ابنة أخي ...إن الناس أعطونا طاعةً وأعطيناهم أماناً، وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره. فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا. ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأةً من عرض المسلمين" [9].

وجعل معاوية سب عليّ وأصحابه من على المنابر عملاً يُجازى عليه فاعله. يقول ابن أبي الحديد إن معاوية كتب إلى عماله: " إني برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضائل أبي تراب وأهل بيته". فقامت الخطباء في كل كورة،  وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته." [10]

ورغم أن جلُ الأئمة قد رضخوا لطلب معاوية وعماله وأخذوا يسبون علياً وأهل بيته، كان هناك جماعةٌ من الموالين لعليّ رفضوا سبه. وكان من جملة هؤلاء الناس حُجر بن عدي الكِندي، لما طلب منه المغيرة بن شعبة، وكان عامل معاوية على الحيرة، أن يسب علياً، رفض أن يفعل وسانده عدد من أتباعه. ولما لم يعاقبه المغيرة، أقاله معاوية وضم الحيرة إلى البصرة تحت زياد بن أبي سفيان. فأجبر زياد بعض أهل الحيرة بالشهادة زوراً على حُجر وأصحابه أنهم قد كفروا وخرجوا على إجماع الأمة وسبوا أمير المؤمنين. وجمع زياد سبعين شهادةً وبعث بها إلى معاوية الذي طلب إحضار حُجر وأصحابه مكبلين إليه، ورغم احتجاج بعض الذين وردت أسماؤهم في قائمة الشهادة، وقولهم إنهم لم يشهدوا، أعدم معاوية منهم ستة بما فيهم حُجر، وبايع سبعة منهم معاوية ونجوا بحياتهم [11]. فشهادة الزور التي نهى عنها الإسلام أصبحت من الأمور التي يتعاطاها أمير المؤمنين.

نشطت الفتوحات في عهد الدولة الأموية التي بنت على الفتوحات التي كانت قد تمت في عهد الخلفاء الراشدين، ودخلت أمم كثيرة الإسلام قهراً بعد أن انتصرت جيوش المسلمين عليهم. وامتدت الفتوحات إلى أرمينيا وأذربيجان ومصر وخراسان وفارس والسند والقسطنطينية وعدة بلاد أخرى. وجلبت هذه الفتوحات أموالاً طائلة على معاوية والأمويين، وجلبت كذلك سبايا وموالي.

لقد كانت الدولة التي أسسها معاوية دولة قومية طبقية قبل أن تكون دولة إسلامية. فكانت تضع رعاياها في درجات متفاوتة: فقريش في حسابها أفضل من بقية العرب، والعرب أفضل من الموالي والموالي أفضل من أهل الذمة وأهل الذمة افضل من الكفار الذين مصيرهم جهنم [12]

صار الأعاجم الذين دخلوا الإسلام مؤخراً محتقرين في نظر العرب على عهد بني أمية. وأخذ العرب يطلقون عليهم أسماء مستهجنة كأن يسمونهم " النبيط" أو " الحمراء" أو " الموالي" وانتشر بينهم المثل القائل: " لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار وكلب ومولى"[13]. وكان كل من يدعو العربي بقوله: " يانبطي" أو " يا ابن الحجام" يستحق العقوبة في نظر الفقهاء

يذكر الدكتور بديع شريف الصراع بين الموالي والعرب ولكنه يضع اللوم على الموالي ويبرئ منه العرب. وهو يقول إن العرب كانوا يعتّدون بتقاليدهم وشمائلهم ويعتزون بدمهم ويرون أن المولى لا يكون كفئاً للعربي لأن الدين لم يتمكن من قلب المولى ولأن المولى فيه صفات كثيرة لا تؤهله لذلك، وكانوا يأخذون على الموالى أموراً لا تتفق مع  مبادئ الإسلام منها انهم يتآمرون عليه ويخالفون قواعده باشتهارهم بشهادة الزور، ومنها عدم الوفاء والخور والعجمة.[14] وكل هذه الصفات، باستثناء العجمة، كانت متوفرة في حكام بني أمية، ومع ذلك أطاعهم المسلمون

اضطهد بنو أمية العجم الذين دخلوا الإسلام بعد الفتوحات رغم أن الإسلام يقول: " لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى". وفي الواقع أن اضطهاد الموالي قد بدأ ببداية الفتوحات في أيام الخلفاء الراشدين، فعندما فتحوا مصر وغيرها من بلاد الحضر التي كان أهلها يحترفون الزراعة، سموا أهلها " العلوج"، لأن العرب كانوا يحتقرون الأعمال اليدوية.

جاءت إلى عليّ بن أبي طالب ذات يوم امرأتان فقيرتان تسألانه شيئاً من المال. فأعطاهما. لكن إحداهما سألته أن يفضلها على صاحبتها لأنها امرأة من العرب وصاحبتها من الموالي. فقال لها علي: " ما أعلم أن الله فضل أحداً من الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى" [15]

يقول المدائني إن طائفة من أصحاب عليّ مشوا إليه فقالوا: " يا أمير المؤمنين إعط هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافه من الناس". فقال لهم: " أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور".[16]

فرح العرب بانتصاراتهم الرائعة التي أنجزوها في عهد بني أمية وأخذوا يتعالون على غيرهم من الأمم المغلوبة ويعدون أبناءها عبيداً لهم. وقد أرادت تلك الأمم أن تسترد مكانتها بدخول الإسلام فلم يغنها ذلك شيئاً، فالدولة لم تعفهم من مذلة الجزية ولم تساوهم بالعرب في كثير من الأمور.

يقول البروفسير نيكلسون: " إن الأمم المغلوبة صدّقت بأن الإسلام هو دين العدل والمساواة فدخلت فيه. ثم وجدت أنها قد أخطأت في ذلك خطأً فظيعاً. ذلك لأن الطبقة الأرستقراطية في الدولة لم تعاملها على أساس المساواة مع العرب. بل احتقرتها واضطهدتها وأبقت عليها ضريبة الجزية وأطلقت عليها لقب " الموالي" أي العبيد المعتقين [17]. فلما كثرت نفقات الدولة بسبب الحرب وقمع الثورات، فرضت الدولة الجزية على من أسلم من الموالي وفرضت الخراج على أراضيهم، خلافاً لأحكام الإسلام، ولم يحتج حتى شيخ واحد على هذه القوانين التي خالفت الإسلام.

ومع ازدياد الفتوحات ازداد عدد السبايا والأسرى عند المسلمين، ويقال إن  موسى بن النصير رجع من غزواته في شمال أفريقيا والأندلس  يجر وراءه ثلاثمائة ألف أسير، منهم  ثلاثين ألف عذراء [18]. ويقال إنه أرسل خُمس العذارى إلى الخليفة في الشام لأن الآية تقول: " واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول "[19]

ولست أظن بأن أولئك العذارى وقعن في الأسر طوعاً واختياراً. إن المجاهدين الفاتحين لا بد قد خطفوهن من البيوت بعد أن قتلوا رجالها ونهبوا ما فيها. فليس من المعقول أن يذهب المجاهدون إلى بيوت المدن المفتوحة فيطرقون الباب ويقولون: " أعطونا عذراء في سبيل الله". إن سبي كل فتاة وراءه قصة طويلة من النهب والسفك وانتهاك الحرمات. فعل المجاهدون كل ذلك في سبيل الله طبعاً- فهم أرادوا أن ينشروا الإسلام في العالم ويؤسسوا به دين العدل والرحمة والإنسانية. وهناك أصوات تقول إن المسلمين أسروا وسبوا لأن تلك كانت عادة الكفار، وما هذا إلا من باب المعاملة بالمثل. ولكن المشركين لم يكن لهم هدى إلهي، والإسلام دين من عند الله، ولا بد أن يكون لله قواعد وأصول مختلفة عن قواعد المشركين، وإلا ما كان هناك داعي لتغيير معتقداتهم.

وفي الواقع أن قصة أخذ السبايا في الإسلام بدأت مع بداية غزوات الرسول، غير أن الأسرى والسبايا وقتها كانوا من غير المسلمين الذين غزاهم الرسول ليدخلهم في الإسلام أو يدفعوا له الجزية. ولكن في عهد أبي بكر عندما بدأت حروب الردة وحروب القبائل التي منعت عنه الزكاة، أخذ المسلمون أسرى وسبايا من المسلمين المهزومين. وهكذا سبى المسلم المسلمة.  

من المعروف أن أكثر الناس تمسكاً بالدين هم الفقراء لأن الدين يسمح لهم أن يعيشوا أحلامهم بحياة هنيئة راغدة في الآخرة، بعد ما حرمهم الفقر من التمتع بالدنيا، ولذا قال الفيلسوف الألماني نيتشة: " الدين ثورة العبيد". فالعبيد الفقراء لا يستطيعون أن يثوروا على أسيادهم، ولكن الدين يسمح لهم، نظرياً، أن يتساووا مع أسيادهم في الآخرة، وبذا يكونوا قد كسروا قيودهم وتحررت أرواحهم، وإن كانت أجسادهم ما زالت ترزح في قيود العبودية والفقر. ولنفس السبب قال كارل ماركس: " الدين أفيون الشعوب"

هذا ما حدث في بداية الإسلام عندما جاء المهاجرون الفقراء من مكة إلى المدينة، وتمسكوا بتعاليم دينهم كما سمعوها من الرسول. وكان الأغنياء منهم يعدون على الأصابع، ولم يكن باستطاعتهم البذخ في أموالهم وهم محاطون بالفقراء، والرسول رقيب عليهم. ولكن مع ازدياد الفتوحات ازداد الغنى ولم يبق من الصحابة فقير ما عدا الذين زهدوا في المال من أمثال عمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي. أما البقية من أمثال بلال الحبشي وصهيب الرومي، وكبار الصحابة فقد تحولوا إلى أغنياء وسادة بعد أن كانوا مستضعفين. وإذا زاد المال قل التمسك بالدين

ومنذ خلافة عثمان أصبح عددٌ من الصحابة من أغنى أغنياء العرب. فيذكر ابن سعد في طبقاته أن ثروة الزبير بن العوام بلغت  اثنين وخمسين مليون درهم من النقد، وكانت له أملاك في مصر والكوفة والبصرة. وكان لعثمان عند خازنه يوم قُتل ثلاثين مليون درهم ومائة وخمسين ألف دينار. وترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة حصان ومزرعة وذهب مسبوك في سبائك. وكانت غلة طلحة من العراق وحده ألف درهم في اليوم وقد ترك من الأموال والعقار ثلاثين مليون درهم [20].  والقرآن يقول: " إن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ". ولكن الإشكال أن طلحة والزبير وابن عوف من المبشرين بالجنة وقد كنزوا كل هذا الذهب. فهل سيحمى به في نار جهنم وتكوى به جنوبهم وهم في الجنة؟

الثورات والفتن

ولما أصبح معظم العرب أغنياء في الدولة الأموية، والموالي فقراء ومضطهدين، بدأ الغضب على الأمويين يفور تحت السطح، كما قال الشاعر:

أرى خلل الرماد وميض نارٍ             ويوشك أن يكون لها ضرامُ

وفعلاً بدأت الثورات في الدولة الأموية  بعد أن تقسّم المسلمون لعدة فُرق منها: الشيعة والخوارج والمرجئة وأهل السنة. وقد تقسّمت كل فرقة إلى طوائف متعددة، فمثلاً الشيعة تقسموا إلى الشيعة الإمامية الذين يؤمنون بأن عليّ بن أبي طالب هو الأمام والخليفة الحقيقي لرسول الله، وأن أبا بكر وعمر وعثمان قد اغتصبوا حقه في الإمامة، وبذا أصبحوا مرتدين. وهناك الشيعة الزيدية الذين يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر فقط قبل عليّ بن أبي طالب و لكنهم لم يكفروا أحداً من الصحابة. وهناك الشيعة الكيسانية وهم أتباع محمد بن علي بن أبي طالب من زوجته خولة بنت جعفر الحنفية، وسموا بالكيسانية نسبةً إلى " كيسان" مولى عليّ بن أبي طالب وكان قد اقتبس من عليّ وابنه محمد أسرار علم الباطن وعلم التأويل وعلم الأنفس. وهناك كذلك الشيعة الأسماعيلية، أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق، والشيعة الغلاة الذين تظاهروا بولائهم لأهل البيت وغالوا في حق أئمتهم وزعموا أن روح الإله قد تناسخت فيهم.

والخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب وحاربوه حتى هزمهم في القيروان. والخوارج يعتقدون أن الإيمان بالقلب وحده لا يكفي، لا بد من أن يقترن الإيمان بعملٍ صالح بدليل قول الله: " من آمن وعمل صالحاً". وهم قد كفّروا علياً لأنه رفض أن يقرن إيمانه بالعمل الصالح، ألا هو الرجوع عن قرار التحكيم ومحاربة معاوية بن أبي سفيان. ومذهبهم السياسي هو المساواة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، ولا فضل لمسلم على آخر إلا بالتقوى " إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ولذا قالوا إن الخلافة حق يتساوى فيه العربي مع الموالي ما داموا أتقياء. وهم يعترفون بأبي بكر وعمر وأول ستة أعوام من حكم عثمان قبل أن يضل عن السبيل.  وهدفهم الرئيسي كان مقاومة الظلم ونصرة المستضعف.

وهناك المرجئة الذين قالوا إن كل من أمن بوحدانية الله لا يمكن الحكم عليه بالكفر لأن الحكم عليه مرجأ ومتروك لله تعالى، حسب قول القرآن: " وآخرون مُرجون لأمر الله أما يعذبهم وأما يتوب عليهم والله عليم حكيم " [21]. ويعتقدون بعدم تكفير أي إنسان يقول " لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، مهما ارتكب من المعاصي، ويجب أن يُترك الحكم عليه لله وحده.

وهناك أهل السنة، وتضم هذه الفرقة  بني أمية والموالي كما تضم المرجئة وأهل الحديث والفقهاء وعامة الناس الذين والوا الحكام إما رهبةً أو رغبةً. وقال هؤلاء يجب أن يكون الخليفة من قريش وأن يكون حراً بالغاً عاقلاً. وقد أجازوا طرق اختيار الخليفة التي أجازها العلماء في أيام الخلافة الراشدية وأضافوا عليها، لإرضاء بني أمية، أنه يجوز للخليفة أن يعهد بالخلافة لابنه أو أخيه إذا توفرت فيه شروط الخلافة. وبهذا أعطى علماء الإسلام موافقتهم على نظام الملكية رغم قول القرآن: " إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك  يفعلون" [22]، وما عاد منهم من يهتم بالشورى.

وظهرت فرق أخرى مثل الجبرية الذين قالوا إن الإنسان مجبر على ما يفعل، أي أنه مسيّر، ولا يسأل عن أفعاله، وكان هذا مذهب الأمويين. ويقال أن الحجاج بن يوسف الثقفي عندما رمى الكعبة بالمنجنيق كان يقول مع كل رمية: " هذا من عند الله".

وفرقة القدرية كانوا لا يؤمنون بالقدر ويقولون إن الإنسان قادر أن يختار أعماله بنفسه ولذا يجب محاسبته عليها. وتطور هذا المذهب واعتنقه المعتزلة الذين كانوا يُعرفون ب " فرسان العقل".

جُل هذه الفرق عبرت عن آرائها في قالب ديني لكنها استعملت السلاح والثورة لتفرض آراءها علي مسرح الواقع. ولذا كثُرت الفتن والحروب في الدولة الأموية، وتشعب المسلمون إلى فُرقٍ كثيرة متناحرة لا يعلم عددها أحد، غير أن هناك حديث، غالباً ما يكون منحولاً، يقول: " ستفترق أمتي اثنين وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة ".

ورغم كل هذه الفتن والثورات دامت الدولة الأموية ثلاثة وتسعين عاماً، منها ثلاثة وعشرين عاماً هي الفترة السفيانية ( معاوية بن أبي سفيان، وأبنه يزيد، وحفيده معاوية بن يزيد)، ثم الفترة المروانية التي حكم فيها مروان بن الحكم وأولاده وأحفاده. ورغم أن الدولة الأموية رعت أكبر توسع في الدولة الإسلامية، إلا أنها كانت دولة متسلطة عُرفت بدولة " المُلك العضوض". تعرض فيها الشيعة لأبشع أنواع الاضطهاد والتعسف والقتل، خاصة في أيام الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما كان المرء يُفضّل أن يقال أنه زنديق ولا يُقال أنه شيعي.

وقتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ في كربلاء وسبى نساءه  وبناته بعد مقتله، وجئ بهن إلى الشام سافرات، باعتبار أنهن سبايا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فرآهن على تلك الحالة شيخ متدين من أهل الشام فدنى منهن يتوكأ على عصاه وهو فرح بالنصر الذي تم على يد المسلمين. وعندما قرب من السبايا صاح هاتفاً: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن أمير المؤمنين منكم [23]. يقال أنه لما علم أنهن بنات رسول الله، بكى لأسرهن. وهذا، إن صح، يُظهر نفاق المسلمين في تلك الحقبة. فبالنسبة لهذا الشيخ يجوز ليزيد أن يُسبي نساء المسلمين، ولكن لا يصح له أن يُسبي حفيدات الرسول.

ويقول المؤرخون إن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة المنورة بعد واقعة الحرة أباحها ثلاثة أيام        " فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراً كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقُتل أبناء المهاجرين والأنصار"[24]. ويخبرنا شيوخ الإسلام أن كل المسلم على المسلم حرام، ماله ودمه وعرضه.

أصبح الدين في الدولة الأموية ستاراً يختفي وراءه الخلفاء ليمارسوا ما شاءوا من الفسوق والتعسف معتمدين على الفتاوي التي يصدرها وعاظهم للناس ليبرروا سلوك الحكام. وقد أفتى علماء كثيرون بأن معاوية كان رجلاً صالحاً قد اجتهد في الدين، ولا يقل اجتهاده عن اجتهاد عليّ بن أبي طالب أو عمر بن الخطاب. و يقول محب الدين الخطيب: " أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن علياً ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله كانوا جميعاً من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك. والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله (ص) بشر معصوم عن أن يخطئ " [25]. فمعاوية سوف يُثاب على كل ما فعل بالمسلمين والإسلام.

ويذهب ابن العربي إلى أبعد من ذلك في مدح معاوية، ويقول في تبرير واقعة صفين: " لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معاً على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يُعمل بها في حروبهم"[26]. كأنما هناك حروب مثالية إنسانية.

ولتعصب السنة ضد الشيعة، ذهب بعضهم إلى القول بأن معاوية من الذين أصطفاهم الله، ويحكي المقديسي : أنه رأى رجلاً في جامع واسط يروي حديثاً عن النبي ويقول: " إن الله يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه ويُغلّفه بيده ثم يجلوه على الناس كالعروس". فسأله المقديسي: " بماذا؟"، أجاب الرجل: " بمحاربته علياً". فقال المقدسي: " كذبت يا ضال". فهتف الرجل: " خذوا هذا الرافضي". فأقبل الناس عليه... فعرفه بعض الكتبة ودفعوهم عنه[27]

وذهب أهالي أصفهان إلى أبعد من ذلك وادعوا أن معاوية نبي. ويحكي المقديسي أن رجلاً من أهالي أصفهان، وُصف له بالزهد والتعبد فقصده ليسأله، فرآه يقول: " إن معاوية نبي مرسل". فلما أنكر المقديسي عليه ذلك أصبح يشيّع عليه، فثار عليه أهالي أصفهان وكادوا يبطشون به لو لم يلحق بالقافلة على عجل ويترك البلدة[28]

ولم ينحصر تشيّع المسلمين إلى فرقٍ متناحرة في الشام وحدها بل تعداها إلى الأندلس.  يروي البروفيسور نيكلسون  عن المقديسي: " إن الأندلسيين لم يعترفوا إلا بالقرآن وبموطأ مالك، فإذا وجدوا أحداً من أتباع أبي حنيفة أو الشافعي طردوه من بلادهم. وإذا لقوا معتزلياً أو شيعياً قتلوه[29]  

فلم يعد المسلم مهتماً بالدين نفسه وإنما بالمذاهب. فإن كان الرجل من مذهبهم رحبوا به، وإن كان من مذهب آخر طردوه من بلدهم أو قتلوه إن كان شيعياً. ولا يزال فقهاء الإسلام يقولون لنا: " المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً".

الدولة العباسية

-وبعد تسعين عاماً من حكم بني أمية، تصدعت دولتهم وسقطت للفرس و الموالي الذين اضطهدهم العرب، فأقاموا الدولة العباسية التي نقلت عاصمة الدولة من الشام إلى بغداد. ويقول المؤرخون إن الحركة العباسية كانت عبارة عن حركة موالي للانتقام من العرب والقضاء على دولتهم. وتشير كثير من القرائن التاريخية إلى أن الدولة العباسية أُسست على بغض العرب. وقد حدث في عهد هذه الدولة رد فعل عنيف ضد العروبة وانتشرت الشعوبية آنذاك انتشاراً عظيم. ورجع العرب في عهد بني العباس إلى الصحراء يرعون الإبل من جديدا.[30]

أرسل إبراهيم الإمام زعيم الدعوة العباسية إلى وكيله أبي مسلم الخراساني يقول له: " إن استطعت ألا تدع بخراسان أحدا يتكلم العربيةً إلا قتلته فافعل! وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، وعليك بمضر فإنهم العدو القريب الدار، فأبد خضراءهم ولا تدع في الأرض منهم دياراً"[31] . وقد طبق أبو مسلم في خراسان هذه السياسة المعادية للعرب تطبيقاً حرفياً، فقتل في بضع سنين ستمائة ألف رجل غيلةً بغير قتال[32]

وقام أحد أعوان أبي مسلم، يخطب في أهل خراسان قائلاً: " يا أهل خراسان! هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا يُنصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم، حتى بدلّوا وظلموا، فسخط الله عليهم فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذل أمةً كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم. .. واسترقوا أولادهم، فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم. ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البر والتقوى... فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم، فكونوا أشد عقوبةً لأنكم طلبتموهم بالثأر"[33]

ونلاحظ هنا أن المتكلم يحث أهل فارس على هزيمة العرب لأنهم تغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى، فأراد الله الانتقام منهم. فالحركة العباسية كانت حركة شعوبية للانتقام من العرب ولكنهم استعملوا الإسلام كذريعة لثورتهم. وهذا هو النمط الذي سارت عليه كل الحركات منذ بدء الإسلام. كل حركة تذرعت بالإسلام وادعت أنها جاءت لنصرته.

ولكن خلط الدين والدولة في جهاز واحد شبيه بجمع النار والماء معاً. حاول العباسيون أن يلائموا بين الدين والدولة فلم يوفقوا  في هذا السبيل إلا ظاهراً. إنهم قربوا الفقهاء وأهل الحديث وأجزلوا لهم العطاء وتظاهروا لهم بالخشوع واستمعوا إلى مواعظهم، لكنهم لم يعملوا بها ولم تعمل بها رعيتهم.

يقول البروفسور فيلب حِتي حول قيام الدولة العباسية: " وفي الواقع أن التغير الديني كان ظاهراً أكثر منه حقيقياً. لقد كان الخليفة البغدادي بخلاف سلفه الأموي يتظاهر بالتقوى  ويدّعي التدين. ولكنه كان مع ذلك ذا اتجاه دنيوي مثله سلفه الشامي"[34]. . وجاء المؤرخون بعد ذلك يقولون عنها: إنها كانت ثورة عظمى في سبيل إرجاع الدين إلى نصابه وإحياء سنة الرسول.  

في الجانب السياسي أوقفت الدولة العباسية كل الفتوحات وركزت على الدفاع عن البلاد التي فُتحت في العهد الأموي. ولما كانت الدولة الإسلامية وقتها تمتد سلطتها من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً، فقد ركز العباسيون على جمع الريع والخراج من رعاياهم، وصرفوا الأموال الطائلة في بناء القصور وشراء الجواري والغلمان. وانتشر المجون والغناء والطرب في ربوع الدولة. وفي الجانب الديني لم تكن الدولة العباسية أحسن حالاً من دولة بني أمية

ويقال إن الخليفة العباسي هارون الرشيد كان يتبع طريق الازدواج. إذا جاء وقت الموعظة بكى، وإذا جاء وقت السياسة طغى. فهو في وقت الموعظة من أشد الناس خشوعاً وتعففاً وزهداً. أما حين يجلس في الديوان ينظر في أمر الخراج وتعيين الولاة وشراء الجواري فهو لا يختلف عن نيرون، أو أي طاغية آخر بشئ

يقول صاحب كتاب الأغاني: " كان الرشيد من أغزر الناس دموعاً في وقت الموعظة وأشدهم عسفاً في وقت الغضب والغلظة"

ويقول الدكتور أحمد أمين عنه أيضاً: " إنه كان يصلي في اليوم مائة ركعة ويسفك الدم لشئ لا يستحق سفك الدم"

وكان الخلفاء العباسيون لا يختلفون عن الخلفاء الأمويين، فقد أحاطوا نفسهم بوعاظ السلاطين الذين برروا للرعية سلوك خلفائهم. يحدثنا الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي زار بغداد في القرن السادس الهجري عن مجالس الوعظ في بغداد، ويصف أولاً أخلاق البغداديين، ثم يأتي بعد ذلك على وصف وعاظهم فيمجد طريقتهم ويبدي إعجابه بها، ويقول: " ولا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير، والمثابرة على الإنذار المخوّف والتحذير، مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى كثيراً من أوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع المقارعة الصماء أن تحل بديارهم"[35]

فهذا الرحالة يعتقد أن الوعاظ الذين هددوا المصلين بالويل والثبور و عظائم الأمور  لمجانبتهم طريق الحق، ونصحوهم بطاعة خلفائهم، سينزل الله عليهم الرحمة ويغفر خطاياهم، لأنهم ذكرّوا المصلين بعذاب جهنم وخوفوهم من الله. ولكن نفس هؤلاء الوعاظ غضوا الطرف عما يفعل الخلفاء، بل أوجدوا لهم العذر بفتاوى مختلقة.

تظاهر الخلفاء العباسيون، وخاصةً هارون الرشيد، بمظهر الورع والتقوى لكنهم كانوا أبعد شئ عن جوهر الدين. فقد أثقلوا كاهل العامة بالضرائب  وصرفوا الأموال على الشعراء الذين باتوا يقفون على أبوابهم لمدحهم أو لهجاء أعدائهم.

وكان شغفهم بالشعر كبيراً وشجعوا ترجمة التراث الإغريقي والعلوم عامةً. لكنهم لم يترددوا في سحق من خالفهم الرأي، خاصة فرقة المعتزلة، الذين كانوا بمثابة امتحان امتحن به المأمون والمعتصم والواثق من بعده، الفقهاء في مسألة خلق القرآن. . كان المأمون متفلسفاً شديد الولع بمذهب المعتزلة، والمعتزلة قوم يريدون أن يقيموا العقيدة الدينية على أساس العقل والتفكير المنطقي. وقد استخدموا المأمون في نشر مذهبهم هذا بين الناس. ومالوا إلى اضطهاد من كان يخالفهم الرأي . وجاء المتوكل فأخذ في اضطهاد المعتزلة اضطهاداً مزرياً، وصار يتتبعهم فرداً فرداً ويقصيهم عن مناصبهم التي كانوا فيها على عهد أسلافه الثلاثة. ومن جملة ما فعل في هذا السبيل أنه أمر عامله في مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة هناك، إذ كان معتزلياً شديداً، وأن يضربه ويطوف به على حمار في السوق.

لا مراء أن المتوكل كان من أظلم الخلفاء ومن أكثرهم عربدة ودناءة وسفكاً. وقد سماه بعض المستشرقين  " نيرون الشرق". ولكن فعله ذاك في إحياء السنة وإماتة الفتنة جعل الفقهاء يمجدونه ويغتفرون له سوء فعله[36] 

كل الخلفاء العباسيين لبسوا مسوح الدين لخداع الرعية، وكان أكذبهم هارون الرشيد، فقد استدعى الرشيد ذات مرة ابن السماك الواعظ المشهور، فلما دخل عليه قال له: " عظني"  فقال :" يا أمير المؤمنين ... اتق الله واحذره. لا شريك له. واعلم  إنك واقف غداً بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالث لهما، جنة أو نار". فبكى الرشيد حتى اخضلت لحيته بالدموع. فأقبل الفضل بن الربيع على الواعظ معاتباً وهو يقول: " سبحان الله. هل يخالجك شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة، إن شاء الله، لقيامه بحق الله وعدله في عباده؟".[37] فابن الربيع قد ضمن الجنة لهارون الرشيد لأنه يبكي من الموعظة.

وفي يوم آخر ذهب الرشيد بنفسه إلى واعظ اسمه الفضل بن عياض  يزوره في بيته. فأخذ الواعظ ينهال عليه بالتقريع والتخويف والتحذير من عذاب الله. فبكى الرشيد عند سماعه الموعظة حتى أغمي عليه. فلما أفاق من إغمائه قال للواعظ: " زدني". فزاده الواعظ، فأغمي على الرشيد مرة ثانية. فلما أفاق قال: " زدني". فزاده، فأغمي على الرشيد مرة ثالثة. فلما أفاق قال: " زدني" فزاده الواعظ .. فبكى الرشيد هذه المرة دون إغماء وقال للواعظ: " هذه ألف دينار خذها لعيالك، وتقوى بها على عبادة ربك".

وبعد كل هذا البكاء والخوف من الله، اشترى الرشيد جارية بمائة ألف دينار. ثم اشترى أخرى بستة وثلاثين ألف دينار غير أن هذه الجارية باتت عنده ليلة واحدة ثم أهداها إلى أحد أصحابه[38]

ويعتقد المرء أن رجال الدين يخافون الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وأنهم دائماً يقفون في صف الحق، حتى لو عنى ذلك الوقوف ضد رأي الخليفة أو الحاكم. ولكن الأمر غير ذلك، فقد برع الفقهاء بما يسمونه " الحيل الشرعية" [39]. فهم يستطيعون أن يجدوا مسوغاً شرعياً لكل عمل مهما كان دنيئاً. والسلطان الظالم لا يعمل عملاً إلا بعد أن يجمع الفقهاء ويعرض عليهم الأمر. وهم ينظرون حينئذ إلى السلطان فإذا وجدوه مصمماً على ذلك العمل أسرعوا إلى ما في جعبتهم من الآيات والأحاديث المتناقضة فينفضونها أمامه ليختار منها ما يلائمه.

ويُروى أن يحيي بن عبد الله العلوي كان ثائراً على الرشيد في نواحي طبرستان، فكثر أتباعه واشتدت شوكته، وهرع الناس إليه من الكور والأمصار. فندب الرشيد إليه الفضل بن يحيي البرمكي. ولجأ الفضل هذا إلى طريقة الاستمالة والمصالحة مع الثائر بدلاً من القتال، فطلب من الرشيد أن يكتب له أماناً بخط يده.

أسرع الرشيد إلى كتابة الأمان وأشهد على نفسه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم ووجه به مع جوائز سنية فاخرة إلى الثائر العلوي عن طريق الفضل، وجاء العلوي بصحبة الفضل فلقيه الرشيد خير لقاء وأكرمه وأغدق عليه الأموال وأمر الناس بزيارته والتسليم عليه.

ثم تغير الرشيد عليه بعد ذلك وأراد الوقيعة به. فجمع الفقهاء عنده في مجلسه واستفتاهم في نقض أمان يحيي العلوي. حاول الفقيه المشهور، محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، أن يظهر للرشيد صحة الأمان وأنه لا يمكن نقضه. فجادله الرشيد في ذلك. وأصر الحسن على رأيه فحقد عليه الرشيد [40]. فنظر الرشيد إلى فقيه آخر، هو أبو البحتري القاضي، وسأله فكان الجواب عنده حاضراً. فقد أفتى بأن الأمان منتقض من عدة وجوه ثم ابتكر طريقة شرعية لتمزيقه. هتف الرشيد عند ذلك مسروراً: " أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك". فمزق الرشيد الأمان ثم تفل فيه أبو البحتري. [41] ونحن نعلم أهمية العقد والميثاق عند الله، الذي لعن بني إسرائيل لنقضهم ميثاقهم: " فيما نقضوا ميثاقهم لعنهم الله وجعلنا قلوبهم قاسية" [42].  ولما تفل القاضي على عقد موثق من أمير المؤمنين، اكتفى العامة بما قال شاعرهم:

إذا جار الأمير وكاتباه          وقاضي الأرض داهن في القضاء

فويلٌ للأمير وكاتبيه            وقاضي الأرض من قاضي السماء

ولأن العباسيين كانوا  يريدون التشيع لأهل البيت، ويقصدون بأهل البيت العباس وأولاده، ولأن العباس في نظرهم أولى من علي وفاطمة بوراثة النبي، فقد تحمسوا لمحاربة الشيعة الفاطميين في مصر وشمال أفريقيا، كما حاربوهم في العراق.

يقول المقريزي: " إن القادر، الخليفة العباسي، جمع في بغداد مجلساً من القضاة والأشراف والفقهاء وجعلهم يكتبون محضراً يتضمن القدح في نسب الخلفاء الفاطميين ونفيهم من الانتساب لعلي بن أبي طالب. وكتب نًسخاً من هذا المحضر فسُيّرت في الآفاق"[43]

ولم يكن للخلفاء الفاطميين من هم إلا أن يشيدوا بفضل علي بن أبي طالب ويقيموا الاحتفالات بتمجيده. فقد أمر المعز الفاطمي أن يُكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر: " خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي طالب عليه السلام " [44]

وأخذ المصريون في العهد الفاطمي ينشرون الفكرة القائلة بأن معاوية " خال المؤمنين" باعتبار أن أخته كانت من أزواج النبي. وكانوا يقومون بالتظاهرات في شوارع القاهرة فيمتحنون المارة إذ يسألون أحدهم: " من خالك؟" فإن لم يقل معاوية ضربوه.[45]  

ومما تجدر الإشارة إليه أن الفاطميين لم يكونوا أقل من غيرهم من سلاطين ذلك الزمان ترفاً أو ظلماً، ولعلهم فاقوا غيرهم في ذلك[46]. فإذا كان المتوكل العباسي يملك أربعة آلاف جارية، فإن الحاكم الفاطمي كان يملك عشرة آلاف جارية وخادم. وكان عند أخته " ست الملك" ثمانية آلاف جارية منها ألف وخمسمائة من الفتيات الأبكار. ولما قبض صلاح الدين على قصور الفاطميين وجد في القصر الكبير أثني عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل سوى الخليفة وأولاده. وأطلق صلاح الدين البيع فيهم فاستمروا يبيعون عشر سنين.[47]

ووعاظ السلاطين في الدولة العباسية لم يكونوا أكثر ورعاً وتمسكاً بالإسلام من نظرائهم وعاظ الدولة الأموية.

ويقال إن معاوية أعطى ذات مرة جماعة من الوعاظ كلاً مائة ألف، إلا رجلاً واحداً حيث أعطاه سبعين ألفاً. فاحتج الرجل على هذا التفريق وسأل عن السبب فيه، فأجابه معاوية قائلاً: " إني اشتريت من القوم دينهم.. ووكلتك إلى دينك" فقال الرجل: " وأنا فاشتر مني ديني".[48] فلم يعد الدين ولا علماؤه يحتلون مكان الصدارة كما كان أيام الرسول وأبي بكر وعمر. ويبدو أن الإسلام أصبح سلعةً يبيعها العلماء، فيشتريها الحكام ليكبتوا بها شعوبهم.

استمرت الدولة العباسية في ريائها ومجونها حتى فقد الناس الثقة في حكامهم وفقد الحكام الثقة في رعيتهم، مما أضطر الخليفة المنتصر  أن يستعين  بالجند الأتراك لحماية ملكه. وبالتدريج أصبح الأتراك هم الحكام الفعليين إلى نهاية الدولة العباسية وقيام خلافة العثمانيين.

هناك من ينادي بأن الإسلام دينٌ ودولة، ولكن لم تقم في تاريخ الإسلام الطويل دولة إسلامية بمعنى الدولة. وحتى الدول التي قامت ولم تكن إسلامية إلا بالاسم، فعلت ذلك عن طريق القوة واغتصاب الحكم، ولم تقم عن طريق الشورى. فالدولة الأموية نشأت بعد حرب طحون بين معاوية وأتـباعه من الشام ومن بني أمية من جهة وعلي بن أبي طالب وبني هاشم والأنصار من جهة أخرى. وكانت أول دولة بعد الخلفاء الراشدين، وما كانت لتنشأ بالشورى والديمقراطية. ثم جاءت الدولة العباسية عن طريق الثورات التي قام بها العجم الذين اضطهدهم العرب عامة وبنو أمية خاصة. ثم تبعت هاتين الدولتين الخلافة العثمانية التي اتسمت بالعنف حتى بين أفراد الطغمة الحاكمة نفسها، فمما يعرف عن السلطان محمد أنه يوم أن ولى السلطة قتل 19 رجلاً هم أخوته الأشقاء وغير الأشقاء، وصدرت فتوى من المفتى الأعظم في الأستانة يبرر هذا الاغتيال، قائلاً بأنه ادْعى إلى منع الفتن. وصار قتل الأخوة عادة شائعة بين سلاطين الترك ومن لم يقتل أخوته حبسهم مدى الحياة في أقفاص حتى شاعت تسميتهم بأمراء القفص وقد خرج السلطان مراد من القفص إلي أريكة السلطنة وكان مختل العقل مضطرب النفسية لطول الحبس الانفرادي في القفص وتوقعه القتل في أي لحظة [49]. فالذين يقتلون أشقاءهم بهذه القسوة لن يترددوا في قتل الآخرين لأتفه الأسباب.

واستعملت الخلافة العثمانية السيف لتنشر الإسلام في بلغاريا وماسيدونيا Macedonia وبقية شرق أوربا وفرضوا عليهم الجزية، رغم إسلامهم، وكانت عبارة عن عددٍ معيّن من الشباب، أولاداً وبناتاً، كل عام، ليخدموا الجيش والبيوت التركية، وقد أطلقوا عليها اسم " Devshirme ". ورغم أن الخلافة العثمانية كانت قد أظهرت بعض التحمل للديانات الأخرى وكانت قبلةً لليهود المضطهدين في إسبانيا والذين طُردوا منها عام 1492م، وللأقليات الأخرى الهاربة من الاضطهاد الكاثوليكي والبروتستاني، إلا أنها تغيرت وأصبحت أكثر ضراوة عليهم من أي نظام آخر، وحاولت إبادة الأرمن عن آخرهم.

وفي القرن السابع عشر الميلادي بلغت قسوتهم درجةً جعلت السفير البريطاني يكتب إلى حكومته عام 1662 ميلادية: "إن السلكان الحالي لم يقلل من شدة اضطهاد والده وكررهه للمسيحيين. أما عن الكنائس التي أُحرقت هنا من قبل عامين في القسطنطينية، فقد باع السلطان أراضيها للإغريق والأرمن بأسعار مبالغ فيها، ولم يعطهم تصريحاً لبناء كنائسهم. ولكن رغم ذلك بنوا كنائساً على هذه الأراضي، فانتهز السلطان هذه الفرصة وهدم كل الكنائس وسجن الذين بنوها "[50]. والمسجد الأموي في دمشق كان أصلاً كنيسة حولها العثمانيون إلى مسداً للمسلمين.


  ابن العربي، العواصم من القواصم ص 203 [1]

[2]  مهزلة العقل البشري: د. عليّ الوردي، ص 62

[3]   ابن هشام، السيرة النبوية، ج 4: ص 47

[4]   المقريزي، النزاع والخصام، ص 20/ نقلاً عن مهزلة العقل البشري، د. عليّ الوردي، ص 258 

[5]   الطبري، تاريخ الرسل والملوك ج5 ص 86

[6]   ابن أبي الحديد، شرح النهج، ج1، ص 358 / نقلاً عن وعاظ السلاطين لعليّ الوردي

 المسعودي، مروج الذهب، الجزء الثاني/ نقلاً عن وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 136 [7]

[8]   عباس العقاد، عبقرية الامام ص 90-91

 عباس العقاد، عبقرية الامام، ص 83 [9]

 ابن أبي الحديد، شرح النهج، ج3 ص 15/نقلاً عن وعاظ السلاطين لعليّ الوردي، ص 198 [10]

[11]  تاريخ الطبري، المجلد الخامس، ص 220

[12]  مهزلة العقل البشري، د. عليّ الوردي، ص 62

  جرجي زيدان، التمدن الاسلامي، ج4، ص 61 [13]

[14]  بديع شريف، الصراع بين الموالي والعرب، ص 24 / نقلاً عن مهزلة العقل البشري، د. عليّ الوردي، ص 265

  طه حسين، الفتنة الكبري، ج1 ص 160 [15]

  ابن أبي الحديد، شرح النهج، ج1 ص 183 [16]

 Nicholson, A Literary History of the Arabs, p 248 [17]

[18]  ابن الأثير، الكامل، ج4 ص 272/ نقلاً عن  د. عليّ الوردي، وعاظ السلاطين، ص 209

[19]  سورة الأنفال، الآية 41

[20]  هادي العلوي: من قاموس التراث، الطبعة الثالثة، الأهالي/دمشق، 1988، ص 24

[21]   سورة التوبة، الآية 106

[22]   سورة النمل، الآية 34

  وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 84 [23]

 عباس العقاد، أبو الشهداء، ص 212 [24]

 ابن العربي، العواصم من القواصم، ص 172، المكتبة العصرية، صيدا-بيروتالطبعة الأولى، 2003  [25]

[26]  ابن العربي، العواصم من القواصم، ، ص 168

 آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج1، ص  106 [27]

 نفس المصدر ص 101[28]

 A Literary History of the Arabs, p 408[29]

[30]  وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 212

 أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج1، ص 33 [31]

 ابن الأثير، الكامل، ج5، ص 227 [32]

 أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج1، ص 35 [33]

[34]  Hitti, History of the Arabs, p 289

[35]   ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص 173 / نقلاً عن وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 44

 أحمد أمين، ضحى الإسلام، ص 199 [36]

[37]   أحمد أمين، هرون الرشيد، ص 176

[38]  وعاظ السلاطين، د. عليّ الوردي، ص 40

[39]   أحمد أمين، ضحى الاسلام، ج2، ص 190

[40]   أحمد أمين، ضحى الاسلام، ج2، ص 204

[41]   محمد برانق، البرامكة في ظلال الخلافة، ص 191

[42]  سورة المائدة، الآية 13

 المقريزي، خطط مصر، ج2، ص 170 / نقلاً عن وعاظ السلاطين، دز عليّ الوردي، ص 216 [43]

 نفس المصدر، ج4، ص 106 [44]

 آدم متز، الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري، ج1، ص 108 [45]

 جرجي زيدان، التمدن الإسلامي، ج5، ص 112/[46]

 المقريزي، خطط مصر، ج1، ص 497/ نقلاً عن وعاظ السلاطين، ص 217 [47]

 الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج2، ص 97[48]

[49]  المستشار محمد سعيد العشماوي، صحيفة إيلاف الإلكترونية، عدد 12 ديسمبر 2003

[50]  Ibn Warraq: Why I am not a Muslim, p 19

الفصل الرابع

الدولة الإسلامية الحديثة

قد رأينا في الفصول السابقة أن الإسلام لم يُطبق كدولة إلا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، رغم المآخذ العديدة على حكم عثمان، والمآخذ على عملية الشورى. وبحلول خلافة عليّ بن أبي طالب انقسمت الدولة الإسلامية، ثم أصبحت ملكية في عهد بني أمية. فهل من الممكن أن تُطبق دولة إسلامية حديثة، كما يتوهم السلفيون؟

السلفيون ينظرون بمناظير وردية اللون إلى فترة الخلفاء الراشدين التي يصفونها بفترة الإسلام النقي، ويودون الرجوع إليها لإقامة الدولة الفاضلة التي تحكمها قوانين الله القرآنية، أيام كان عمر بن الخطاب ينام تحت الشجرة ( ولو أن هذا لم يمنع من أن يُقتل عمر غيلةً). فهل يمكن أن يحدث هذا في عالم اليوم؟ كل إنسان عاقل يعرف أنه لا يمكن إرجاع عقارب الساعة  إلى الوراء. ولكن لو تصورنا أنه من الممكن أن نرجع قوانيننا وأحكامنا إلى تلك الفترة، فهل من الممكن أن يعدل حكامنا ويعيشوا كما نعيش ويأكلوا كما نأكل حتى يشيع العدل وينام الحاكم تحت شجرة؟

عمر بن الخطاب لم تكن له قصور في كل مدينة في بلده، وعندما علم عمر أن سعد بن أبي وقاص قد بنى لنفسه قصراً في بالكوفة وجعل له ابوابا لتمنع عنه غوغاء السوق،  دعي عمر محمد بن مسلمة فسرّحه الي الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فاحرق الباب، وأتى سعد فاخبره الخبر فقال: هذا رسول أُرسل لهذا الشأن، فسمح له سعد بالدخول، لكنه  أبى فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقة فلم يأخذها ودفع كتاب عمر إلي سعد، وقال عمر في الخطاب: " بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخيال، إنزل منه منزلا مما يلي بيوت المال واغلقه ولا تجعل علي القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوفهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك اذا خرجت "[1].

فهل من المحتمل أن يتنازل حكامنا عن قصورهم الصيفية في اسبانيا ولندن وأمريكا، وأن يتخلوا عن طائراتهم الخاصة وخدمهم وحشمهم، ويعطوا هذه الأموال للفقراء لأن الإسلام يقول على لسان رسوله: " من كان عنده فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له"؟

في بلاد غنية مثل السعودية والخليج لا يزال هناك فقراء يتسولون في الطرقات، وقد طالعتنا صحيفة الشرق الأوسط قبل أشهر بخبرٍ مفاده أن ولي العهد السعودي  قد عيّن شخصاً متفرقاً لمحاربة عادة التسول في الطرقات. وحدث نفس الشئ في دول الخليج. فأين العدالة الإجتماعية في الإسلام، التي بشر بها سيد قطب وجماعته، والسعودية تحكمها الشريعة، حسب ما يقولون.

وحكام السعودية والخليج تحكمهم طبيعة الإنسان، نفس الطبيعة التى حكمت صحابة الرسول بعد الفتوحات الإسلامية، فقد رأينا كيف جمع كبار الصحابة الملايين من الدراهم والذهب بينما عاش عامة المسلمين وخاصةً الموالي، في فقر مدقع.

ولو تركنا العدالة الإجتماعية ونظرنا إلى التشريع الإسلامي عامة، لوجدنا أنه من الصعب بمكان تطبيق أغلب الحدود، بالطريقة التي قال عنها الإسلام. فلو أخذنا مثلاً حد الزنا، واجهتنا مشكلتان: المشكلة الأولي هي اثبات الزنا، والمشكلة الثانية هي عقابه.

فالقرآن يقول:

" واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعةً منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً "[2]

يقول القرطبي في تفسير هذه اللآية: " جعل الله الشهادة في الزنا أربعة تغليظاً على المدعي وستراً على العباد. قال أبو داود جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا، فقال النبي: ائتوني بأعلم رجلين منكم. فأتوه بأبنيّ صوريا، فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة، رُجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا  القتل. فدعا رسول الله (ص) بالشهود فجاءوا، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة. فأمر الرسول برجمها.

ولا بد أن يكون الشهود ذكوراً، لقوله " منكم" ولا خلاف فيه بين الأمة. ويقول أبو حنيفة: إذا كان الزوج أحد الشهود في القذف لم يلاعن". أي لا يُطلب منه القسم واداء الشهادة

فلكي نُثبت تهمة الزنى يجب أن نُحضر أربعة شهود، ذكور، عقلاء مشهود لهم بحسن الأخلاق. وهولاء الشهود يجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة، ولا يكفي أن يروا الرجل والمرأة في غرفة نومها، عاريين، وهو فوقها طالعاً ونازلاً. فلا بد أن يرى أربعتهم المرود في المكحلة. ولو تزاحموا للفرجة على ما يحدث ورأي ثلاثة منهم المرود في المكحلة ولم ير الرابع لأن الرجل أو المرأة تنبه لوجودهم في الغرفة وغطيا نفسيهما بلحاف، فلا يمكن إثبات الزنى.

فإثبات الزنا بهذه الشروط من رابع المستحيلات، وأشك أن يكون المسلمون قد أثبتوا حالة زنا واحدة في كل تاريخ الإسلام، غير حالة اليهودية التي ذكرنا. وواضح أن هذه قصة مختلقة لأن اليهود في تلك الأيام كان لهم دين متعارف عليه قد مارسوه لفترة تزيد على ألف وخمسمائة عام، ولابد أنهم قد عرفوا الحدود، وإن جهلوها فهناك يهود في خيبر، واليمن وفلسطين، كان يمكن لهم أن يسألوهم،  زيادة على رهبان اليهود الذين تحدث عنهم القرآن بإسهاب. فلماذا إذاً يأتي اليهود للرسول ليسألوه؟ وقولهم: " ذهب سلطاننا فكرهنا القتل"، قول غير منطقي. فقبل دخول النبي  المدينة بفترة وجيزة كانت قبائل اليهود في أحلاف مع الأوس والخزرج، وكانوا يتحاربون ويقتل بعضهم بعضاً. فمتى كرهوا القتل؟

والقرآن كذلك يقول: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأؤلئك هم الفاسقون" [3]

وهذه هي آية القذف. ويقول القرطبي في تفسيره: " في القاذف شرطان: العقل والبلوغ. وفي المقذوف خمسة شروط: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة".

وعندما نزلت هذه الآية استاء العرب من هذا الحكم أيما استياء، ويقول ابن عباس أن عاصم بن عدي الأنصاري رجع إلى أهله فوجد شريك بن السحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله-ص- وقال:  إذا دخل رجل منا بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فان جاء بأربعة قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قُتل به وإن قال وجدت فلاناُ مع تلك المرأة ضُرب وإن سكت، سكت على غيظ، اللهم افتح.[4]

وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت " والذين يرمون المحصنات" قال سعد بن عُبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يارسول الله؟ فقال رسول الله –ص-: ألا تسمعون يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله انه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله ولكن قد تعجبت لو وجدت لَكَاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.[5]( لكاع هو العبد والمرأة لكعاء أي حمقاء، وقد كنى زوجته بالحمقاء)

و قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه. فقال رسول الله –ص- أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني[6]. وهذا الرد طبعاً ليس جواباً على سؤال سعد.

وجاء هلال بن أمية من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهيج الرجل، ومكث حتى الصبح فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله: جئت أهلي عشياً فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ما جاء به هلال، واشتد عليه، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجاً فقال سعد بن عبادة: إلا أن يضرب رسول الله هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين. فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئت به، والله علم إني لصادق. والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فوالله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه قرآن: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم

وهلال هذا كان رجلاً ثرياً ولكنه كبير السن، وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ( هلال و كعب بن مالك ومرارة بن الربيع)، ومن ضمن الجزاء الذي فرضه عليهم الرسول مقاطعة المسلمين إياهم، فتوجهت نفس الزوجة التي وجد معها الرجل إلى الرسول وقالت له إنها تحب أن تخدم زوجها، فهل يمانع الرسول؟ فقال لها: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: والله يا رسول الله ما به حركة إليّ.[7]

وتخبرنا كتب السيرة أن السؤال عن آية القذف تكرر وتراكم وتضاعف، واخرج البزاز عن جابر قال: ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال. ويذكر الواحدي في أسباب النزول أن الأنصار اجتمعوا وقالوا: قد أبتلينا بما قال سعد بن عبادة ( أسباب النزول ص 212)

وعاصم بن عدي الذي وجد شريك بن السحماء على زوجته، له ابن عم يقال له عُويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس وهي ابنة عمه، فأتى عوُيمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة. فذهب عاصم إلى الرسول في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، أخبرني عُويمر انه رأى شريكاً على بطن امرأته، فدعاهم رسول الله –ص- جميعاً وقال لعُويمر: إتق الله في زوجتك بنت عمك ولا تقذفها فقال: يا رسول الله إني رأيت شريكاً على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري، فقال لها رسول الله –ص- إتق الله ولا تُخبري إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله إن عُويمر رجل غيور وإن شريكاً يطيل التردد فحملته الغيرة على ما قال. فبعد هذا التلاعن فرق رسول الله بينهما وقال: انظروا فان جاءت به أجعدا حَمش الساقين فهو لشريك بن سحماء وان جاءت به ابيض سَبكاً أقمر العينين فهو لعُويمر، فجاءت به آدم جعدا حمش الساقين، فقال رسول الله –ص- لولا ما نزل فيهما من كتاب الله تعالى كان لي ولها شأن

فكما قال الصحابة للرسول إنه من سابع المستحيلات أن يرى الرجل رجلاً آخر على زوجته فيذهب لإحضار أربعة شهود، ذكور، مسلمين، عاقلين. فإذا جاء هذا الرجل للحاكم أو القاضي وقال له إن زوجتي خانتني مع رجلٍ آخر، وليس له شهود،  يُحضر القاضي الزوجة والزوج ويحلف كلٌ منهما أنه صادق فيما يقول. فيفرق بينهما القاضي. وهذا الحكم طبعاً لا يُقنع الرجل لأنه من حقه أن يقول للمرأة أنتِ طالق من غير أن يأخذها للقاضي، فلماذا إذاً يُعرّض نفسه للقسم وحضور المحكمة وهو يستطيع الطلاق بدونهما.

ويقول علماء الإسلام إن الله فرض هذه الشروط لحماية المرأة من تهمة القذف، ولكن الله لا محالة كان يعلم أنه في القرن العشرين سوف تصبح تهمة الأغتصاب متفشية في المجتمعات الإسلامية وغيرها، ولا بد أنه وضع وسيلةً تساعد المرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت رغماً عن إرادتها. فما هي هذه الوسيلة؟ لم يحدث في تاريخ العالم الإسلامي أن استطاعت امرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت، والمجتمع الإسلامي لا يختلف عن المجتمعات الأخرى إلا بمقدار أن المرأة محجبة وممنوع عليها الاتصال بالرجال، وهذا مما يزيد الرغبة عند الرجال لنيلها عنوة إن دعا الأمر. فإذا لم تنجح أي امرأة أن تُثبت أنها أُغتصبت، فهل يعني هذا أن العالم الإسلامي خالي من جريمة الاغتصاب؟

والإسلام لا يعترف بالاغتصاب. فإذا ادعت المرأة أن رجلاً اغتصبها فعليها أن تأتي بأربعة شهداء ذكور، فشهادة المرأة لا تقٌبل في هذه الحالة لأن الجرم إذا ثبت يستدعي الرجم إذا كان الرجل محصناً، ولذلك لا تقبل شهادة  الأنثي. فلو أتت المرأة بعشرة شهود من النساء ليثبتن أنه اغتصبها، فلا وزن لهذه الشهادة. ويقول أحمد بن نجيب المصري: " إذا كان الجرم يختص بالزنا أو اللواط، فيجب إحضار أربعة شهود من الرجال" ويجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة. ولذلك عندما اشتكى أحد الأباء في باكستان أن أحد رجال الدين قد أغتصب ابنته البالغة من العمر الثالثة عشر، لم تستطع الشرطة أن تقدم رجل الدين للمحاكمة لأن قانون باكستان الإسلامي يتطلب إحضار أربعة شهداء رجال.[8] وهل هناك رجل عاقل يغتصب امرأة بحضور أربعة رجال آخرين في نفس الغرفة، ليشهدوا عليه؟

ولا يوجد في الشريعة الإسلامية تعريف للاغتصاب. ولهذا السبب أي امرأة مسلمة تدعي أن رجلاً اغتصبها قد تنتهي مدانة بجريمة الزنا، لأنها لا تستطيع أن تحضر الأربعة شهداء، وهذا ما يحدث في باكستان كما تقول جمعية الأخوات المسلمات[9]. وليس ببعيد عن الأذهان قصة المرأة النيجيرية، صفياتو حسيني، التي تقول إن جارها، يعقوبو أبو بكر، قد اغتصبها وأصبحت حبلى. وكالمتوقع فإن أبو بكر أنكر انه رآها، ناهيك عن انه اغتصبها. وبالتالي حكمت المحكمة الشرعية على صفياتو بالرجم[10]. وتقول جمعية الأخوات المسلمات أن 75 يالمائة من النساء في سجون باكستان من المتهمات بالزنا هن في الواقع ضحايا اغتصاب.[11]   

وهناك مفارقات عديدة في الإسلام. فمن جانب نجد زوجة عُويمر أقسمت أن زوجها كاذب وأنها لم تخنه مع شريك بن سحماء وأن الجنين الذي في بطنها هو من زوجها، فصدقها النبي وطلقها من زوجها. وعندما ولدت اتضح للنبي أنها قد كذبت وأنها فعلاً قد خانت زوجها، لكنه لم يعاقبها إذ أنها تلاعنت مع زوجها وأقسمت أنها صادقة، ومن الجانب الآخر نجد أن المرأة المسلمة إذا أغتصبها رجل وحملت منه، يؤخذ حملها دليلاً على الزنا ويقام عليها الحد لأنها لا تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على أن الرجل اغتصبها.

وإذا تركنا الاغتصاب جانباً وتحدثنا عن القذف، فالقرآن يقول عقاب الذين يرمون المحصنات ثم لا يأتون بأربعة شهود، ثمانين جلدة ولا تؤخذ شهادتهم.  وهذا عقاب معقول ولو أن المجتمعات الحديثة قد استحدثت قانون التشهير " Libel "، الذي يبيح للمقذوف أن يطالب بتعويض مالي كبير كرد اعتبار للمتجنى عليه. ولكن المشكلة في التشريع الإسلامي أنه لا يعترف بأي حقوق لم تُذكر في القرآن أو لم يقل عنها الرسول شيئاً. ولو كانت المقذوفة غير مسلمة، فلا حقوق لها حتى لو كان لديها شهود من قومها، إذ أن شهادة غير المسلم لا يؤخذ بها

يقول القرطبي في تفسيره: " قد أجمع العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب، أو امرأةٍ منهم. فيستطيع المسلم أن يقذف كل يوم امرأة مسيحية أو رجلاً مسيحياً ويشوه سمعتهما، بلا خوف من أي عقاب لأنه لا حد عليه.

ولكن إذا كانت هذه المرأة المسيحية لها ولدٌ من رجلٍ مسلم، وليس بالضرورة متزوجة منه، فيجلد من يقذفها. فالمرأة المسيحية هنا صار لها اعتبار لأن لها ولداً من رجل مسلم.

أما إذا قذف الرجل النصراني مسلماً أو مسلمة، وجب عليه الحد رغم أنه غير مسلم. وإذا قذف العبد حراً وجب عليه الحد ( أربعين جلدة لأنه عبد)، أما إذا قذف الحرُ عبداً فلا حد عليه. وإذا قذف الأمة كذلك فلا حد عليه. فهل هناك من يستطيع أن يدعي أن الإسلام يحفظ للمرء كرامته وأنه يعامل أهل الكتاب نفس معاملة المسلمين؟

ثم لماذا كل هذا الإثبات بأربعة شهود ونحن نستطيع الآن أن نأخذ عينة صغيرة من مهبل المرأة ونحللها مخبرياً لنجزم مَن مِن الرجال قد جامع المرأة المعنية؟ وإذا ادعت  امرأة أنها أُغتصبت، نستطيع أن نثبت ذلك أو ننفيه عن طريق التحقيقات التي يقوم بها المعنيون من رجال الأمن. فهل ما زلنا نحتاج إلى أربعة شهود عدل ومن الذكور؟

وإذا رمى المسلم صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى، كان هذا قذفاً عند مالك وأحمد بن حنبل، لكنه ليس قذفاً عند الآخرين. وقال أحمد بن حنبل إذا قذف المسلم صبيةً بنت تسعة سنين، يُجلد فيها، وكذلك إذا قذف صبياً قد بلغ العاشرة من عمره يُجلد. فإذا كان علماء المسلمين قد شرّعوا لصبي في العاشرة من عمره، ماذا يقول هذا عن اللواط في المجتمعات الإسلامية؟ والعلماء الإسلاميون هنا تحدثوا عن قذف بنت لم تبلغ التاسعة من عمرها، وهذا ليس قذفاً وإنما جريمة نكراء ضد طفلة ويجب أن يُشجع الناس على القول بها، حتى لو شكاً، حتى يتسنى للشرطة التحقيق فيها وعقاب الجاني إذا ثبت جرمه، وليس جعل القول بها قذفاً كما هو الحال في الإسلام.

عقاب الزنا

" الزاني والزانية فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [12]

القرآن يقول الزاني والزانية، إذا استطعنا أن نثبت جريمة الزنا، فاجلدوا كل واحد مائة جلدة. وهذه هي الآية الثانية في سورة النور، والآية الأولى تقول: " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون". فالله قد فرض هذه السورة وأنزل فيها آيات بينات، ومع ذلك رجم الرسول الرجل والمرأة اليهوديين لأنه سأل أحبار اليهود عن عقاب الزنى في التوراة، فقالوا الرجم. فهل نرجم الزاني والزانية لأن اليهود يرجمون رغم أن القرآن يقول اجلدوهم.

وليس في القرآن آية رجم ولكن هناك رواية عن عمر بن الخطاب تقول أن عمر قال كانت في القرآن آية تقول: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما"، لكنها نُسخت من القرآن. فحتى لو كانت الآية موجودة ثم نُسخ رسمها من القرآن، فلماذا يبقى حكمها؟ فالله لو أراد للحكم أن يبقى لما نسخ الرسم.

وعملية الرجم نفسها عملية لا تنسجم مع روح العصر لما فيها من فظاعة وعذاب للمرجوم، خاصةً المرأة لأن الشرع يتطلب أن يحفروا لها حفرةً تُدفن فيها حتى صدرها ثم يرجمها الناس بالحجارة. وهذه لا شك قسوة ليس لها ما يبررها في عصرنا هذا، أو حتى في العصور السابقة. أما يكفي المرأة أنها تفقد حياتها ويتأتم أطفالها لا لشئ إلا لأنها رضخت، في لحظة ضعف، لغريزتها الجنسية؟

والمشكلة في عقاب الفاحشة أن القرآن يُفضل الرجل على المرأة في العقاب. فالمرأة التي تأتي بالفاحشة ويشهد عليها أربعة رجال، يجب أن يحبسوها في بيتها حتى تتوفي أو يجعل الله لها مخرجاً. ولكن إذا أتى اللواط رجلان، يُضربا بالنعال، فإن تابا يجب أن نعفو عنهما لأن الله غفور رحيم على الرجال.

السرقة

هناك أربعة أنواع من السارقين:

النوع الأول: شخص مريض بمرض نفسي يجعله يحب اقتناء كل شئ يراه حتى وإن لم يكن يحتاجه. هذا النوع من السرقة يُسميه الأطباء النفسيون Kleptomania وغالباً ما نراه في نجوم السينما والرياضة الذين قد يكون غناهم فاحشاً ولكن مع ذلك يسرقون أشياء تافهة من الأماكن التجارية. وقبل أعوام كانت هناك أميرة خليجية سافرت إلى لندن على متن طائرتها الخاصة، ومع ذلك سرقت بعض الملابس الداخلية من محلات " ماركس آند سبنسر"

النوع الثاني: شخص غالباً ما يكون مراهقاً ومدمناً على المخدرات ولا يحب أن يعمل ليكسب قوت يومه، أو أن الذي يكسبه لا يكفي لشراء المخدرات التي يدمنها، فيسرق لشرائها

والنوع الثالث: رجل أو امرأة لم تتوفر لهم فرص العمل ولا يجدون القوت لهم أو لأطفالهم فيسرقون

والنوع الرابع: الشخص الجشع الذي يكون في موقع السلطة فيسرق أموال الشركة التي يرأسها أو أموال الدولة

وقد تكون السرقة في النوع الثاني والثالث سرقةً بدون عنف من المنازل في غياب أصحابها، أو سرقة من جيب أو حقيبة شخص في مكان مزدحم أو من مكان تجاري. وقد تكون سرقة بعنف يستعمل فيها السارقون السلاح مثل قطاع الطرق. أما السرقة من النوع الأول والرابع فليس فيها عنف وقد تعتمد على معرفة السارق بطرق تقييد الحسابات وكيف يمكن الالتفاف حولها.

ولا يختلف اثنان في أن السرقة جريمة تضر بالفرد والمجتمع، ويجب محاربتها. وهناك عدة طرق لعلاجها ومحاربتها. فالنوع الأول من السارقين شخص مريض يحتاج العلاج ويجب أن نقدمه له. والنوع الثاني، إذا كان مدمناً، فهو كذلك مريض يجب علاجه قبل عقابه. والنوع الثالث الذي يسرق ليقوت نفسه أو أسرته فلا يستحق العقاب، بل يجب على الدولة أن تساعده بإيجاد العمل له، أو بمنحه دخلاً يكفيه من صندوق البند الاجتماعي للدولة، إن كان لها صندوق اجتماعي. أما النوع الرابع فلا يختلف اثنان أنه يجب أن يُعاقب.

ولكن ماذا يقول الإسلام في هؤلاء السارقين. فعندما نزل التشريع الإسلامي ما كان الناس يعرفون مرض ال kleptomania ولذلك لم يُشرّع لها الإسلام. فالسارق في التشريع الإسلامي نوعان: الأول يسرق بدون عنف والثاني بالعنف. فالذي يسرق بدون عنف جزاؤه: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم "[13]. فالشرع يطلب  قطع اليد اليمنى في الإثم الأول، والثانية إذا ارتكب الإثم مرة ثانية. ولم يبين القرآن أي شروط يجب توفرها في السارق قبل إقامة الحد عليه، ولكن الفقهاء قالوا يُعلق الحد في حالة المجاعة، وقد علقه الخليفة عمر بن الخطاب في عام المجاعة بالمدينة.  ولكن الشرع كما نزل أو كما طُبق في القرون الأولى لم يطلب إثبات الفقر كعذر للسرقة.

وإذا تابعنا تطبيق الشرع في البلاد الإسلامية في القرن العشرين، نجد أن البلاد التي تدعي تطبيق الشريعة كالسعودية وإيران والسودان، ينتشر فيها الفقر والتسول في الطرقات ومع ذلك تُقطع يد السارق. وقطع يد السارق طبعاً لا يعالج القضية بل يزيدها تعقيداً. فالسارق الفقير الذي سرق ليقوت نفسه أو أطفاله، إذا قطعنا يده اليمنى أصبح معوقاً لا يستطيع العمل لكسب قوته، حتى لو أُتيحت له فرصة لإيجاد عمل في المستقبل. وإن جاع هذا المعوق أو جاع أطفاله، فهو لا بد أن يسرق مرة أخرى، فنقطع يده الثانية. في هذه الحالة يصبح المعوق عالة على المجتمع، كما يُصبح أطفاله، ونكون قد جعلنا هذا الشخص، الذي ربما يكون متديناً، غير قادر حتى على غسل نفسه من النجاسة بعد التبرز، وبالتالي غير مؤهل لأداء طقوسه الدينية.

وقطع اليد لا يردع السارقين بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب جاء إلي عبد الرحمن بن عوف ليلاً، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رُفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم [14]. فحتى في زمن عمر بن الخطاب وعدله المشهور، وصرامته في تطبيق الحدود، كانت سوق المدينة تعج بالسارقين.

أما الذي يسرق بقوة السلاح فجزاؤه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفوا في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم "[15]. فهذا السارق تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يُصلب حتى يموت. ونزلت الآية في قوم جاءوا المدينة فمرضوا، فأرسلهم الرسول إلى البادية مع إبله وأخبرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. ولما صّحوا، قتلوا راعي الرسول وأخذوا إبله. ولما علم الرسول بذلك أرسل في طلبهم، ولما جئ بهم، أمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر أن تُحمى مسامير في النار وتُكحل بها أعينهم، وأُلقوا في الحرة، فكانوا يطلبون الماء من العطش فلا يُسقوا حتى ماتوا. وقال أحد الحاضرين: رأيت أحدهم يكدح الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وعن أنس بن مالك أن رسول الله أحرقهم بالنار بعدما ماتوا ( تفسير القرطبي للآية المذكورة أعلاه). 

فهل يستحق السارق أو حتى القاتل هذا النوع من العقاب؟ أما كان الأرحم لهم أن يقتلوهم بدل كل هذا العذاب؟ ثم ماذا عن الصلب؟ فهل يحق لنا أن نصلب قاطع الطريق حتى يموت؟ لماذا لا نقطع رأسه، وهذا منتهى العقاب ويكفي للردع لأنه عقاب القاتل المتعمد. والشخص الذي يقطع الطريق، يقتل متعمداً، فلماذا أختلف عقابه؟ ألأنه اعتدى على المال؟ وهل المال أهم من حياة الإنسان؟ وإذا كان هذا عقاب الذي يقطع الطريق للنهب، ماذا عن كل السرايا التي بعثها النبي لتقطع الطريق على قوافل قريش ولتنهب مالها؟

وقد أبطل عامل الزمن الجزء الأخير من عقاب قاطع الطريق، إذ ليس هناك مكان في العصر الحديث ننفيه إليه إذا كان من مواطني البلد الذي حدثت فيه السرقة. فليس من الممكن نفيه إلى قطر آخر، ونفيه إلى مدينة أخرى في نفس القطر لا يكون عقاباً مماثلاً لما فعل الرسول بسارقي إبله.

أما النوع الأخير من السرقة، وهو سرقة المال العام، فلا عقاب له في الإسلام. فقد رأينا في الماضي كيف أخذ الخليفة عثمان من أموال بيت المال دون حق، وكيف أنه أعطى أقاربه جمال الصدقة، ولم يُعاقب. وكذلك رأينا كيف سرق ابن عباس المال من بيت مال البصرة وهرب به إلى مكة، وهدد الخليفة عليّ بن أبي طالب بأنه سوف يأخذ المال إلى معاوية ليحارب به عليا [16]. وكذلك أبو هريرة اختلس مالاً من البحرين عندما كان والياً عليها من قِبل عمر بن الخطاب [17]. وفي العهدين الأموي والعباسي لم يكن هناك خليفةٌ واحد لم يعيث في الأرض فساداً بمال المسلمين غير الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولم نسمع عن خليفة واحد سألوه: من أين لك هذا؟

وفي المجتمع الإسلامي الحديث في الخليج وإيران والسودان يُعتبر أكل مال الدولة حقاً مباحاً للحكام لا يسألهم عليه أحد ولن يحلم أحد أن يُسائلهم أو يعاقبهم. فالسرقة التي يرتكبها الجشعون الذين لا يحتاجون للمال ولكن يسرقونه لأنه باستطاعتهم أن يفعلوا، فهؤلاء لا عقاب لهم في التشريع الإسلامي، إنما يُعاقب التشريع الذين يسرقون فتات الخبز.

وفي المجتمعات الحديثة تحاول الحكومات تأهيل المساجين السارقين وغيرهم بتعليمهم مهنة أو حرفة مفيدة تساعدهم على إيجاد عمل مربح عندما يتركون السجن، وبذا يستطيع الواحد منهم إعالة نفسه وربما عائلته. وأما في الدول المسلمة فالتركيز على العقاب وقطع الأيدي أو الرؤوس. 

المرأة والحجاب

قبل أن يأتي الإسلام كانت المرأة العربية بدوية تعيش حياة الصحراء التي عُرفت بخشونتها وقسوتها، وكذلك بحب هؤلاء الناس لحريتهم التي ما كانت تنفصل عن حرية مواشيهم وجمالهم التي كانت تجوب الفلاة بلا حدود ولا قيود. المرأة كانت تنسج الخيام من الشعر وتساعد في نصبها حيثما نزلوا، وتساعد كذلك في حلب وعلف الأغنام. وفي الغارات التي كانت تكثر في تلك الأيام، كانت المرأة بارزة فيها وقد أُسرت نساء كثير في هذه الغارات. المرأة كانت تقول الشعر وتشارك في ليالي السمر تحت ضوء القمر في الصحراء.

وفي المدن في المناطق المتحضرة من جزيرة العرب مثل اليمن والشام والعراق، كانت المرأة تشارك الرجل في الأسواق وفي المناسبات العامة مثل الاحتفالات الدينية. وكانت المرأة ملكة في سبأ ( بلقيس) وقد عثر علماء الحفريات في شمال الجزيرة على أسماء ملكات عربيات في النصوص الآشورية [18]. وكذلك وجدوا  في الحفريات مرسوم من سنحاريب، ملك الآشوريين يقول إنه جهز حملة في سنة 688 قبل الميلاد ضد الملكة تلخونو Telhunu ملكة أريبي [19].

ومن الإخباريين من ينسب بناء تدمر إلى " تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن مزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح" وزعموا قصة تفيد عثورهم علي قبر " تدمر بنت حسان" [20]. فلا بد أن تدمر هذه كانت ملكة سموا باسمها المدينة.

وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب بن حسان بن اذينة، فلما قُتل في إحدى المعارك،  ملكت من بعده ابنته الزباء واسمها نائلة. وكان جنود الزباء من العماليق والعاربة الأولي ومن قبائل قضاعة وكانت للزباء اخت يقال لها زبيبة، كانت يدها اليمنى في الحكم

وفي مصر حكمت عدة ملكات، حتى من قبل الميلاد، نعرف منهن الملكة كليوباترا، والملكة حتشبسوت، والملكة نفرتيتي.

والمرأة في الجاهلية كانت تمتهن الكهانة، وهي وظيفة مهمة جداً في تلك الأيام،  فكان لها فيها حصة ونصيب. وقد حفظ الأخباريون أسماء عدد من الكاهنات اشتهرت كهانتهن في الجاهلية، منهن طريفة الكاهنة ( الأغاني 13/ 105) وزبراء، وسلمى الهدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية، وسجاح وغيرهن ( بلوغ الأرب 2/ 283 وما بعدها).  وقد نسبوا الي طريفة إخبارها عمرو بن عامر، أحد ملوك اليمن بزوال ملكه وبخراب سد مأرب ( بلوغ الأرب 2/283، 288)

ثم جاء الإسلام ولم يغير في وضع المرأة شيئاً طوال فترة الرسول في مكة، وحتى عندما هاجر إلى المدينة استمر الوضع كما هو حتى بعد أن تزوج عائشة. ثم بدأ عمر بن الخطاب يلح على الرسول أن يُحجّب نساءه لأن الأعراب البدو كانوا يدخلون بيوت النبي في أي وقت شاءوا وبدون استئذان. ويقال أنه في يوم من الأيام كان عمر يأكل مع الرسول وعائشة، ولمست يده أصبع عائشة، فقال للنبي يا ليتك تُحجّب نساءك. فنزلت سورة الأحزاب: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناءه ولكن إذا دُعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن" [21]. ومنهم من قال إن هذه الآية نزلت يوم تزوج الرسول زينب بنت جحش، وأراد أن يدخل بها ولكن الأعراب ظلت جالسة في المنزل حتى وقت متأخر من الليل، وقد كره الرسول ذلك منهم.

والحجاب المقصود هنا طبعاً هو نوع من الستارة على الباب، لأن أبواب البيوت في ذلك الوقت لم يكن بها  حاجز أو باب من خشب. فالقصد كان وضع ستارة على الباب تقف من خلفها زوجة الرسول لتكلم الرجال الأغراب.

ولم يكتف عمر بن الخطاب بهذا. وفي ذات ليلة خرجت زوجة الرسول سودة بنت زمعة لقضاء حاجتها، وكانت امرأةً طويلة، فعرفها عمر وصاح عليها: " ألا يا سودة قد عرفانك"[22]، فأخبرت الرسول. ونزلت الآية: " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً " [23].

وقال شيوخ الإسلام إن السبب في نزول هذه الآية هو أن صياع المدينة كانوا يعاكسون النساء ليلاً إذا خرجن إلى قضاء الحاجة. فإن كانت المرأة أمةً لمسوها وإن كانت حرةً تركوها. ولذا أمرهن الله أن يدنين جلابيبهن حتى يعرف الصياع أنهن حرائر لا إماء، فلا يتعرضوا إليهن. منطق غريب هذا الذي أتى به العلماء. أما كان الأجدر أن يُنزل الله آيةً تنهى الصعاليك من معاكسة النساء؟ ولماذا يبيح الإسلام لهؤلاء الصعاليك التعرض للإماء ويمنعهم عن التعرض للحرائر؟ هل الأمة ليست إنسان يستحق صون كرامته؟ بعض هؤلاء الإماء كن سيدات محترمات من أعز القوم في بلادهن قبل أن يأسرهن المسلمون.

ومفهوم الحجاب في الإسلام هو أنه للنساء الحرائر فقط ولا يشمل الإماء. بل بالعكس، فقد منع الخليفة عمر بن الخطاب الإماء من لبس الحجاب، رغم كونهن مسلمات، وكان يطوف شوارع المدينة بحثاً عن الإماء المحجبات فيضربهن بدرته حتى يسقط عنهن الحجاب، ويقول لهن: " فيم الإماء يتشبهن بالحرائر؟ " ( طبقات ابن سعد، 6/127). فإذاً ليس الغرض من الحجاب عدم إثارة غرائز الرجل، لأن الأمة الجميلة التي تسير بدون حجاب وكاشفةً صدرها، لأن صدر الأمة ليس عورة، قد تثير غرائز الرجل أكثر مما تثيرها أحد الحرائر. ويبدو أن السبب الرئيسي كان تمييز الحرائر من الإماء. وبما أنه لا توجد إماء الآن ( من الناحية القانونية)، فلماذا إذاً تلبس المسلمة الحجاب؟

المهم أن هاتين الآيتين أصبحتا سجناً متحركاً لنساء المسلمين. شرّع العلماء وأفتوا في الحجاب، طوله وعرضه وأي مادة يُنسج منها وماذا يظهر من جسم المرأة الذي يعتبره العلماء عورةً ما عدا العينين والكفين، بل ذهب بعضهم إلى أن المرأة يجب أن تغطي كذلك إحدى عينيها، ويكفيها عينٌ واحدة [24]. وفي أماكن مثل أفغانستان أيام الطلبان، وفي السعودية، يجب أن تُغطي المرأة وجهها بخمار أسود، وتلبس قفازاً أسوداً على يديها. ويظهر أن هذه العادة كانت متفشية في العراق أيام الدولة العباسية، لكنها لم تمنع الشعراء من التغزل بالنساء المتحجبات، اللائي ربما بادلنهم الهيام، وقد قال أحد شعرائهم:

قل للمليحةِ في الخمار الأسودِ              ما ذا فعلتِ بناسكٍ متعبدِ

قد كان شمر للصلاةِ ثيابه                   حتى وقفتِ له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه                 لا تحرميه بحق دين محمدِ 

وعلى مدى أربعة عشر قرناً من الزمان ظلت المرأة المسلمة ترسف في أغلال هذا السجن. فما الغرض من وراء هذا الحجاب؟ ما ذا حدث في مكة والمدينة في بداية الإسلام، وعلى مدى عشرين عاماً لم تُحجّب فيها المرأة؟ هل أصبح الرجال وحوشاً ضارية تفترس النساء في كل شارع مشين فيه؟ طبعاً لم يحدث شئ من هذا القبيل. ولم تكن المرأة عورة في نظرهم إلى أن جاء الفقهاء وجعلوا جسمها عورة. والشارع عندما قال " يدنين إليهن جلابيبهن" إنما قصد تغطية الصدر، لأن الجلباب كان عبارة عن ملاءة تغطي الصدر والبطن. لم يكن هناك جلباب يغطي الوجه. كان النساء في الجاهلية يلبسن خماراً يغطي الرأس، وكان الوجه مكشوفاً.

وسابقاً نزلت آية أخرى: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" [25]. وبهذا اكتمل سجن المرأة المؤبد. فهي الآن أصبحت قارةً في بيتها لا تبرحه إلا لبيت زوجها يوم زفافها ثم لقبرها. وإذا، لا سمح الله، واضطرت للخروج من بيتها وهي حيةٌ ترزق، فيجب أن تتغطى من رأسها إلى أخمص قدميها وتلبس الخمار. وهكذا تم عزل المرأة المسلمة عن المجتمع. وبما أن المرأة نصف المجتمع، فقد تعطل هذا النصف.

وأخيراً بعد أن كاد القرن العشرين أن ينتهي، سمحت بعض الدول المسلمة لنسائها أن يخرجن محجبات إلى العمل بمكاتب أو مستشفيات تكون المرأة فيها معزولة عن الرجال لأنها تعمل في قسم النساء الذي لا يدخله الرجال إلا بالأذن. وطبعاً الحجاب مع العباءة، يحد من حرية حركة المرأة ويجعل من العسير عليها العمل في الشرطة أو في الجيش أو في أي وظيفة تستدعي سرعة الحركة كإطفاء الحرائق أو الإسعاف في الحوادث.  وإذا اشتغلت المرأة طبيبة جراحة أو أخصائية في  أمراض النساء والولادة لا تستطيع لبس الحجاب في غرفة العمليات، وبما أن غرفة العمليات بها جراحون رجال  ورجال يعملون في نقل المرضى من وإلى غرفهم، وكذلك أخصائيون في التخدير وغير ذلك، يجب أن نبني لها غرفة عمليات خاصة لا يدخلها الرجال، ولا تستطيع هي أن تجري عمليات جراحية على الرجال. وهذه طبعاً تكلفة غير ضرورية، ومضرة بالمجتمع

والمرأة المتحجبة في بلاد الغرب ملفتة للانتباه أكثر من المرأة التي تمشي نصف عارية، ويكون الحجاب قد جلب إليها انتباهاً قد يسبب لها مضايقات أكثر مما لو لبست اللبس العادي كالنساء الغربيات. والحجاب هنا قد أتى بعكس المقصود منه. وفي فرنسا وأمريكا وكندا منعت بعض المدارس الطالبات المسلمات من لبس الحجاب مما أضطر أولياء أمورهن إلى إبقائهن بالمنازل، وهذا لا شك يؤثر في تعليم هؤلاء الطالبات وقد يضر بمستقبلهن.

أطباء علم النفس يعرّفون بعض حالات الخوف الغير طبيعي ب " Phobia " وترجمتها بالعربية " هوس ". والهوس هو الخوف المبالغ فيه من شئ لا يحرك غريزة الخوف في شخص عادي. والإسلام لديه هوس بالجنس. إذا نظر الرجل إلى امرأة، لعب الشيطان بعقليهما، والنتيجة هي علاقة جنسية تؤدي إلى إنجاب أبناء سفاح. والخوف كل الخوف هو إنجاب أبناء السفاح، لأن الإسلام لا يعطي نفس الأهمية للعلاقة الجنسية بين الرجل والرجل. فالرجلان اللذان يأتيان الفاحشة نضربهما بالنعال، وإن تابا، تركناهما وحالهما لأن الله غفور رحيم. أما إذا جامع رجلٌ امرأة فيجب أن يُرجما.

ولمنع المرأة من إنجاب أبناء السفاح يجب أن تتحجب المرأة حتى نعزلها عن الرجل.  والحجاب مفروض فيه أن يحافظ على عفة وشرف المرأة المسلمة لأن الشرف والجنس هما اللذان يشغلان كل عقل الرجل المسلم. ولكن بعد كل هذه القرون من الحجاب هل استطعنا أن نقضي على إقامة علاقات جنسية بين النساء والرجال قبل الزواج؟ أو هل قضينا على الخيانة الزوجية أو إنجاب أطفال السفاح  في العالم الإسلامي؟

بالطبع لم نقض على أي شئ من هذا. ففي كل بلد عربي هناك معهد أو ملجأ يضم أبناء السفاح، وفي المغرب، حيث هناك بعض الحريات،  قدمت الصحفية فريدة الرحماني  حلقة عن " واقع أمهات أطفال السفاح "، بثتها الإذاعة ونالت استحسان لجنة التحكيم في " الجائزة الكبرى للصحافة " [26]. وفي العراق ناقش مجلس الحكم حديثاً موضوع منح الجنسية العراقية لأطفال السفاح. وفي مصر والسودان والسعودية والخليج وإيران هناك آلاف من أطفال السفاح.

والعلاقات الجنسية بين الشباب من الجنسين لا تقل عن مثيلاتها في أوربا، خاصة وأن كل شاب وشابة في الخليج يمتلك تلفون جوال، ويكتب الشاب نمرة جواله على قطعة من الورق يرميها عند أقدام الفتيات المحجبات في صالات التسويق المنتشرة في كل مدن الخليج. والكاتب شاهد أكثر من مرة بالكويت وبالخليج نساء متزوجات يحضرن للمستشفي في الساعات الباكرة ويطلبن شهادة من الطبيب المناوب تقول أن المرأة تلك قضت الليلة بالمستشفي، وفي حقيقة الأمر  كانت هي قد قضتها مع عشيقها.

وقصة الحجاب في الإسلام مليئة بالمفارقات والمتناقضات التي تصطدم مع العقل والتفكير السليم. فمثلاً في الآية 55 من سورة الأحزاب: " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن وأتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيداً ". فليس على المرأة حرج ألا تتحجب من المذكورين في الآية، بمن فيهم ما ملكت يمينها من العبيد الذكور، ولكن يجب أن تتحجب من عمها وخالها لأنهما لم يُذكرا في الآية. ويقول العلماء السبب في ذلك أن العم أو الخال إذا رآها بدون حجاب قد يصفها لابنه. فكل هؤلاء الناس الذين يرونها دون حجاب لن يصفوها لابن عمها، بما فيهم أمه، لكن عمها يمكن أن يفعل ذلك. وماذا عن ما ملكت يمينها من العبيد؟ أليس لهم شهوة جنسية أم أن جميعهم مخصيون؟ ألم يتهم الناس مارية القبطية عندما ولدت للرسول ابنه الوحيد إبراهيم، ألم يتهموها بالعبد المصري الذي كان يتردد عليها، وأرسل الرسول عمر بن الخطاب ليقتله؟ ويقال إن عمر دخل عليهما البيت شاهراً سيفه فلما رآه العبد هرب وتسلق نخلةً بالبيت ولم يكن يلبس سروالاً، فنظر عمر ورأي أنه مجبوب، أي مقطوع العضو التناسلي، فتركه.

وفي مرة كان الرسول جالساً مع عائشة وأم سلمة، بعد نزول آية الحجاب، فدخل علية ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى، فطلب الرسول من نسائه أن يتحجبن، فقالت له أم سلمة: " لكنه أعمى"، فقال لها الرسول: " وهل أنتِ عمياء". منطق لا يتماشى والعقل. تتحجب المسلمة من الرجل الأعمى لأنها تراه وهو لا يراها.

وقد تعلم السعوديون في السبعينيات أن الحجاب قد يساعد على ارتكاب الجرائم. ففي ذلك الوقت كان ممنوعاً إظهار وجه المرأة في جواز السفر الذي يراه الأجانب والغرباء، فانتهز الرجال هذه الفرصة وسافروا إلى دول شرق آسيا ورجعوا بنساء محجبات ادعوا أنهن زوجاتهم، ولما لم تكن بالجواز صورة للمرأة، وهي محجبة على أي حال، استطاعوا إدخال عدد لا يُستهان به من هؤلاء النساء للمملكة. وأخيراً أجبرهم الواقع لإلصاق صورة المرأة في جواز سفرها، وبدون حجاب.

وما زال الحجاب يساعد النساء المتحجبات في الركوب في سيارات غير أزواجهن أو أخوانهن في وضح النهار وبدون خوف لأنها مغطية من الرأس إلى القدم ولا أحد يعرفها من عباءتها. وكنتيجة لهذه الممارسات قد انتشر مرض فقدان المناعة المكتسبة ( الايدز) في السعودية في الأعوام القليلة الماضية إذ بلغ عدد الحالات العام الماضي 6787 حالة، 45 بالمائة منها  عن طريق العلاقات الجنسية [27]

وقد أفتى علماء الوهابية في السعودية أن كل ما يؤدي للحرام فهو حرام. فبعد أن حجّبوا المرأة حرمّوا عليها قيادة السيارة، لأنها لو قادت سيارتها بنفسها فقد تذهب إلى منزل عشيقها دون رقابة، وحتماً يؤدي هذا إلى الزنا، وهو حرام، وبالتالي قيادة السيارة حرام على المرأة. نسأل الله أن يساعد المرأة المسلمة في القرن الحادي والعشرين.

زواج المتعة

عندما هاجر الرسول إلى المدينة وبدأ غزواته في شتى بقاع الجزيرة، كان محاربوه يتركون زوجاتهم في المدينة، وقد يغيبون أسابيع عنهن. فإذا انتصروا سبوا نساء القبيلة المهزومة، ولما كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام وكان الله قد منعهم أن يقيموا علاقة جنسية مع المحصنات، أي النساء المتزوجات، لم يستطيعوا كبح جماح شهواتهم في إحدى هذه الغزوات ( غزوة أوطاس) وسألوا الرسول ماذا يصنعون بهؤلاء السبايا. فنزل عليهم قرآنٌ  واضح: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأُحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضةً ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليماً حكيماً "[28].

وقال سعيد بن الخدري: " أصبنا سبياً من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا رسول الله (ص) فنزلت الآية، فاستحللنا فروجهن ". رواه الترمذي عن أحمد بن منيع ورواه النسائي كذلك ومسلم في صحيحه. ولكن ابن عباس قال إنها نزلت في سبايا خيبر.

وقد استدلوا بهذه الآية على  زواج المتعة، واستدل بها قومٌ آخرون على إباحة الجمع بين الأختين على أساس   ( وأحل لكم ما وراء ذلك)، ولهذا قال الإمام عليّ بن أبي طالب: " القرآن حمّال أوجه ".

وعن قيس بن عبد الله قال: كنا نغزوا مع رسول الله – ص- وليس معنا نساء فقلنا ألا نختصي فنهانا عن ذلك فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب ثم قرأ: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم".   ( المائدة/87).[29]

 وقد كان زواج المتعة مباحاً في بداية الإسلام ثم قيل إنه حُرّم. وقد ذهب الشافعي إلى أنه حُرّم ثم نُسخَ ثم أُيد ثم نُسخ مرتين، وقال آخرون أكثر من ذلك. وفي حديث عن الربيع بن مسبرة بن معبد عن أبيه أنه غزا مع رسول الله يوم فتح مكة، فقال الرسول: " أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فيخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ".

وأضاف ابن عباس في الآية أعلاه " ما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، فأعطت هذه الزيادة الرخصة للمسلمين ليسموا المدة التي يريدون من المرأة في زواج المتعة.

وزواج المتعة ما زال سارياً عند الشيعة في إيران والبحرين وشمال السعودية والعراق والكويت، وحتى في بعض الأقطار السنية حسب المذاهب. وسئل الإمام جعفر الصادق (ع) عما يقول الرجل في حين عقد زواج المتعة، فقال: " تقول: أتزوجك متعةً على كتاب الله وسنة نبيه، لا وارثة ولا موروثة، كذا وكذا يوماً، بكذا وكذا درهماً، وتسمي من الأجر ما تراضيتما عليه ". ( الفروع من الكافي، للكليني، ج5، ص 455 )

وهذا لا يعدوا أن يكون تصريحاً بالدعارة إذ ليس هناك عامل زمني لزواج المتعة، فيستطيع الزوج أن يتعاقد مع المرأة على يوم واحد ويدفع لها أجرها، ثم يخرج بعد نهاية اليوم حراً طليقاً إذ ليس هناك طلاق ولا نفقة. كل المطلوب أن يُثبت الرجل النسب إذا حبلت المرأة، وهذا طبعاً شئ مستبعد لأن المرأة والرجل يعرفون نوع العلاقة ولذلك سوف يتخذون الاحتياطات اللازمة حتى لا تحبل المرأة. وليس هناك ما يمنع من التمتع بالعاهرة، إذ قال الإمام الخميني: " يجوز التمتع بالزانية- على كراهية- خصوصاً لو كانت من العواهر المشهورات بالزنا" ( تحرير الوسيلة، ج2، ص 262). ولكن صريح القرآن يقول: " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زاني أو مشرك وحُرّم ذلك على المؤمنين "[30]. فلا أدري كيف يوفق الإمام الخميني بين القولين.

وكنتيجة لهذه الفتاوى أصبحت مدينة " قُم " أكبر مجمع لزواج المتعة لأن بها أعداداً هائلة من طلبة العلم الديني الذين لا يستطيعون الزواج، فرحلت نحوهم أعدادٌ ضخمة من النساء اللائي قُتل أزواجهن في حرب إيران/ العراق، ولم يعد لديهن عائل ينفق عليهن. أصبح هؤلاء النسوة محترفات زواج متعة، وبمعنى آخر عاهرات. وإيران بها ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف عاهرة، وضعتهن السلطات في بيوت دعارة رسمية سموها " بيوت الفضيلة".

وبعض الخطاب الشيعي يجعل زواج المتعة مستحب، فينسب إلى جعفر الصادق قوله: " إن الذي يعقد المتعة مع امرأة لإرضاء الله أو لاتباع تعاليم الدين الحنيف وسنة رسوله أو لعصيان أمر الذي حرّم المتعة ( إشارة إلى عمر بن الخطاب) ينال ثواباً عن كل كلمة تبادلها مع المرأة، ويمنحه الله ثواباً عندما يمد يده إلى المرأة، وعندما يدخل عليها، ويغفر الله له جميع ما تقدم من ذنوبه، وعندما يغتسل تحل عليه رحمة الله ومغفرته مرات عديدة على عدد الشعرات التي تبللت بمياه الغسل ".( كتاب المتعة للدكتورة شهلا حائري، ص 24 / نقلاً عن شهاب الدمشقي، شبكة اللادينيين العرب)

وزواج المتعة لا يتطلب شهوداً ولا طلاق ولا موافقة الولي ولا توارث فيه بين الزوجين، وعدة الفراق فيه حيضتان، تماماً كعدة الأمة، ولا يتقيد حق الرجل في زواج المتعة بأي عدد. ويروى أن رجلاً سأل الصادق عن المتعة أهي أربعة؟ فقال: " تزوج منهن ألفاً فأنهن مُستأجرات ".

ويعتبر الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني من المشجعين على زواج المتعة، وقد بلغت نسبة الإيرانيين الذين تعاطوا زواج المتعة 13%. وقد تسببت هذه الزيجات في إنجاب أطفال أبرياء أصبحوا ضائعين في المجتمع لأن المجتمع ينظر إليهم نظرة احتقار حتى لو نُسبوا إلى الأب الحقيقي. ويلحق الإجحاف كذلك بالأم إذ يتركها الأب لوحدها لتنفق على نفسها وطفلها.  وإذا أراد الإيراني أن يحتج على ما يعتبره إجحافاً له  يقول     " وهل أنا ابن المتعة ؟ ".

هذا قليل من كثير جناه الإسلام على المرأة


[1]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 481

[2]  سورة النساء، الآية 15

[3]  سورة النور، الآية 4

[4]  غرائب القرآن للنيسابوري- المجلد الثامن ص 248

[5]  اسباب النزول للواقدي ص 214

[6]  تفسير القرطبي، المجلد السابع ص 575

[7]  السيرة النبوية لابن اسحق- المجلد الثاني ص 286، طبعة القطاع الثقافي باخبار اليوم/ مصر

[8]  Naipaul, Among the believers, p 165

[9]  Sisters in Islam,Rape, Zina and Incest, www.muslimtents.com/sistersinislam.htm

[10]  Robert Spencer, Islam Unveiled, Encounter Books 2002, p90, San Francisco

[11]  Sisters in Islam,Rape, Zina and Incest

[12]  سورة النور، الآية 2

[13]  سورة المائدة، الآية 38

[14]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 567

[15]  سورة المائدة، الآية 33

[16]  طه حسين، الفتة الكبرى ج2 ص 142

[17]   هادي العلوي: من قاموس التراث، ص 78 ( مصدر سابق)

[18]  تاريخ العرب قبل الإسلام: د. جواد علي، مطبعة التفيض، بغداد 1951، م2، ص 103

[19]  نفس المصدر ص 320

[20]  نفس المصدر، م3، ص 74

[21]  سورة الأحزاب، الآية 53

[22]  صحيح البخاري 146

[23]  سورة الأحزاب، الآية 59

[24]  تفسير الجلالين للآية 55 من سورة الأحزاب

[25]  نفس السورة، الآية 33

[26]  صحيفة إيلاف الالكترونية، عدد الجمعة 14 نوفمبر 2003 www.elaph.com

[27]  صحيفة إيلاف الالكترونية، عدد 1 ديسمبر 2003 www.elaph.com

[28]  سورة النساء، الآية 24

[29]  صحيح البخاري  - الجزء الخامس- ص 66 ، طبعة دار الشعب بالقاهرة

[30]  سورة النور، الآية 3

الفصل الخامس

المحرمات في الإسلام

 تحريم أشياء معينة باسم الدين تقليد قديم قدم الديانات البدائية في العالم. ديانات الرجل البدائي في أفريقيا وأمريكا الجنوبية حرمت أشياء معينة لا تلمسها المرأة الحائض، وكذلك حرّمت أنواع معينة من الحيوانات. وعرب الجاهلية حرّموا الناقة التي تلد عدداً معيّناً  من الإناث، لا يركبها أحد ولا يحمل عليها حملاً. وليس هناك منطقاً مفهوماً في تحريم تلك الأشياء ولكنها موروثة من الأدب الشعبي " فولكلور"، الذي توارثه الناس أباً عن جداً.

أول ديانة سماوية حرمت أشياء في المأكل والمشرب هي الديانة اليهودية، ولكن الديانات غير السماوية كذلك حرمت تقريباً نفس الأشياء. فديانة الهنود السيخ حرّمت لحم البقر وأحلت لحم الخنزير، بينما الديانة الهندوسية حرّمت قتل كل الحيوانات لكنها سمحت بأكل اللبن ومشتقاته من جبن وزبده وكذلك أكل السمك.

واليهودية حرمت بعض الحيوانات وأحلت بعضها، فنجد في سفر " لاويون"

11-3 سمحت لك بأكل الحيوانات مشقوقة الظلف شقاً كاملاً وتقصع الجرة كذلك

11-4 لحيوانات التي تقصع الجرة فقط أو مشقوقة الظلف فقط يُحرّم أكلها. الجمل يقصع الجرة ولكن ظلفه ليس مشقوقاً شقاً كاملاً، ولذلك محرّم

11-6 الأرنب يقصع الجرة ولكن ظلفه ليس مشقوقاً فهو حرام

11-7 الحلوف ( الخنزير)، مشقوق الظلف لكنه لا يقصع الجرة، فهو حرام

11-9 من الحيوانات التي تعيش في الماء تأكل كل ما له زعانف وقشور

11-13 هذه الطيور يجب أن تتجنبها: الصقر والعُقاب و الحدأة الحمراء والحدأة السوداء وكل أنواع الغراب

11-16 وكذلك تجنب البوم و الهدهد والخفاش

11-20 كل الحشرات الطائرة التي تمشي على أربعة يجب عليك ألا تأكلها

11-21 هذه الحشرات ذات الأجنحة والتي تمشي على أربعة يمكنك أكلها: التي لها أرجل بها مفاصل للقفز الجراد والصرصار

11-27 من كل الحيوانات التي تمشي على أربعة، فإن التي تمشي على مخالب لا تأكلها وجاء الإسلام فأحّل وحرم كل هذه الحيوانات والطيور باستثناء الأرنب، وزاد عليها الآتي:

وكذلك " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبح على النصب " [1]. وكرر نفس الآية في سورة النحل، الآية 115

ولكن في سورة الأنعام الآية 146 يخبرنا الله: " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ".

فإذا كان الظفر هنا يعنى الظلف، فإن التوراة تقول إذا كان الحيوان مشقوق الظلف شقاً كاملاً ويقصع الجرة فهو حلال عليهم. فإذاً ليس كل ذي ظلف محرمٌ عليهم. ولكن الأهم من ذلك أنه قال حرّم عليهم هذه الأشياء جزاء لهم ببغيهم، أي عقاباً لهم. وماذا حرّم عقاباً لهم وأحل لنا غير الشحم، وكان الأفضل لنا لو حرّم الشحم لأنه مضر بالصحة أكثر من لحم الخنزير، وسوف نناقش هذا لاحقاً.

وأخيراً لخص لنا كل المحرمات حينما قال الله للرسول:

" قل لا أجد في ما أوحيّ إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أهل لغير الله به فمن أضطر غير باغ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم " [2]. فالمحرمات هي الميتة، والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله.

ثم يأتي القرآن من بعد كل هذا ويقول لنا: " اليوم أُحل لكم الطيباتِ  و طعام الذين أوتوا الكتاب حلٌ لكم وطعامكم حلٌ لهم " [3]. فبعد أن عدد لنا كل المحرمات والمحللات، رجع فقال إن طعام أهل الكتاب ( اليهود والنصارى) حِلٌ لنا وطعامنا حِلٌ لهم.

ولم يكتف علماء المسلمين بكل هذه المحرمات، فزادوا عليها طريقة الذبح. فإذا ذُبح الحيوان الحلال وقطع القصاب رقبته فوق  حنجرة الصوت، صار هذا الحيوان حراماً، فيجب أن تُقطع الرقبة في منتصف حنجرة الصوت. يحتار العقل في فهم الحكمة في تحليل أو تحريم أكل اللحم إذا قُطعت رقبة الحيوان سنتميتراً  أعلى أو أوطأ من المكان الذي حدده علماء الإسلام. من الناحية العلمية ليس هناك أي مبرر لهذا، ومن الناحية العقائدية، فالقرآن لم يحدد أين يكون القطع، وإذا كان الرسول قد قطع الرقبة في مكانٍ معيّن، لا يعني هذا أن القطع في غير هذا المكان محرماً. قد يكون القطع في المكان الذي حدده الرسول مستحباً، ولكن هذا لا يجب أن يجعل ما دونه حراماً.

واستفاد تجار اللحوم في الغرب من ذلك وانتشرت أماكن بيع اللحم " الحلال" في كل شوارع مدن الغرب. والمضحك في الأمر أن هؤلاء التجار لا يذبحون الحيوانات بأيديهم وإنما يذبحها لهم نفس مجمع القصابة الذي يذبح بقية الحيوانات للمسيحيين وغيرهم. وندفع نحن أسعاراً إضافية لأن هذا اللحم حلال. وفي هذا الأثناء يقضي علماء المسلمين أعواماً يتجادلون في هل يكون لحم الحيوان حلالاً إذا صُعق بالكهرباء قبل ذبحه؟

ويحتار المسلم في كل هذا الجدل والقرآن قد قال لنا إن طعام أهل الكتاب حلٌ لنا ما دام لم يُهل به لغير الله. وأنا قد زرت مقصب المدينة التي أعيش بها لأطلب أجزاءً معينة من جسم الخراف نستعملها في تدريس كورسات الجراحة، ولم أسمع أو أر قصاباً أهل بالحيوان الذي يذبحه لأي شئ، فهم كانوا منسجمين مع موسيقى " البوب" المنبعثة من مكبرات الصوت حولهم، ومنهمكين في عملهم، لا يتكلمون ولا يهلون لله أو لغيره. فلماذا كل هذا الجدل وتكلفة المسلمين بدفع أسعار إضافية للحم لا يضمنون أنه ذُبح حلالاً؟

منطق التحريم

القرآن ومن قبله التوراة لم يوضحوا لنا لماذا حرّم الله لحم الخنزير. ولكن العلماء المسلمين دفنوا رؤوسهم في أمهات الكتب يبحثون عن سببٍ لهذا التحريم، ولما لم يجدوا سبباً منطقياً، قالوا لنا يجب ألا نناقش أسباب التحريم وعلينا أن نقبلها كأمر من رب العالمين، فقبلنا. ولكن مع تقدم العلم واختراع البرادات، جاء العلماء الحديثين بتفسير مذري: أن عرب الجزيرة لم تكن عندهم برادات تحفظ اللحم، ولحم الخنزير يفسد بعد زمن وجيز نسبة لحر الطقس في الجزيرة وقد يسبب تسمماً للآكلين. وماذا عن لحم الخراف؟

ولا بد أن عرب الجزيرة كانت لديهم وسائل لحفظ اللحم، فقد حكى الطبري في تاريخه عن جماعة من المسلمين أيام غزوة تبوك، وجدوا حيواناً بحرياً كبيراً على شاطئ البحر الأحمر، أكلوا منه لمدة نصف شهر، فقال: " وحدثنا احمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا عمى عبد الله بن وهب قال: اخبرنى عمرو بن الحارث ان عمرو بن دينار حدثه انه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرجنا فى بعث ونحن ثلاثمائة وعلينا ابو عبيدة بن الجراح، فاصابنا جوع فكنا ناكل الخبط ثلاثة اشهر، فخرجت دابة من البحر يقال لها العنبر، فمكثنا نصف شهر ناكل منها " [4]. فهذا التبرير للمنع غير مقنعٍ.

ثم تقدم العلم مرة أخرى وأكتشف العلماء أن الخنزير يحمل في إمعائه دودة تسمى " Tinea solium "، تسبب مرضاً للانسان عبارة عن أكياس صغيرة تنتشر في جسم الأنسان وقد تسبب له مضاعفات. فهلل العلماء المسلمون وتحدثوا عن حكمة الله في تحريم لحم الخنزير، ولكنهم تكتموا على الاكتشاف الثاني الذي أثبت أن بالبقر كذلك  دودة اسمها الدودة الشريطية " Tinea saginata "، تستقر في إمعاء  آكلي لحم البقر، وتصيبهم بسوء التغذية لأنها تمتص كل الغذاء من إمعائهم. وهناك كذلك دودة أخرى اسمها Echinococcus  توجد في البقر والخراف وتصيب الإنسان بزرع كميات كبيرة من الأكياس المائية في عدة أجزاء بالجسم، خاصة الكبد.

 فإذاً  كل الأسباب التي ساقوها لتبرير تحريم لحم الخنزير تنطبق على لحم البقر والخراف، فلماذا لا نحرمهما"؟

وهذه الأمراض غير معروفة في أوربا وأمريكا حيث تستهلك الناس كميات هائلة من لحم الخنزير، لأن الحلوف يُربى في مزارع نظيفة يشرف عليها أطباء بيطريون، ويعالجون الحلوف إذا وجدوا به المرض. وقد يقول قائل إن الله حرم لحم الخنزير في تلك الأيام لجهل الناس بالقواعد الصحية. ولكن لماذا يُحرم علينا الآن وقد وعينا هذه القواعد الصحية؟ ألا يمكن أن يجتمع العلماء ويزيلوا هذا التحريم الآن؟ والله الذي يعلم الغيب لا بد أنه عرف أن في القرن العشرين سوف يُلم الناس بالقواعد الصحية ولن يسبب لهم وقتها لحم الخنزير أي مرض، فلماذا لم يضع استثناءً في التحريم؟

وتحريم أنواع معينة من الحيوانات ليس فيه أي منطق مقبول، فلماذا يحل لنا أكل الحيوان مشقوق الظلف ويُحرم أكل الحيوان ذي الظلف غير المشقوق. شق الظلف أو عدم شقه مسألة اقتضتها جغرافية المكان الذي نشأ فيه الحيوان وتأقلمه مع البيئة التي يعيش فيها، فالجمل نشأ في أماكن صحراوية كالجزيرة العربية كلها رمال يسهل المشي عليها إذا كان الظلف أو الخف مشقوقاً، فصار خف الجمل مشقوقاً. وكذلك الجمال التي نشأت في مناطق جبلية مثل منطقة " التبت " في أقصى شمال الهند، فنسبةً لوعورة الأرض، يسهل على الجمل السير فيها إذا كان خفه مشقوقاً. وكذلك الماعز والأغنام لها ظلف مشقوق لأنها تعيش في مناطق جبلية. بينما الحمار والحصان وما شابههما، نشأ في مناطق " سافنا" أي بين الصحراء وبين الغابات، حيث الأرض أكثر صلابةً من الرمال، ولذلك لا يحتاج الحمار إلى ظلف مشقوق. وشق الظلف أو عدمه لا يؤثر في نوعية اللحم أو في طهارته أو عدمها، وليس هناك أي منطق في هذا التحريم. ونفس الشي ينسحب على الحيوانات التي تقصع الجرة ويحل لنا أن نأكلها، والتي لا تقصعها وتُحرّم علينا.

الربا

لما كان عرب الجاهلية أغلبهم رعاة يعتمدون على بيع الحملان من نعاجهم بعد موسم التخليف، كانوا يقترضون ما يحتاجون إليه من المال أثناء العام من المرابين الذين كاوا يقرضونهم المال بفائذةٍ قد تكون مرهقة، حتى يبيعوا حملانهم ويسددوا دينهم. وفي المدينة حيث كان أكبر تجمع لليهود، كان بنو قريظة وبنو المصطلق يسيطرون على التجارة والزراعة والصياغة، وكانوا يقرضون الأوس والخزج بالفائدة. أما في مكة حيث كانت قريش تسيطر على التجارة، فكان أغلب المرابين منها.

واستقر التعامل بالربا في مجتمع الجزيرة باعتباره من الدخول الريعية التي تضخ دون بذل أي مجهود مثله مثل عرق العبيد وأفخاذ الإماء اللائي دأبوا على تشغيلهن في الدعارة. ومن بين اكبر المرابين في بداية الإسلام  كان: العباس بن عبد المطلب الجد الأعلى للعباسيين ، وخالد بن الوليد بن المغيرة. قال السُدي: نزلت آية الربا في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية[5].

وفي الفترة التي سبقت ظهور الإسلام مثّل  الوليد بن المغيرة، أبو خالد بن الوليد، دورَ كبير المرابين وهو شخصية بارزة بين ملأ قريش تمتع بثراء عريض وشهد القرآن بغناه الطاغي " ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع إن أزيد" ( المدثر/11 وما بعدها). وقال ابن قتيبة " وبنين شهودا" هو الوليد بن المغيرة، كان له عشرة بنين لا يغيبون عنه في تجارة ولا عمل[6]. وإذ انه من المرازبة ومن صناديد قريش فهو واحد من القلائل الذين يسنون السنن التي يقتدي بها القبيل مثل عبد المطلب بن هاشم- مع الفارق الشاسع بين الرجلين. وإذ أن كان جزاراً، فقد استن قطع يد السارق حتى يردع اللصوص من الاقتراب من ماله[7].

وطوال فترة الرسول بمكة ( ثلاثة عشر عاماً) نزلت آية واحدة تخبر الناس أن مال الربا لا يربو عند الله: " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون"[8]. وطبعاً لم ينتبه العباس ولا المغيرة لهذه الآية واستمر الربا جارياً.

وعندما هاجر الرسول إلى المدينة حاول أن يكسب يهود المدينة لدينه الجديد، فصلى إلى بيت المقدس ولم يذكر شيئاً عن الربا، إذ كان اليهود من أكبر المرابين في المدينة ويعتمد اقتصادهم على الربا. ولما يئس من جذب اليهود إلى الإسلام ، نزلت عليه سورة البقرة في السنة الثانية هجرية، وهي أول سورة نزلت بالمدينة، غيّر بها القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وبدأ بها محاربة الربا، حتى يضرب اليهود في أكثر مكان يوجعهم، وهو اقتصادهم وتجارتهم، فنزلت: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون..."[9].

فأول ما نزلت هذه الآية،  قال النبي: " ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ". ومع أن العباس وخالد بن الوليد كانا شريكين في الربا، إلا أن الرسول وضع، أي عفا عن، ربا العباس أولاً ولم يذكر خالد.

وكانت ثقيف قد صالحت رسول الله على أن ما كان لهم من ربا على الناس فهو لهم، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع. فلما كان الفتح، استعمل رسول الله على مكة عتاب بن أسيد، وكانت بنو عمرو بن عُمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مالٌ كثير، فأتاهم بنو عمرو بن عمير يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، فرفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب بن أسيد إلى رسول الله، فنزلت الآية 278 من سورة البقرة: "   يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله "[10].

فهذا تحذير واضح بترك الربا، وإلا سيحاربهم الله ورسوله. ويبدو أن هذا لم يكن كافياً فنزلت الآية 160 من سورة النساء  : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباتٍ أُحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا  وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ".

وجاءت الخطوة الأخيرة في تحريم الربا في سورة آل عمران، الآية 130: " " ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون". وهنا أصبح التحريم نهائياً. ولكن قد يسأل سائلٌ: بعد أن حرّم الله الربا ووضع الرسول ربا الجاهلية، لماذا صالح ثقيف على أن الربا الذي لهم على الناس يحق لهم أن يأخذوه، والربا الذي عليهم من الناس يصبح موضوعاً. فلماذا هذا التمييز بين الناس؟ إما أن الربا حرام ويوضع كله، أو أنه غير حرام فيجوز لثقيف أن يأخذوا ما لهم على الناس من ربا.

وعلى كلٍ، لم يقتنع المسلمون الأوائل بتحريم الربا  فأستعملوا عدة حيل للالتفاف حول تحريمه، منها:

1-    شراء العبيد واستخدامهم في التجارة والمهن المختلفة وفرض نوع من الضريبة عليهم يؤدونها لهم كل يوم [11]

2-    البيع المؤجل. حيث يقرض أحدهم بضائع إلى الناس بسعر أعلى من سعر السوق. وقد أطلقت عائشة على هذا البيع المؤجل اسم " الربا العاجل"

3-    إعطاء الأموال إلى التجار في سبيل استثمارها ثم تقسيم الربح بين المعطي والمعطى إليه بنسبة معينة لصالح الدائن[12]

وبهذه الوسائل وغيرها استطاع أغنياء المؤمنين أن يجمعوا من الثروات ما لم يكن يحلم به أغنياء المشركين من قبل ولا يختلف اثنان أن الربا الفاحش ( أضعافاً مضاعفة) يضر بالفقراء في أي مجتمع لأنه يستغل حاجتهم للمال فيقرضهم إياه بربح خيالي. ولكن الربح المعقول جزء من التجارة التي يبحث أصحابها دائماً عن الربح، وإلا إذا انعدم الربح انعدمت التجارة، فليس هناك تاجر أو بنك يمكن أن يُقرض الدائنين مالاً دون أن يأخذ منهم ربحاً.

ولما كان الاقتصاد الإسلامي في الدولة الأموية والدولة العباسية معتمداً على أنفال الفتوحات من الأموال التي صادرها المسلمون من الأمم المهزومة، وكذلك بتوفير الأيدي العاملة المجانية من العبيد والإماء الذين أسروهم من الحروب، لم يجد المسلمون داعي للتعامل بالربا. ولكن مع انهيار الدولة العباسية وقيام الخلافة العثمانية التي استعمرت شرق أوربا والبلاد العربية، ابتدأ الاقتصاد الإسلامي بالتدهور وحاولت الدولة العثمانية إنعاشه بفرض ضرائب مرهقة على الأمم المغلوبة على أمرها. ولما لم يسد هذا الإجراء العجز في الاقتصاد الإسلامي، أخذت البيوت التجارية تتعامل بالربا. وبسقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى واستقلال البلاد العربية، أجبر الفقر الذي عمَ العالم إثر الحرب الحكومات العربية الجديدة أن تقترض من البنوك الأجنبية بالربا. وبالطبع حذا التجار العرب حذو حكوماتهم وتعاملوا بالربا.

وبعد تدفق البترول في الخليج وتكديس الأموال بالدول الخليجية ظهرت موضة البنوك الإسلامية التي لا تتعامل بالربا. وانتشرت هذه البنوك خارج دول الخليج، فكان منها:

بنك فيصل الإسلامي المصري

البنك الإسلامي الأردني

البنك السوداني الإسلامي

البنك الإسلامي لغرب السودان

بنك فيصل الإسلامي السوداني

بنك التنمية التعاوني الإسلامي السوداني

المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية ( ممول من الأمارات)[13]

ومن الغريب أن تظهر أربعة من هذه البنوك بالسودان وهو من أفقر الدول الإسلامية. وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن وراء هذه البنوك أهدافاً غير الربح والخسارة. وفي واقع الأمر ما هذه البنوك إلا حيلة قانونية تحايل بها أصحاب البنوك على الله، وظنوا أنهم خادعين الناس بهذا الابتكار الجديد. والحيل التي استعملها رجال الشرع كثيرة سنتعرض لها في حينها.

هذه البنوك تدعي أنها لا تأخذ ربحاً من المقترضين منها ولا تعطي أصحاب الحسابات الذين يودعون أموالهم بالبنك أي ربح محدد مسبقاً إنما يتاجر البنك بهذه الأموال ثم يقسّم الربح على المستثمرين. وهذا كله كذبٌ على الناس. فالكاتب قد ذهب إلى البنك الأهلي السعودي ليقترض مبلغ عشرة آلاف ريال، وأخذ معه أحد المواطنين السعوديين كضامن، واجتمعا مع مدير البنك الذي بدا مسروراً بتسليف الكاتب المبلغ المطلوب. وبعد التوقيع على الأوراق اللازمة سلّم مدير البنك الكاتب مبلغ تسعة آلاف ونصف الألف ريال، مع أن الكاتب أستلف عشرة آلاف. ولما سأل الكاتب المدير ماذا حدث للخمسمائة ريال الباقية، كان الجواب إنها عمولة البنك.

فالبنك أقرض الكاتب عشرة آلاف ريال بربح خمسة بالمائة وخصمها مقدماً ليستثمرها في معاملات أخرى، وسماها عمولة بدل ربح، وبالتالي يستطيع مدير البنك أن يقول أنه لا يتعامل بالربا. وفي واقع الأمر فإن هذا ربح مركّب أي ربا فاحش لأنه خصم كل الربح مقدماً واستثمره في معاملات أخرى، بينما البنوك الأوربية تخصم الربح شهرياً على مدى المدة التي يسدد بها الدائن دينه.

ومن الحيل الأخرى التي تستعملها هذه البنوك عند توزيع الأرباح على المستثمرين، يخصم البنك عشرة بالمائة من الأرباح لتخصص لحساب الاحتياطي الاختياري، وعشرة بالمائة تُخصم لحساب الاحتياطي الإجباري، وتُعتبر هذه العشرين بالمائة بمثابة أجر البنك على أعماله التي يقوم بها لاستثمار الودائع.

وهناك حيلة أخرى كذلك في حسابات الودائع المربوطة لأقل من سنة. فالبنك يتعاقد مع المستثمر على إيداع ماله لستة أشهر مثلاً، وعند نهاية الستة أشهر يستطيع المستثمر أن يأخذ رأس ماله لكن لا يدفع البنك له الربح إلا بعد نهاية السنة، ويستثمر البنك هذا الربح لكنه يعطي المستثمر الربح الذي تقرر عند نهاية الست أشهر.

الإسلاميون أدخلوا كلمة " الإسلامي" على كل شئ وحسبوا أنهم يخدعون الناس بذلك. فبنوكهم الإسلامية تعمل نفس عمل البنوك التجارية العالمية، هم غيروا الأسماء فقط دون تغيير المحتوى. وقد كتب المستشار القانوني المصري، محمد سعيد العشماوي: " أما الاقتصاد الإسلامي فقد كان يعني التعامل مع شركات توظيف الأموال والمصارف الإسلامية وحدها دون غيرها، علي اعتبار أن المصارف الأخرى مصارف أي بنوك ربوية. لكن ما يسمي بالمصارف الإسلامية كان يتعامل علي نفس الأسس وبذات النظم التي تتعامل بها المصارف الأخرى مع تغيير الأسماء، فبدلاً من الفائدة يقال عنه عائد، وعوضاً عن القرض يقال مرابحة، وهكذا. وفي سبيل جذب العملاء، بهذا الأسلوب الساذج، فإن بعض المصارف الأجنبية افتتحت فروعاً أو أقساماً تتعامل علي النظام الإسلامي، أي بتغيير الأسماء مع بقاء المسميات علي حالها. وفي كتابي جوهر الإسلام بينت هذا الواقع الذي يقوم علي التحايل دون تغيير الحقائق، وذكرت أن الاقتصاد السياسي علم لم ينشأ إلا بعد الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، وأنه قام علي أفكار آدم سميث وريكاردو وغيرهما، أما قبل ذلك فلم يكن يوجد اقتصاد بالمعني الحقيقي للكلمة وإنما كانت هناك تدابير مالية ليس إلا" [14]

هل تستطيع البنوك الإسلامية أن تعمل في مجال التجارة العالمية، مثلها مثل البنوك العالمية الأخرى، بدون أن تتعامل بالربا؟ في اعتقادي أن هذا ليس ممكناً لأن هذه البنوك لا تستطيع أن تتاجر فعلياً في السكر أو القمح أو ما شابه ذلك، وتبيعه للمواطنين كما يفعل التاجر. فهي أما أن تسلّف المزارع أو التاجر مبلغاً من المال لشراء ما يحتاج ليزرع أرضه ويتفق معه البنك مقدماً على أنه سوف يشتري منه المحصول بسعر معيّن يحدده البنك مسبقاً، وهذا نوع من الربا أو القمار المحرم، أو يسلّفه المبلغ ويخصم منه الربح مقدماً كعمولة، وهو كذلك  ربا. ويستطيع البنك الإسلامي أن يقرض أمواله بنكاً عالمياً يتاجر بها بالإنابة عن البنك الإسلامي، على أن يدفع له نسبة معينة من الربح، ولا يدري البنك الإسلامي في أي شئ استعمل البنك العالمي نقوده، فقد يكون البنك العالمي باع واشترى كل المحرمات بنقود البنك الإسلامي حتى يستطيع أن يعطيه ربحاً على أمواله المستثمرة.  وقد رأينا ما حدث للبنك الإسلامي العالمي للاستثمار والقروض الذي أُسس في الأمارات وكانت فروعه في أمريكا وانكلترا منغمسة في كل عمل مشين حتى انهار البنك وعليه ديون بالملايين سددها حكام الأمارات.

وقد اتضح أخيراً للفقهاء الإسلاميين أن البنوك لا بد لها أن تتعامل بالفائدة لكي تربح فأصدر الجامع الأزهر أخيراً فتوى بتحليل المعاملة بالفائدة للبنوك، فكتب المستشار القانوني المصري محمد سعيد العشماوي"  فور أن صدر الحكم الشهير، من محكمة الاستئناف العليا، بتاريخ 16 يناير ،1986 بأن الفائدة القانونية ليست هي الربا المحظور في القرآن، وهو الرأي الذي يتبناه الأزهر أخيراً فأصدر فتوى بما تضمنه، ثارت ثائرة الإسلام السياسي علي اعتبار أن الحكم يقوض جناحهم الاقتصادي، كما انقلب عليّ الكثيرون من زملائي رجال القضاء، لأن الحكم كشف حقيقتهم، ومنع عنهم العوائد التي كانوا يستفيدونها من الإيداعات وكشوف البركة لدي شركات توظيف الأموال. لقد صار حكمي المجرد العادل، الذي أخذ به الأزهر حرفياً بعد 16 عاماً، سبباً في عداوة شديدة يحملها لي من يفترض فيهم العدل والحياد والتجرد، وكانوا يدعون أني أحل الربا، دون أن يتساءلوا أولاً وابتداءً: ما هو الربا المحظور في القرآن؟ وبعد وضع تعريف له وتوصيف لأحواله، يشرعون في تطبيق المعايير الفقهية والأسانيد العقلية علي موضوع البحث أو نقطة الاجتهاد " [15].

والشخص الذي يبحث عن أجوبة قاطعة عن الربا من رجال الدين المسلمين غالباً ما ينتهي بإجابات متضاربة، فمثلاً سأل شخص من نيجريا مجمع الفقه الإسلامي بالقاهرة عن حكم الإسلام في بنك تعاوني في نيجريا يعطي أعضاءه نسبة قليلة من الأرباح في مقابل أن يدين الأعضاء المحتاجين مبالغاً من المال بأقل سعر من الفائدة حتى يستطيعوا بناء منازل لهم أو أشياء أخرى ضرورية. فكان رد الفقهاء بفتوى رقم 61 هو: " لم يجز في نطاق أحكام الإسلام في القروض أن يحصل الصندوق على فائدة من المقترض مهما كان قدرها حتى لا يدخل تعامل صندوق الاتحاد مع أعضائه في نطاق الربا الذي حرمه الإسلام، وإنما لإدارة هذا الاتحاد أن تحصل من المقترض على مبلغ ثابت وقت القرض في نظير أجور القائمين على إدارة الاتحاد ورصد المبلغ في حساباته باعتباره أجرة كتابة لا فائدة للقرض ذلك لأن فقهاء المسلمين لم يختلفوا على جواز أخذ الأجرة على كتابة صك الدين وأن الأجرة في هذه الحال على المدين ". وواضح أن هذا لا يعدو أن يكون ربا باسم مخالف، فقد يسموه عمولة أو أجرة كتابة، لكنه في النهاية أخذ ربح من المستدين.

وسأل شخص آخر نفس السؤال بصيغة مختلفة، فقال: هل يجوز أخذ زيادة على الديون من المستقرضين على أن تكون كالنفقات الإدارية للمؤسسة التعاونية اللا ربوية؟ وكانت الإجابة هذه المرة من مجمع الفقه الإسلامي بالهند، قرار رقم 3، وهي تختلف اختلافاً جذرياً مع فتوة علماء القاهرة: " لا يجوز قطعاً أخذ زيادة على الديون من المستقرضين بأي طريق كان وهذا المبلغ الزائد على الديون يكون الربا في الشرع فلا يجوز أي نوع من المبلغ الزائد على الديون سواء أكان لمنفعة الشخص أم المؤسسة أم لغرض الإنفاق على مشاريع خيرية، كما أن الأموال التي تستقرضها المؤسسات الخيرية من المسلمين لا يجوز أن تودع في fixed deposit ويؤخذ عليها الربا، فإن ذلك يكون حراماً. أما السؤال عن النفقات الإدارية لهذه المؤسسة فيرى هذا الملتقى من المناسب اتخاذ الأمور التالية بهذا الصدد:

إن مثل هذه المؤسسات حاجة عامة، لازمة للمسلمين فيتولى بعض أثرياء المسلمين مسئوليتها لابتغاء مرضاة الله تعالى فقط ويتحملون جميع النفقات اللازمة لها، وإذا نالت هذه المؤسسات ثقة في المسلمين بأنها تلعب دوراً كبيراً في تعاون المسلمين المالي وإنقاذهم من المعاملات الربوية وتدار حسب توجيهات العلماء وآرائهم فالأمل القوي أن المسلمين الأثرياء يبادرون إلى القيام بنفقاتها الإدارية بل بالسعي في تقدم المؤسسات وازدهارها ".[16]

هل يعيش هؤلاء العلماء في عالم الواقع؟ أين هؤلاء المسلمين الأثرياء الذين يتحملون نفقات مثل هذه المؤسسات من جيبهم الخاص إبتغاء مرضاة الله. أصلاً لو أرادوا مرضاة الله لما صاروا أغنياء لأن الإسلام يحرّم الكنز، والغنى هو الكنز، كما عرفه الصحابة من أمثال أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي. وإذا كان لهذه المؤسسات أن تنشأ فلا بد لها من أخذ كمية من المال الإضافي من المقترضين للصرف على احتياجات تشغيل هذه المؤسسات.

والإشكال في الإسلام أنه قال لنا إن الله حلل التجارة وحرم الربا، لكنه لم يوضح لنا ماهي التجارة وما هو الربا.، وبالتالي وجد علماء المسلمين أنفسهم في مياه غير مرسّمة عندما تقدم الاقتصاد العالمي وفُتحت أبواب لم تكن معروفة في أيام النبي. ولذلك جاء التخبط في الفتاوى لجهل هؤلاء العلماء بالاقتصاد الحديث.

فقد سأل سائلٌ مجمع الفقه الإسلامي عن التأمين التجاري، فجاء ردهم في دورتهم الأولى، في القرار الخامس، كما يلي: " بعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالاجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا، تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه سواء كان على النفس او البضائع أو غير ذلك. لأان عقد التأمين التجاري من عقود المعارضات المالية الإحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش للأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف ةقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المُؤمّن، وقد لا تقع الكارثة أصلاً فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئاً. وقد ورد الحديث الصحيح عن النبي (ص) " النهي عن بيع القرر". وعقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسيئة فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمّن يدفع للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ، وكلاهما حرام ".

وبهذه الفتوى حكم العلماء على كل اقتصاد الدول الغربية بالدمار لأن التجارة ونقل البضائع براً و بحراً وجواً وبيع الزيت الخام الذي يعتمد على مضاربة الشاري على ماذا سيكون السعر بعد ستة أشهر من الآن، كلها تعتمد على التأمين وإعادة التأمين. وهناك بنوك مثل " لويد" بلندن، تعتمد إعتماداً كبيراً على إعادة التأمين من البنوك الأخرى التي ت}من على شاخنات الزيت الخام التي تحمل زيتاً بملايين الجنيهات في الرحلة الواحدة، وسيكون غرقها كارثة تنهي البنك المؤمن عليها إذا لم يُعد هذا البنك التأمين مع بنك أكبر منه مثل بنك لويد. فإذا حرمّنا مثل هذه المعاملات إنهار الاقتصاد العالمي.

أما التأمين على الحياة فيُحرّمه عدد كبير من العلماء لأنه يحتوي على الغرر. والغرر هو عدم التأكد من تحقق الخدمة المقدمة مقابل الثمن المدفوع. ولما سأل أحد المسلمين مجمع الفقه الإسلامي، كان ردهم في الفتوى رقم 65: " التأمين على الحياة فيه خلاف شديد وهو معروض على المجامع الفقهية وإذا خلا من الربا بعدم استرجاع الأقساط بفوائدها إن عاش بعد السن المؤمن عليها، وكانت هناك حاجة ماسة إليه كما في المهن ذات الخطورة، وخُفف الغرر بأن يُربط التعويض بعدم مجاوزة الدية فلا يبعد القول بجوازه " [17].

وهنا يظهر تخبط العلماء: أولا، ليس هناك أي منطق في قولهم " إذا خُفف الغرر بأن يربط التعويض بعدم مجاوزة الدية". فالغررإما أنه حرام، وبالتالي سيكون حراماً إذا زدنا الغرر أو قلنناه، قياساً بقولهم في الخمر: ما أسكر كثيره فقليله حرام، أو أنه غير حرام وبالتالي لا نحدد قيمته.

وثانياً: ما هي قيمة الدية؟ فالدية حتى عهد قريب، كانت خمسين ألف ريال سعودي، زادت مؤخراً إلى مائة ألف ريال بينما استمرت في حدود الخمسين ألف في دول الخليج الأخرى، ةهذا سوف يجعل كل أهل الخليج يؤمنون على حياتهم في السعودية، على حساب شركات التأمين في الدول الأخرى

ثالثاً: ماذا نفعل مع المسيحي الذي يعيش في بلد مسلم ويريد أن يؤمن على حياته؟ هل نؤمنها على قيمة دية المسلم، وهو غير مسلم، أم نرفض تأمينه لأن الغير مسلم ليست لدمه دية في الإسلام؟

والغرر لا يمكن تفاديه في حياتنا اليومية، فإذا أخذنا مثلاً الموظفين بالشركات أو الحكومة، فالموظف يدفع للشركة 5% من راتبه الشهري على أن تستثمره الشركة وتدفع له راتباً شهرياً بعد تقاعده من الخدمة، أو تدفع راتباً لزوجته وأطفاله بعد موته. وتعتمد كمية هذا الراتب بعد المعاش على عد سنين خدمة الموظف وعلى كمية آخر راتب له بالخدمة. وكل هذه المفردات غير معروفة عندما يبدأ الموظف عمله بالشركة، فلا أحد يعرف كم سنة سوف يعمل بالشركة قبل أن يموت، ولا يعرف أحد كم سيكون آخر راتب له بالخدمة. فهذا كله غرر. فهل نُحرّم راتب التقاعد للموظفين، بما فيهم الشيوخ الأفاضل؟

الزكاة

ويحملنا الحديث عن الربا والاقتصاد الإسلامي إلى الحديث عن مصادر دخل الدولة الإسلامية والزكاة. فالدولة الحديثة تحتاج إلى دخل ثابت تستطيع أن تقدرعلى أساسه كم سيكون دخلها في العام حتى تتمكن من وضع موازنة في أول العام تصرف منها على الجيش والشرطة والتعليم والصحة والبند الإجتماعي الذي يشرف على العاطلين عن العمل والمعوقين وما إلى ذلك.

في معظم البلاد الأوربية تعتمد الحكومة على الضريبة كمصدر الدخل الرئيسي، وإذا كانت الدولة تمتلك حقول نفط، مثل النرويج، يُضاف هذا الدخل على دخل الضريبة، وقد تحتاج الدولة أن تقترض من البنك الدولى أو من البنوك لتسديد العجز في موازنتها. والضريبة على الدخل الفردي في دول الإتحاد الأوربي تبدأ بعشرين في المائة إلى سقف معيّن من الدخل، ترتفع بعده إلى أربعين بالمائة أو أكثر. بالإضافة إلى ذلك تفرض الحكومات ضريبة قيمة إضافية على المشتريات تصل إلى سبعة عشر بالمائة على كل شئ يشتريه المستهلك، وتتحكم الحكومات في أسعار البنزين والمشروبات الكحولية والتبغ وتفرض عليها ضريبة قد تصل إلى مائتين بالمئة. ثم هناك ضريبة على الواردات التي تدخل القطر. والحكومات إذا احتاجت لدخل إضافي تصدر سندات مالية تبيعها للمواطنين بضمان إرجاع المبلغ مع نسبة مضمونة من الربح بعد عدة سنوات. وهذه السندات الحكومية تتعامل بها كل حكومات الغرب وتدر عليها مبالغ طائلة.

فإذا قارنا هذا بدخل دولة إسلامية غير خليجية، لا تملك نفطاً، فسوف يكون كل دخلها من الزكاة وضريبة الواردات وبيع المحاصيل التي تستخرج من الأراضي التي تمتلكها الدولة وبيع منتجات المصانع التي تمتلكها الدولة كذلك، ويعني هذا أن تمتلك الدولة كل سبل الإنتاج، وهذا عكس النظريات الاقتصادية الحديثة.

والزكاة مصطلح إسلامي جاء متأخراً في التشريع الإسلامي، كحل وسط فرضه أغنياء المسلمين على الإسلام. ففي بداية الإسلام عندما كان المسلمون، وخاصة المهاجرون، فقراء، فرض الإسلام على القلة الغنية عدم كنز الأموال: " يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" ( التوبة 34).

وأعتبروا أن الكنز هو ما زاد على حاجة الفرد وأسرته، وحددوا مبلغ أربعة آلاف درهم كحد أعلى للمدخر يصير كل ما زاد عنه كنزاً. ويقال كان الرجل إذا كان تاجراً يمسك لنفسه ألف درهم ليتمون بها ويتجر بها ويتصدق بالباقي بعد أن يقوّمه ذهباً. وإن كان من أهل الضياع والزراعة كان يمسك لنفسه وعياله ما يكفيه لسنته القابلة ويتصدق بالباقي. وإن كان من جملة الصناع يمسك لنفسه قوت ليلة ويتصدق بالباقي ولا يدخر بعد ذلك شيئاً. وبقوا على ذلك زماناً وشق عليهم ذلك ، وخاصة الأغنياء منهم. ولما أحس الرسول بتذمرهم نزلت آية الزكاة: " وخذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكنٌ لهم والله سميع عليم " ( التوبة/103). ونزلت هذه الآية في السنة التاسعة الهجرية بعد غزوة تبوك.

وبسرعة البرق أمسك الأغنياء بها وقالوا إن هذه الآية نسخت آية الكنز، ولذك أصبح حلاً لهم أن يكنزوا أموالهم ما داموا قد دفعوا زكاتها. والزكاة المفروضة ما كانت لترهق كاهلهم إذ أنها نسبة ضئيلة من أموالهم إذا ما قارناها بالضرائب الحديثة. وليس كل شئ عندهم كان خاضعاً للزكاة، فالزكاة في الإسلام تجب في أربعة أشياء فقط:

1-                            السائمة، وتعني الأنعام من جمال وغنم ومواشي

2-                            الخارج من الأرض كالتمر والزراعة

3-                            الأثمان أي النقود والذهب والفضة

4-                            عروض التجارة

فالباب الأول دخله للدولة ضئيل إذ أن زكاته بسيطة. فمثلاً في الجمال تُدفع شاة واحدة عن 24 جملاً. وإذا كان الشخص يملك 120 جملاً فزكاتها حقتان، يعني ناقتان صغيرتان. والزراعة دخلها كذلك بسيط إذ أن الزكاة في ما يُسقى بالمطر العُشر، وفيما يُسقى بالعيون أو بجلب الماء من النهر، نصف العشر أي خمسة بالمائة.

الزكاة في النقود والذهب والفضة ربع العشر أي اثنين ونصف بالمائة. ولا زكاة في حُلى المرأة إذا لم يزد عن القدر المعتاد للبس المرأة بين مثيلاتها في مستواها الاجتماعي، ولذا يستطيع الشخص أن يشتري بما يبقي من دخله حُلى لزوجته ليتفادى الزكاة.

أغلب الدخل للدولة ربما يأتي من عروض التجارة إذ أن الزكاة فيها تتكون من رأس المال والربح كذلك ولا يشترط فيها مرور الحول على الربح، فحَوْل الربح هو حول الأصل أي رأس المال. ولكن الزكاة نفسها اثنين ونصف بالمائة، هذا إذا كانت الدولة تملك إمكانات حديثة تمكنها من حصر دخول التجار حتى تستطيع أن تجمع منهم الزكاة الواجبة عليهم.

أضف إلى ذلك أن الزكاة تجب فقط على المسلم، ولا تجب على الكافر لأن الكفار لا يطهرون بالزكاة كالمسلم، ولا ينمو مالهم بالزكاة مثل مال المسلم. فبلد كمصر خمس أهلها من الأقباط، لا تجب عليهم الزكاة، إنما تجب عليهم الجزية.

وليس هناك ما يفرض على المسلم دفع الزكاة للدولة، ففي خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب كانت الزكاة تدفع لبيت المال ويصرفها الخليفة في أوجه صرفها الشرعية. ولكن في خلافة عثمان بن عفان، قرر الخليفة أن يدفع الأغنياء صدقتهم إلى الفقراء مباشرة، وبهذا فتح للأغنياء باب التهرب من دفع الزكاة.

والمسلم يمكنه دفع الزكاة إلى الفقراء من أهله وأقاربه. فعن أنس ابن مالك أنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه ببرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" قام أبو طلحة إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، وإن أحب أموالي إليّ ببرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله (ص) " بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. رواه البخاري 1416. والصدقة والزكاة في الإسلام شئ واحد.

وأوجه صرف الزكاة محددة بالنص ولا يستطيع الحاكم أن يصرفها في غير هذه الأوجه، وهي: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السيل فريضة من الله والله عليم حكيم " ( التوبة/60). والخليفة عمر بن الخطاب كان قد أوقف الدفع للمؤلفة قلوبهم لأن الإسلام أصبح قوياً في أيامه وما كان يحتاج إلى أن يؤلف قلوب المشركين ليؤمنوا. و" في الرقاب" هم العبيد المملوكين الذين يودون أن يشتروا حريتهم من المالك، وكان بيت المال يساعدهم في دفع ثمن حريتهم. وبما أن الرق أصبح في حكم المعدوم، رغم أن الدول الإسلامية لم تحرمه، فقد قل عدد الذين تُُصرف عليهم الزكاة من ثمانية أصناف إلى ستة. . وهناك اتفاق عام على عدم إعطاء الفقير الغير مسلم منها، رغم أن عمر أعطى منها بعض أهل الذمة. وتجار أهل الذمة يدفعون العشر على صادراتهم ووارداتهم، وكان يجب أن يخصص جزء من هذه الضريبة لفقرائهم لكن الدولة الإسلامية كانت تأخذها لنفسها.

وبما أن الإسلام أباح دفع الزكاة للفقراء مباشرةً، فقد خلق هذا إشكالاً لبعض الدول المسلمة، ففي اليمن مثلاً يدفع الناس الزكاة إلى أقاربهم وتحاول الدولة أن تجمعها منهم، وقد قال بعض السياسيين إن هذا قد يقود إلى حرب الردة، كما فعل الخليفة أبو بكر عندما امتنعت بعض القبائل من دفع الزكاة له، مما أضطر رئيس الدولة، علي عبد الله صالح، أن يقول في خطاب موجه إلى الأمة والعلماء والقادة السياسيين،  خلال مأدبة إفطار كبرى أقامها في القصر الجمهوري في صنعاء "إن الزكاة ركن من أركان الإسلام وهي تدفع للدولة صاحبة الولاية العامة إلا أن البعض يفتي أن يتصدق بها على من وجبت عليهم الزكاة". وأوضح "من أراد أن يتصدق فليتصدق من ماله كيف ما يشاء"، إلا أنه شدد على أن الزكاة "هي فريضة واجبة وهي طهارة تدفع للخزينة العامة لان الدولة هي التي توجد المنافع العامة كالطرقات والمدارس والجوامع والجامعات ومعالجة قضايا المعدمين والفقراء والمحتاجين من خلال الضمان الاجتماعي". وبيّن صالح "أن الدولة تدفع للضمان الاجتماعي مبلغ يفوق الستة عشر مليار ريال في حين لا تتعدى عائدات الزكاة المليارين ريال".[18]

فكيف تستطيع دولة حديثة أن تصرف على كل أوجه الصرف المعروفة في الدول من جيش وشرطة وتعليم ومستشفيات وطرق ووسائل مواصلات زيادة على البند الاجتماعي الذي يصرف على العاطلين عن العمل والمعوقين وغيرهم، من الزكاة التي لا تتعدى اثنين ونصف بالمائة من دخل الفرد وخمسة إلى عشرة بالمائة في الزراعة وعشرة بالمائة في التجارة، بينما الدول الغربية التي تتقاضى ضريبة دخل تفوق الأربعين بالمائة تجد صعوبة في الصرف على كل البنود التي تحتاج إلى صرف الدولة عليها؟

التبني في الإسلام

أي مجتمع، قديم أو حديث، به أطفال مات عائلهم، أو كانوا أطفال سفاح أرادت الأمهات التخلص منهم منعاً للفضيحة، خاصة في المجتمعات القديمة المحافظة. وحتى لا يموت هولاء الأطفال من الجوع، اخترعت المجتمعات القديمة نظام التبني، حيث يتبنى شخص الطفل الصغير ويربيه على أساس أنه طفله البيولوجي. وكان هذا النظام معروفاً لعرب ما قبل الإسلام.

وكان هناك طفل صغير يدعى زيد بن حارثة خرجت به أمه على دابة تريد زيارة أهلها فهجم عليها جماعة من الأعراب أخذوا منها ابنها الصغير وباعوه في سوق عكاظ، فاشتراه ابن أخي خديجة بنت خويلد وأهداه إلى عمته، التي أهدته بدورها إلى محمد بن عبد الله فتبناه محمد وصار يُعرف بزيد بن محمد. ودخل زيد في الإسلام وهو صغبر، ولما كبر زوجه محمد من بنت خالته زينب بنت جحش، وكانت من أجمل نساء العرب. وفي بادى الأمر رفضت زينب أن تتزوج زيد على أساس أنه أقل مرتبةً منها، وإن كان يُعرف بزيد بن محمد. فأنزل الله آيةً على محمد: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله الله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا "[19].

ويقول ابن أسحق : مرض زيد بن حارثة فدخل عليه رسول الله – ص- وزينب بنت جحش امرأته عند رأسه فقامت لبعض شأنها فنظر إليها رسول الله – ص- ثم طأطأ رأسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب والأبصار، فقال زيد أطقها لك يا رسول الله؟ فقال: لا، فانزل الله عز جل: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه أنعمت عليه".[20]

وفي رواية ثانية أن النبي ذهب ليزور زيداً فأرسل الله ريحاً رفعت الستر وزينب متفضلة ( شبه عارية) في منزلها فرأى زينب فوقعت في نفسه ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي- ص- فلما جاء زيد أخبرته بذلك فوقع في نفس زيد أن يطلقها. وقال أبن عباس " وتخفي في نفسك" الحب لها و " تخشى الناس" أي تستحيهم وقيل تخاف وتكره لائمة المسلمين لو قلت طلقها ويقولون أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها.[21]

وعرف زيد في نفسه أن أيامه مع زينب أصبحت معدودة. فذهب إلى الرسول ليخبره أنه أراد أن يطلق زينب. ورغم حب الرسول لها، حاول الرسول أن يقنع زيداً بأن يمسك إليه زوجه. وأخيرا تم الطلاق. وبعد انتهاء العدة، نزلت علي النبي آية تخبره أن الله قد زوجه زينب: " وإذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبدئه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً"[22].  فجاء النبي إلى بيت زينب ودخل بها دون الحاجة إلى عقد قران أو شهود أو صداق.

وبدأ الناس يتحدثون عن النبي الذي تزوج زوجة ابنه، وكان هذا مكروهاً في الجاهلية، فأنزل الله: " ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليماً " [23].

ولإكمال الانفصال نهائياً بين الرسول وزيد أنزل الله: " أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فأخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً"[24]

وبهذا أصبح التبني في الإسلام حراماً وانتهى نظامٌ كان يحفظ الأطفال من الضياع. وهناك في العالم الإسلامي الآلاف المؤلفة من الأطفال الأيتام واللقطاء من أبناء السفاح لا يستطيع أحد أن يتبناهم لأن التبني حرام. وهناك آلاف المتزوجين الذين ليس باستطاعتهم الإنجاب، وكان يمكنهم أن يتبنوا هؤلاء الأطفال.

وليس هناك أي منطق مقنع لتحريم التبني إذ كان ممكناً أن يتزوج الرسول زينب بعد أن طلقها زيد، ويبقى التبني كما كان. ولكن ليسكت الله الألسنة التي تكلمت عن محمد الذي تزوج طليقة ابنه، حرّم الله التبني، ودفع أطفال المسلمين الذين لا أب لهم الثمن. فكل أبناء السفاح في العالم الإسلامي تشرف عليهم مؤسسات حكومية أو أهليه لا تعطيهم الحب والحنان الذي كان يمكن أن ينالوه من الوالدين بالتبني.

الخمر

الخمر هو مشروب يحتوي على كميات متفاوتة من الكحول، ويصنع من العنب،  ويرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد. ويرجح المؤرخون أن شجرة العنب Vitis vinifera زُرعت في الشرق الأوسط حوالي عام 4000 قبل الميلاد. والمخطوطات المصرية القديمة التي يرجع تاريخها إلى عام 2500 قبل الميلاد ذكرت صناعة الخمر من العنب [25]. والتوراة تذكر أن نوح زرع العنب بعد الفيضان وصنع منه خمراً أسكرته وجعلته ينام مكشوف العورة في خيمته[26] . وأخذ الإغريق شجرة العنب وزرعوها في مستعمراتهم من البحر الأسود إلى اسبانيا.

والعرب من قبل الميلاد كانوا يعرفون الخمر التي كانت الوسيلة الوحيدة للترفيه عندهم وسط حياتهم القاحلة، مثل صحرائهم الشاسعة. فقد وجد علماء الحفريات في اليمن كتابةً منحوتةً في الحجارة يرجع تاريخها إلى عام 132 ميلادية كتبها رجل يدعى عبيدو بن غانمو بن سعدلات النبطي، دونها بمناسبة تقديمه مذبحين إلى الإله    " شيع القوم" الذي لا يشرب الخمر وهو حامي القوافل. وأكثر الكتابات تذكر جملة " الذي لا يشرب الخمر" بعد اسم هذا الإله. ويظهر أن طائفةً من الناس حرّمت شرب الخمر ودعت إلى مقاطعتها واتخذت " شيع القوم" حامياً وإلهاً لها [27].

وشعراء الجاهلية تفننوا في وصف الخمر والسعادة التي كانت تجلبها لهم.

ألا هبي بصحنك فاصبحينا                 ولا تدعي خمور الأندرينا

مشعشعةٌ كأن الحُص فيها                   إذا ما الماء خالطها سخينا

تجور بذي اللبانة عن هواه                 إذا ما ذاقها حتى يلينا

ترى اللحذ الشحيح إذا أُمرت               عليه لماله فيها  مهينا[28]

وجاء الإسلام ولم يذكر الخمر طوال الفترة المكية ( 13 سنة) التي كان المسلمون فيها يشربون الخمر، وفي المدينة استمروا كذلك لمدة ثلاثة إلى ثمانية أعوام قبل أن تحرم الخمر. وبدأ التحريم بسورة البقرة الآية 219  " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما". واستمر المسلمون في شربها حتى أتى يوماً عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف في رواية أخرى، إلى الصلاة وكان سكراناً فلخبط في قراءة القرآن، فنزلت الآية 43 من سورة النساء " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون". فاستمروا في شربهم لكن تفادوا الحضور إلى الصلاة حتى علموا ما يقولون.

ويقال أن العباس عم النبي سكر يوماً مع بعض أصحابه، وكان لعلي بن أبي طالب ناقتان خارج المنزل الذي سكر فيه العباس، فخرج العباس وبقر الناقتين وأخذ أكبادهما، فذهب عليّ بن أبي طالب للنبي يشتكي عليه العباس، وجاء النبي ورأى ما صنع العباس ولم يعجبه ما رأى فنزلت الآية 90 من سورة المائدة: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله ". ويقال إن الآية نزلت بعد أن سكر جماعة من الأوس والخزرج في جلسة وتفاخروا بأيامهم الماضية وكادوا أن يحتكموا للسيوف، فلما علم الرسول بذلك نزلت الآية.

وحتى بعد هذه الآية استمر نفر من المسلمين في الشراب لأنهم لم يقتنعوا بأن الإسلام قد حرم الخمر. فحكى شعيب عن سيف عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا: كتب أبو عبيدة إلي عمر: أن نفراً من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتأولوا، وقالوا: إن الله خيرنا فاخترنا، فقد قال:   " فهل أنتم منتهون" ولم يعزم علينا. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، " فهل أنتم منتهون" يعني " فانتهوا". فكتب عمر إلي أبي عبيدة أن ادعهم فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين. فبعث اليهم فسألهم علي رؤوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين [29].

وبمجرد إنتهاء الخلافة وقيام الدولة الأموية أصبح شرب الخمر مباحاً وصدح بذلك الشعراء، وكثرت مجالس اللهو. ثم جاءت الدولة العباسية وتفنن شعراء المجون في وصف الخمر والقيان والغلمان، ووصف مجالس الخلفاء وسهراتهم. وما عاد الفقهاء يحفلون بتحريم الخمر إذ كان همهم الأول إرضاء الخلفاء أو على أقل تقدير، عدم إغضابهم لكي لا يحرموا وعاظ السلاطين من عطاياهم السخية.

وفي البلاد الإسلامية الآن ليس هناك بلد إسلامي واحد ليس فيه خمور وشاربون لها من المسلمين. ففي كل دول الخليج بما في ذلك السعودية تسمح الدولة للسفارات والبنوك الأجنية باستيراد كميات كبيرة من الكحول لصرفها لموظفيهم غير المسلمين، وتجد الغالبية العظمى من هذه المشروبات طريقها للسعوديين الذين يدفعون ثمناً باهظاً لها. وهناك في السعودية ودول الخليج آلاف من الناس يشربون " الكولونيا" لأن بها نسبة معينة من الكحول. وفي دول الأمارات العربية والبحرين تبيع الفاندق المشروبات الكحولية للمواطنين والأجانب. والبلاد الإسلامية غير المتشددة مثل لبنان ومصر والمغرب يباع فيها الكحول علنياً.

وهناك من يجادل في مشروعية تحريم الخمر، لأن القرآن كان صريحاً في المحرمات وقال : " حُرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبح على النصب وأن تستقسموا بالازلام" [30] وكذلك قال: " حُرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ......" [31]. وكذلك قال: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرّم الربا "[32]

وحتى في المرات القليلة التي لم يذكر فيها التحريم صراحة، قال القرآن " لا تفعلوا" بالنهي الصريح كما قال في الآية 95 من سورة المائدة: " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ".

ولكن في قصة الخمر فقد قال القرآن : " إنما الخمر والميسر والازلام رجس من عمل الشيان فاجتنبوه "، وهذه قد تفسر على أساس أنها موعظة من الله للمسلمين أن يجتنبوا الخمر إن أرادوا تجنب الضرر خاصةً أنه قال فيها منافع للناس وضررها أكثر من نفعها. فالنصيحة بالاجتناب ليست تحريماً، خاصة أن القران قال: يسألونك عن المحيض قل هو أذي فاعتزلوا النساء في المحيض "[33]. فهذه كذلك نصيحة من الله أن نعتزل أو نجتنب النساء في المحيض، وليس هناك عالم واحد يقول أن مجامعة النساء في المحيض حرام ويجب أن يُجلد الفاعل ثمانين جلدة. يقول العلماء أنه مكروه ولكن ليس عليه عقاب، والقرآن قد استعمل كلمات متشابهة فقال           " فاجتنبوه" في حالة الخمر،  و " فاعتزلوا النساء" في حالة المحيض.

ثم ما الحكمة في تحريم الخمر وفيه منافع للناس غير السرور الذي تجلبه عليهم إذا لم يسكروا. فمن ضمن فوائد الخمر منع تصلب شرايين القلب وبالتالي التقليل من نسبة الإصابات بالذبحة الصدرية. وكذلك المرضى الذين يصابون بكسور في العظام ويدخل نخاع العظام في دمهم ويسبب لهم جلطة دهنية Fat embolism يكون علاجهم بحقن الكحول في الوريد. والمرضى الذين يشربون ماء مبرد السيارات Radiator كذلك يكون علاجهم بحقن الكحول في الوريد.

وحتى بدوت هذه الفوائد لماذا يُحرم الخمر لأن بعض الناس شرب أكثر من اللازم فسكر وأتى بما لا يُرضي الناس، بينما الغالبية من الناس تشرب لتنتشي ولا تسكر. فالذي يُسرف يضر بنفسه، وينطبق هذا على كل شئ حتى الطعام. فأغلب الناس يأكلون كميات معقولة من الطعام ولا يصيبهم ضرر، ولكن هناك أفراد يبالغون في الأكل فتصيبهم السمنة الزائدة التي تضر بهم ويمكن أن تتسبب في موتهم. فهل لأن الطعام أضر ببعض الناس نحرّمه على الباقين؟ وقد قال الرسول " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء". فالحمية في كل شئ مهمة، وكان يمكن أن يقول نفس الشئ عن الخمر، فالحمية فيه رأس الدواء.

المحرمات الأخرى

يعتقد علماء الإسلام أن الإنسان يجب أن يقضي يومه في رعي الإبل والصلاة وذكر الله فيما بين ذلك، ويقضي ليله في الصلاة وتلاوة القرآن والجماع لينجب أكبر عدد من الأطفال ليزيد بهم عدد المسلمين. ويجب على الإنسان أن يتحاشى كل ما يشغله عن ذكر الله. وحياة الإنسان العربي أصلاً كانت جافة جفاف الصحراء التي عاش فيها. فلم يكن له ما يستمتع به غير الشعر وشرب الخمر والغناء والعزف على آلات موسيقية بدائية مثل الدف والطنبور.

فجاء الإسلام فحرم عليهم الخمر، ثم قال الرسول إن أكثر ما يكره هو الشعراء، قال: " ولم يكن من خلق الله أحدٌ أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إن الأبعد ( يعني نفسه) لشاعرٌ أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً! لأعمدن إلي حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن " [34]. فالرسول أراد أن يقتل نفسه حتى لا يقول الناس عنه إنه شاعرٌ أو مجنون. فأنزل الله:  "الشعراء يتّبعهم الغاوون ". فأصبح الشعر في حكم المكروه.

ثم أكمل العلماء ما تبقى فحرموا الغناء والموسيقى والرقص، ولذا لم تتطور آلات الموسيقى العربية طوال هذه القرون، بينما نجد في الكنائس المسيحية الغناء والموسيقى والخمر. وهناك علماء محدثين وقدماء أباحوا الاستماع للموسيقى، ولكن الغالبية من العلماء مثل المودودي وسيد قطب وحسن الترابي والغنوشي والهضيبي يحرّمون سماع الأغاني والموسيقي ولم يكتف العلماء بذلك فحرّموا الرسم والنحت والتصوير لأن كل هذه الأشياء تشغل الناس عن عبادة الله، والإسلام يطلب منا أن نقوم الليل إلا قليلاً نتهجد لله.

ولتكملة الصورة قالوا إن اللعب بأوراق الكوتشينة حرام واللعب بالشطرنج كذلك حرام، وقال عبد الله بن عمر إنه، أي الشطرنج، شرٌ من النرد، وقال عليّ بن أبي طالب إنه من الميسر، وقال بتحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي [35]. وبالطبع حرّموا التدخين كذلك. فماذا بقى للمسلم ليملأ وقته غير الصلاة وقراءة القرآن؟


[1]  سورة المائدة، الآية 3

[2]  سورة الأنعام، الآية 145

[3]  سورة المائدة، الآية 5

[4]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 147

[5]   العُجاب في بيان الأسبان، للعسقلاني، الطبعة الأولى، دار ابن حزم، بيروت، 2002، ص 460

[6]  تفسير غريب القرآن لابي محمد عبد الله مسلم بن قتيبة تحقيق السيد احمد صقر ص 496، 1978 دار الكتب العلمية- بيروت

[7]  النص المؤسس ومجتمعه، خليل عبد الكريم، منشورات الجمل، دار مصر المحروسة، القاهرة عام 2002، ص 171

[8]  سورة الروم، الآية 39

[9]  سورة البقرة، الآية 275

[10]  العجاب في بيان الأسباب للعسقلاني، دار ابن حزم، بيروت 2002، ص 461

  صالح العلي، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية ، ص 243/ نقلاً عن وعاظ السلاطين: د. عليّ الوردي، ص 74  [11]

  صالح العلي: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية  ص 263 [12]

[13]  المصدر: www.fatawa.al-islam.com

[14]  إيلاف الالكترونية، عدد 5 أكتوبر 2003، نقلاً عن الراية القطرية www.elaph.com

[15]  إيلاف الالكترونية، عدد 31 أغسطس 2003، نقلاً عن الراية القطرية www.elaph.com

[16]  http://www.al-islam.com

[17]    www.fatwa.al-islam.com

[18]  صحيفة إيلاف الالكترونية، عدد 19 نوفمبر 2003

[19]  سورة الأحزاب، الآية 36

[20]   السيرة النبوية لابن اسحق، المجلد الاول، ص 339

[21]  تفسير القرطبي لابي عبد الله محمد بن احمد الانصاري القرطبي، المجلد الثامن

[22]   سورة الاحزاب الاية 37

[23]  سورة الأحزاب، الآية 40

[24]  سورة الأحزاب، الآية 5

[25]  الموسوعة البريطانية للعلوم Encyc. Brittanica: under history of wine

[26]  سفر التكوين، الإصحاح 9، الآية 20

[27]  تاريخ العرب قبل الإسلام" د. جواد علي، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، بغداد 1951، المجلد الثالث ص 8

[28]  معلقة عمرو بن كلثوم

[29]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 507

[30]  سورة المائدة الآية 3

[31]  سورة النساء الآية 23

[32]  سورة البقرة الآية 275

[33]  سورة البقرة الآية 222

[34]  تاريخ الطبري، المجلد الأول، ص 532

[35]  تفسير ابن كثير للآية 90 من سورة المائدة

 

الفصل السادس

الارتداد والتكفير

ثلاثة عشر عاماً قضاها محمد في مكة محاولاً إقناع  أهلها بدينة الجديد، فلم يقتنع معه إلا أبو بكر وبلال وحفنة من المستضعفين. حدثنا بحر بن نصر الخولاني عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله (ص) وهو بعكاظ، قلت: يارسول الله، من تبعك علي هذا الامر؟ قال: اتبعني عليه رجلان؛ حرٌ وعبد: أبوبكر وبلال[1].  ثم أمره الله أن يُنذر عشيرته الأقربين: " وانذر عشيرتك الأقربين"[2]. ولكن حتى عشيرته الأقربين لم يؤمنوا بدينه الجديد، وظل عمه أبو طالب الذي رباه مشركاً إلى أن مات، وعمه أبو لهب مات كافراً مغضوباً عليه من الله. والقلائل الذين آمنوا أضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة لتفادي بطش قريش.

ثم هاجر محمد إلى المدينة وقويت شوكته بالأوس والخزرج، فأعلنها حرباً على الكفار بعد أن نزلت عليه سورة البقرة تبيح له قتالهم. وبعد أن أنجذ  الرسول خمس وثلاثين سريةً وغزوة [3]، منها ما اتسم  بعنصر المفاجأة ليلاً أو في الساعات الأولى من الصباح، وبعد حصارٍ لبعض القبائل استمر أسابيعاً، استطاع الرسول أن يأسلم الجزيرة العربية بحد السيف. وكان القرآن قد هدد المسلمين بالمدينة إذا لم يخرجوا لحرب الكفار فسوف يعذبهم الله: " ألا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شئ قدير "[4]. وقال الرسول لأصحابه: " أُمرتُ أن أحارب الناس حتى يوقولوا لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". رواه مسلم في صحيحه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: " كانت العرب لا دين لها، فأكُرهوا بالسيف "[5].  ومن البديهي أن هؤلاء الناس لم يدخلوا الإسلام طوعاً ولم يعتنقوه عن طريق المنطق والإقناع، ولذلك كان تمسكهم به واهناً. وظهرت هذه الحقيقة عندما سمعت قبائل العرب بموت الرسول فارتدت منها قبائل عديدة.

ورغم أن القرآن يقول: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"[6]، وكذلك " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ( الكهف/29)، إلا أن الخليفة أبو بكر قرر أن يقاتل المرتدين ويرجعهم إلى دين الإسلام قهراً. وهذا، لا شك، إجتهاد من أبي بكر أتى بعكس ما قال القرآن صراحةً. وبدل أن يبيّن له بقية المسلمين مخالفته لصريح قول الله، تمسكوا بما فعل أبو بكر وجعلوه من صميم الإسلام، وصار الحكم بالارتداد عن الإسلام وقتل المرتد ركناً سادساً من أركان الإسلام يكافأ من يقوم به بالجنة. ونسبةً لتنافس المسلمين على الجنة، صاروا يتسارعون باصدار فتاوى الإرتداد على كل من تفوه بشئ لا يعجبهم أو أتهمه خصمه بأنه تفوه بشئ ضد الرسول أو أحد زوجاته أو أحد الصحابة الذين أصبحوا معصومين لكونهم عاصروا الرسول، والرسول نفسه لم يكن معصوماً عن الخطأ، فقد أخطأ عندما عبس في وجه ابن أم مكتوم الأعمى فأنبه الله بقوله: " عبس وتولى إن جاءه الأعمى". والقرآن نفسه قال للرسول: " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ " ( الكهف 110). والبشر طبعاً غير معصوم.

وانتهز فرصة التكفير هذه أناس كانوا أبعد ما يكون عن الإسلام من أمثال الحجاج ابن يوسف الذي كفّر الشيعة وقتل منهم أعداداً تضاهي ما قتله الرسول من اليهود. وفي العهد العباسي، الذي كان مشبعاً بالخلفاء الماجنين الذين اعتبروا الإسلام بكاءً عند المواعظ ومجزرة عند جمع الخراج، أفتى وعاظهم بتكفير المعتزلة وأحرقوا الحلاج حياً ومصلوباً على صليبٍ من الخشب كأنه المسيح، غير أن الذين صلبوا المسيح كانوا أكثر إنسانيةً فلم يحرقوه.

وفي السودان كان هناك ضابطٌ ( جعفر النميري) اغتصب الحكم عن طريق انقلاب عسكري رغم أن الإسلام يقول " وأمرهم شورى بينهم " ونصّب نفسه أميراً للمؤمنين، مع العلم أنه كان من أكثر الناس مجوناً وعربدةً، ثم أفتى بارتداد المفكر محمود محمد طه وأمر زبانيته من الشرعيين أن يُصدروا عليه حكم الشريعة، ففعلوا وشنقوا محمود محمد طه والرجل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وتناسى هؤلاء الزبانية الشرعيين أن زيداَ بن حارثة كان على رأس سرية مرت باعرابي يرعى أغنامه، فارادوا أخذ الأغنام منه، فقال لهم الرجل إنه مسلم ونطق بالشهادتين. ولكن رغم ذلك قتله زيد وأخذ أغنامه. ولما حاسب النبي زيداً برر فعلته بأن القتيل لم ينطق بالشهادة رغبةً في الإسلام وإنما للتخلص من القتل، فرد عليه النبي: " هلا شققت عن قلبه ؟ " ويعتبر هذا الرد من النبي مانعاً لاختبار النية في حالة النطق بالشهادتين[7]

و في افغانستان في أغسطس عام 1998 قال المولى مانون نيازي عن قبيلة الحزارة الشيعية: " الحزارة غير مسلمين، يمكنكم قتلهم، فدمهم مباح ولا يمثل قتلهم جريمة"[8]. وقد قتلت حركة الطلبان اعداداً هائلة من الحزارة،[9] على أساس أنهم مرتدين عن الإسلام.

وفي السعودية قال الشيخ علي خرسان من مؤسسة الدعوة، ومن الداعين للوهابية، قال عن الشيعة:   " هؤلاء الناس كفار لأنهم لا يتّبعون السنة المحمدية، ويدعّون أن القرآن غير كامل ويكرهون السنيين".[10] وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز أصدر مجموعة فتاوى ومقالات تتهم الشيعة بعبادة أهل البيت  ووصفهم بأنهم أهل بدع كالخوارج، وهذه الفتوى صادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. و هناك كذلك فتاوى للشيخ عبد الله بن جبرين حول وجود الشيعة الذين يعملون  في المؤسسات الحكومية وأمره بالتضييق عليهم  وإهانتهم ووصفهم بالشرك ومن الواجب قتالهم حسب زعمه وصدرت له هذه الفتوى  بتاريخ 23/8/1421هـ [11].

وفي مصر كفّر مشايخ الأزهر  طه حسين ونجيب محفوظ وسعيد العشماوى وسيد القمنى والمرحوم فرج فوده[12] الذي طعنه مسلم جاهل، سأله قاضي المحكمة لماذا قتل فرح فوده، فكان رده أن الرجل أرتد بما كتب عن الإسلام، فسأله القاضي إن كان قد قرأ الكتاب المعني، فأجاب بالنفي. لكنه رغم ذلك قتله لأن مشايخ الأزهر قالوا إنه مرتد.

وفي الدمام بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية أتهم طلاب من إحدى المدارس المتوسطة أحد أساتذتهم بالردة عن الإسلام لأنه تفوه بعبارات اعتبروها منافية للإسلام. هؤلاء الطلاب تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة عشر والرابعة عشر. وضعت السلطات الشرعية الأستاذ بالحبس في انتظار محاكمته بالردة على أساس أنه شوش عقول الطلاب بنشر الفكر الحداثي والعلماني، وأنه أباح لطلابه أحكاماً محرمة في الإسلام كالغناء والعادة السرية والزنا واللواط. وبناءً على تحليله للزنا واللواط فقد طالب الإدعاء العام بتنفيذ حكم الردة فيه.. ورغم أن الأستاذ، وهو خريج جامعة إسلامية عريقة، قد أنكر ما قال طلبته ونطق بالشهادتين أمام القاضي، وطالب بإبطال القضية وفقاً للقاعدة الفقهية المعمول بها في القضاء السعودي التي تنص على أن مجرد نطق المدعي عليه بالشهادتين يبطل تهمة الردة، لأن الشهادتين تدخلان الكافر أصلاً في الإسلام، ولكن القاضي رفض أن يطلق سراحه، وما زال رهن الحبس في انتظار المحاكمة[13]. وقد أدلى زملاؤه الأساتذة بشهاداتهم أمام المحكمة وذكروا أن المتهم يثني على الأديب الراحل طه حسين، ويأتي بكتبه إلى المدرسة، كما أشاروا بأنه يُجاهر بكونه تلميذاً للدكتور عبد الله الغذامي أستاذ النقد الأدبي في جامعة الملك سعود ( وهذا الأكاديمي متهم من الإسلاميين بالحداثة) وذكروا أن المتهم قال في مرة: " نزار قباني صلى الله عليه وسلم " [14]. فالمجاهرة بالإعجاب بطه حسين أو بأستاذ يتهمه الإسلاميون تعد ارتداداّ عن الإسلام.

ولعدة عقود مضت كانت المملكة العربية السعودية مفرخاً ناشطاً في تفريخ أئمة التكفير من أمثال الشيخ بن خضير الخضير وشلته الذين كفّروا القاصي  والداني وكل من لا ينتمي إلى مذهبهم الوهابي. وكنتيجة حتمية لملئ عقول الشباب بهذه الفتاوى التكفيرية، تخرّج على أيديهم نفرٌ غير قليل من مغسولي الأدمغة الذين أصبح كل همهم تفجير أنفسهم في وسط " الكفار"، سواء أكانوا غربيين أم عرباً مسلمين ولكن ليسوا وهابيين.  وكنتيجة للتفجيرات العديدة التي حدثت مؤخراً في الرياض، اضطرت الحكومة السعودية إلى اعتقال الشيخ الخضير وزملائه التكفيريين، الذين ظهروا لنا على شاشات التلفزيون يذرفون الدموع ويعلنون توبتهم ( التي لا شك أنهم أُجبروا عليها تحت التعذيب)، ويطلبون من الله الصفح والمغفرة. وقال الخضير عن الذين يفجرون أنفسهم: " بل هو انتحار وحرب وفاعلوه ليسوا بمجاهدين بل بغاة وخوارج ". وقال عن فتواه التي كان قد أصدرها بحق التسعة عشر المطلوبين للسلطات السعودية، وكان قد وصفهم في حينه بالمجاهدين: " لقد صوروا أنفسهم أبرياء، وقد أصدرنا بأنهم مجاهدون وكان ينبغي لنا التروي في الفتوى ".

ويبدو أن إثم الكفر فيه درجتان: كفر أكبر وكفر أصغر. فقد قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للملكة العربية السعودية: " لقد درس مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداءً من تاريخ 2/4/1419 ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير وما ينشأ عنه من سفك الدماء وتخريب المنشآت. ونظراً إلى خطورة هذا الأمر وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة وإتلاف أموال معصومة وإخافة للناس وزعزعة لأمنهم واستقرارهم فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك نصحاً لله ولعباده وإبراء للذمة وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليه الأمر في ذلك فنقول وبالله التوفيق:

أولاً.. التكفير حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإجابة إلى الله ورسوله فكذلك التكفير وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل يكون كفراً أكبر مخرجاً عن الملة. ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة. وإذا كانت الحدود تُدرأ بالشبهات مع أن ما بترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير فالتكفير أولى أن يُدرأ بالشبهات، لذلك حذر النبي (ص)  من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر فقال: " أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه". .. والتسرع في التكفير تترتب عليه أمور خطيرة من استحلال الدم والمال ومنع التوارث وفسخ النكاح وغيرها مما يترتب على الردة فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة. وإذا كان هذا في ولاة الأمر كان أشد لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم وإشاعة الفوضى وسفك الدماء وفساد العباد ولهذا منع رسول الله  (ص) من منابذتهم فقال: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان". فإنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة ولا يكفي الفسوق ولو كبر كالظلم   وشرب الخمر ولعب القمار والاستئثار المحرم" [15].

وقد خيّم الصمت على هؤلاء العلماء عندما كان الشيخ عبد العزيز بن باز و الشيخ عبد الله بن جبرين يكفرون الشيعة وغيرهم.  ولكن الآن بعد أن دارت الدائرة على الذين أججوا نار التكفير،  تحدث العلماء وأوصوا بالتريث.

والتكفير يجب أن يكون بدعة ما دام الشخص ينطق بالشهادتين. و ليس هناك أي دين آخر، سماوي أو غيره، يحكم على تاركه بالموت لأنه قرر أن يتبنى عقيدة أخرى. ونفس هؤلاء المشايخ الذين يحكمون بالموت على من ارتد عن الإسلام، يرسلون مبشريهم إلى دول العالم الغربي وإلى إفريقيا ليحولوا المسيحيين إلى الإسلام. ويبتهج ويهلل هؤلاء المشايخ عندما يسلم أحد المشاهير المسيحيين من أمثال الملاكم محمد علي كلاي الذي كان اسمه كاسيوس كلاي قبل أن يسلم. وعندما أسلم المغني الإنكليزي كات ستيفن وأصبح اسمه يوسف إسلام، امتلأت صحفهم وإذاعاتهم بهذا النصر العظيم. فكيف يبرر هؤلاء المشايخ تجنيد المسيحيين للإسلام وقتل المسلمين إذا أصبحوا مسيحيين؟  ألم يأمرنا القرآن أن نؤمن بموسى وعيسى وجميع النبيين؟

وكيف يدعي شخص أنه من علماء الإسلام وفي نفس الوقت يخالف صريح النص القرآني الذي يقول " لا إكراه في الدين" ؟ وأكثر من ذلك يقول القرآن: " ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" ( البقرة/217). وكذلك يقول: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" ( المائدة/54). فالله يقول سوف يعاقب الذين يرتدون عن دينهم بإدخالهم النار

يوم القيامة، ولم يقل لوكلائه في الأرض اقتلوهم.

ثم إذا كان الإسلام بالسماحة التي يدعيها مشايخه، وأنه دين يحترم العقل ويحترم إرادة الإنسان، لماذا نفرض على شخص لم يختر الإسلام ديناً إنما فُرض عليه لكونه ولد في عائلة مسلمة وأسلموه وهو صغير لا خيار له في الأمر، لماذا لا نسمح له باستعمال عقله ليقارن بين الأديان ثم يختار ما يراه مناسباً له إن أراد أن يكون ذا دين؟ أم أن مشايخ الإسلام يخافون على الإسلام من منافسة الأديان الأخرى إذا خضع الإسلام للعقل والمنطق مع بقية الأديان؟

احتكار الحق

يعتقد المسلمون أنهم هم وحدهم الذين يملكون الحقيقة ولا أحد غيرهم يعرف عن الله شيئاً. وهم وحدهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعليه يكون المسلمون هم خير أمةٍ أخرجت للناس. ويتجاهل الشارحون للقرآن أن الآية تستعمل الفعل الماضي حين تقول: " وكنتم خير أمة أخرجت للناس". والمقصود هنا أمة النبي إبراهيم الذي قال عنه الرسول إنه أب الأمة العربية عن طريق ابنه إسماعيل. ولما كان الرسول يقول إن دينه الإسلام هو ملة إبراهيم حنيفاً، وإن العرب كانوا أمةً واحدة في الإيمان بدين إبراهيم والتوحيد بالله، ثم تفرقوا وارتدوا لعبادة الأصنام، لم يعودوا خير أمة أخرجت للناس. ولذلك قال القرآن: " كنتم خير أمة". أما لما تحدث القرآن عن الوضع المعاصر للعرب، قال: " الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم "[16] . فالعرب أجهل الناس بحدود ما أنزل الله على نبيه، ولذلك جعلوا هذه الحدود مطاطية لتسمح لهم بقتل واضطهاد من يخالفهم الرأي.

وأول اضطهاد الغير بدأ في زمن الرسول حين فرض الجزية على غير المسلمين في دولته الجديدة، حين نزلت عليه سورة التوبة، الآية 29: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".

وقال عكرمة في شرح هذه الآية: " يدفعها وهو قائم والمسلم جالس "، فلما بيّن بعض المسلمين أن الرسول قال: " اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى"، واليد العليا هي التي تعطي واليد السفلى هي التي تأخذ، قال: " هذا ينطبق على الصدقة، ولكن في الجزية يكون العكس فتصبح اليد الآخدة هي العليا واليد المعطية هي السفلى لأن الله هو الخافض الرافع، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ولذلك جعل يد المسلم هي العليا وإن كانت آخذة "[17].

وذهب الإمام مالك أبعد من ذلك في تفسير هذه الآية، فقال: " قوله عن يدٍ وهم صاغرون تعني عن قهرٍ لهم وهم ذليلون  حقيرون مهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء." وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي (ص) قال: " لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه "[18].

فما دام الله، الرافع الخافض، قد رفع المسلم فوق أهل الكتاب، لا بد أن يكون المسلم هو الأقرب إلى الله وهو وحده على حق وغيره على باطل. وعليه فالمسلم هو الوحيد الذي يمتلك الحقيقة. وما دمنا نحن مُلاك الحقيقة دون غيرنا، فأي شخص لا يقول بقولنا ولا يفعل فعلنا يكون قد فارق جادة الطريق، ولذلك وجب علينا أن نضطرهم إلى أضيق الطرق ونضطهدهم حتى يعودوا لرشدهم ويقولوا بقولنا.

وهذا ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب في اتفاقيته المشهورة مع نصارى الشام، حين فرض عليهم ألا يلبسوا لبس المسلمين، وأن يجزوا نواصي رؤوسهم ولا يلبسوا عليها عمامة أو أي غطاء حتى يعرفهم المسلمون من على البعد، وعليهم أن يترجلوا عن دوابهم إذا مروا بمسلم، وعيهم كذلك القيام من مجالسهم وإعطائها للمسلم إذا رغب في الجلوس، وعليهم ألا يدقوا نواقيس كنائسهم ولا يرفعوا أصواتهم بصلواتهم .

وقد خطب عمر بن الخطاب في المسلمين فقال: "  ألا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله، فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان، أمة مستعبدة للإسلام وأهله، يجزون لكم، يُستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباهم، عليهم المؤونة ولكم المنفعة، وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجؤون إليه، ولا مهرب يتقون  به[19]

فلا يكفي أن نضطهدهم بل يجب أن نستغلهم اقتصادياً ونجعلهم يكدحون حتى ترشح جباههم عرقاً ونأخذ نحن ما يكسبون من جهدهم. وهذا ما فعلته الدولة الإسلامية التي كانت تفرض على التجار الذميين عشرة بالمائة ضريبةً على تجارتهم إضافة على الجزية، ولكن حُرموا من أي نصيب في الزكاة لأنها تُدفع فقط للمسلمين.

ومنذ أن دخل عمرو بن العاص مصر التي كانت مسيحية في ذلك الوقت، أصبح اضطهاد ما بقى من أقباطها على دينه، السياسة الرسمية للدولة المصرية، قديمةً وحديثة. فقد أفتى أبو الأعلى المودودى والذى يعد مرجعاً هاماً للتيار المتشدد يقول فى كتابه حقوق أهل الذمه "لا يحق لهم، أى أهل الذمة، ان يتولوا عضوية مجلس الشورى أو أن يشتركوا فى إنتخاب الرجال لهذه المناصب "، ويقول أيضاً بناء على هذا المبدأ وفى نفس الكتاب: "قد أُستُثنيّ أهل الذمة من الخدمة العسكرية، وجُعل الدفاع عن الوطن الإسلامى من واجب المسلمين وحدهم، وذلك لأن الدولة التى تقوم على مبدأ، لا يقاتل من ورائها ولا ينبغى أن يقاتل، إلا الذين يؤمنون بصدق ذلك المبدأ" [20]

فالأقباط في مصر لا يحق لهم تولي المناصب الرئاسية في المؤسسات الحكومية حتى لا يكوموا في موقف يجعلهم أعلى من الموظفين المسلمين -والمادة الثانية من الدستور المصري تنص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً، وهناك عشرة شروط (  الشروط العشرة للعزبي باشا وكيل وزارة الداخلية سابقاً ) لبناء الكنائس بمصر، والأقباط ممنوعون من دخول جامعة الأزهر (الدراسات العلمية) الممولة من ميزانية الدولة في الوقت الذي تعطى فيه المنح المجانية لأي مسلم من أي دولة في العالم، وهناك الجماعات الإسلامية التي استحلت أموال الأقباط حسب فتوى الشيخ  عبد الرحمن ( المسجون حالياً في أمريكا)[21]..

وهناك عدة حوادث اعتداء على الأقباط وكنائسهم بمصر، نذكر منها على سبيل المثال:

/11/72 منطقة الخانكة –القاهرة حرق كنيسة وإتلاف عدة محلات تجارية مملوكة للأقباط
مارس 79 القاهرة حرق كنيسة قصرية الريحان الأثرية بمصر القديمة
يناير 80 الإسكندرية الهجوم على بعض الكنائس
يونيو 81 القاهرة هجوم مسلح على الأقباط بمنطقة الزاوية الحمراء يسفر عن مقتل أحد القساوسة وحرق 22 عائلة مسيحية وتدمير عشرات الصيدليات والمحلات المملوكة لأقباط
سبتمبر 88 القاهرة- روض الفرج حرق كنيسة وتدمير محتوياتها
نوفمبر 88 كنيسة العذراء شبرا – القاهرة إلقاء عبوة متفجرة أثناء حفل زفاف
12/5/90 عين شمس –القاهرة إلقاء عبوة ناسفة على كنيسة السيدة العذراء
سبتمبر 93 ديروط –أسيوط مهاجمة ثلاثة متطرفين للكنيسة الإنجيلية
مارس 94 دير المحرق إطلاق النار على زوار وآباء الدير أدى إلى مقتل خمسة أقباط
مارس 96 كفر دميان –الشرقية الهجوم على مساكن ومحلات الأقباط والكنيسة
فبراير 97 قرية الفكرية المنيا هجوم على كنيسة قبطية أدى إلى مقتل عشرة مصلين داخلها
[22]

 وبعد كل هذا يطلع علينا، من وقت لآخر، من يدعي أن النبي قال: " استوصوا بالقبط خيرا فإن لكم فيهم نسبا وصهرا ". وكذلك قولهم إن النبي  أوصى بكل أهل الذمة والمعاهدين فقال: ( من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة ).

ومعاملة الأقباط في مصر تنطبق على معاملة الأقليات الغير مسلمة في كل البلاد الإسلامية. يحكى أنه  في أيام الخلافة العثمانية جهز والي الموصل حملة عسكرية ضد  الأيزديين الساكنين في شمال العراق. ذهبت تلك الحملة إلى القرى الأيزدية فقتلت أطفالها واستباحت نساءها وجاءت بالأحياء من رجالها إلى الموصل ليخيّروا بين حد السيف أو شهادة لا إله إلا الله. وقد فرح الوالي بهذا النصر الذي أتمه الله على يده. والذي أغضب هذا الوالي على الأيزدية أنهم كانوا يعبدون الشيطان من دون الله ونسى أنه لو كان نشأ في قرية أيزدية من أبويين أيزديين لكان مثلهم يعبد الشيطان [23].

وفي السعودية والكويت لا يُسمح للمسيحيين القادمين للعمل بهاتين الدولتين بإحضار الإنجيل معهم. وإذا أحضر أحدهم إنجيلاً يصادر منه في المطار، ولا يُسمح لهم ببناء كنائس ولا حتى بإقامة شعائرهم في بيوت خاصة، اعتقاداً من المسؤولين أن الرسول قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ".

والأقلية المسيحية في تيمور الشرقية التي احتلتها أندونيسيا بعد أن استقلت تيمور الشرقية من الاستعمار البرتقالي، لاقوا الأمرين من الجيش الإندونيسي وبتواطؤ كبار الضباط. فحرقوا كنائسهم واغتصبوا نساءهم وقتلوا رجالهم بأعداد كبيرة. وقد أدين قائد القوة الإندونيسية في تيمور الشرقية حديثاً بجرائم ضد الإنسانية في محكمة أشرفت عليها الأمم المتحدة بعد أن أجبرت إندونيسيا على منح تيمور الشرقية استقلالها.

والهولوكست الذي ارتكبته تركيا ضد الأرمن في أيام الحرب العالمية الأولى عام 1915 لا يخفي على أحد رغم محاولة تركيا نكران ما حدث. ومعاملة الأكراد والشيعة من قِبل عراق صدام حسين وتركيا لا تشرف العرب ولا الإسلام. 

تولي غير المسلمين

الأديان السماوية التي أتت من عند الله، خالق البشر جميعاً ومرسل الرسل والأنبياء، يُتوقع منها أن تحث الناس على المودة والتآخي، حتى ,إن اختلفت أديانهم، على أساس أن كل الأديان من عند الله وكلها تدعو إلى توحيد الله والإيمان به، وإن اختلفت وسائلها. وفعلاً لما كان الإسلام مستضعفاً في مكة كان التركيز على معاملة غير المسلمين معاملة كريمة تحبب إليهم الإسلام، فمثلاً الآية 34 من سورة فصلت: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

ولكن بمجرد أن هاجر الرسول إلى المدينة وقويت شوكته تغيرت صيغة الخطاب. والفيلسوف الإنكليزي  برنارد شو يقول " القوة تُفسد، والقوة المطلقة تُفسد إفساداً مطلقاً"،  فبعد أن حاول الرسول استمالة اليهود إلى الإسلام على مدى عامين كاملين ولم ينجح، نزلت سورة البقرة ( أول سورة بالمدينة) تأذن له بمحاربة الذين كفروا. ولم يطل الوقت حتى نزلت آيات مثل: " لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون " [24].

فاليهود مع أنهم لم يحاربوا الرسول، إلا أنهم كانوا أهل أول كتاب سماوي نزل وكان شعورهم بأن دينهم أحق بالاتباع قوياً، ولذلك كرههم الرسول. وهذه الآية تخبرنا أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من غيرهم ولذلك يجب حربهم وإخراجهم من المدينة. أما النصارى فهم أكثر الناس مودة للمسلمين، والسبب في ذلك ليس ورقة بن نوفل أو الغلمان النصارى الذين كان يجلس إليهم الرسول ساعات طويلة ( قال ابن هشام في شرح الآية 5 من سورة الفرقان:  وكان رسول الله فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبدٌ لبنى الحضرمي. وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بنى الحضرمي ) [25]. ولكن يبدو أن السبب في مودة النصارى أن فيهم قسيسين ورهباناً. ولا ندري لماذا يكون وجود القسيسين والرهبان داعياً لجعل النصارى أكثر مودة للمسلمين.

ولا نعلم ماذا حدث من النصارى ليستدعي نزول آية تقول: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين "[26]. لا بد أن شيئاً ما حدث من النصارى فأغضب الرسول لدرجة أنسته أن النصارى فيهم القسيسين والرهبان ولذلك هم أكثر الناس مودة للمسلمين. فقد أصبحوا الآن سواسية مع اليهود الذين هم أكثر الناس عداوة للمسلمين.

ولم يمض وقت طويل حتى نزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين "[27]. وفي هذه الآية انضم الكفار إلى اليهود والنصارى، وبهذا أصبح محرماً على المسلمين أن يوالوا أي شخص غير مسلم.

ثم نجد: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير "[28]. وهذه المرة جاءهم تحذير من الله ألا يتخذوا الكافرين أولياء.

ثم قال الله للمسلمين: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم أولياء ولا نصيرا "[29]

وهنا صارت اللغة أكثر صرامةً وقال الله للمسلمين ألا يتخذوا الكافرين أولياء حتى يسلموا ويحاربوا في سبيل الله، فإن رفضوا، فخذوهم واقتلوهم ( لرفضهم الإسلام والجهاد في سبيل الله). ثم كرر ألا نتخذهم أولياء، والتكرار عادة يكون للتوكيد.

واستمر نزول الأوامر بعدم اتخاذ الكافرين أولياء: " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً "[30]. فإن كانت موالاتنا للكفار لنجد عندهم العزة فلن يكون ذلك لأن العزة لله جميعاً، فليس هناك، إذاً، أي سبب يجعلنا نواليهم.

وتستمر الأوامر بعدم مولاة الكافرين: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبيناً "[31]. فهنا مرة أخرى نجد تهديداً، ولكنه مبطن، إن والينا الكافرين سنجعل لله عذراً بيناً ليعذبنا.

ويشكك الله في إيمان الذين يتخذون الكافرين أولياء رغم التحذيرات السابقة، فيقول: " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل   إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون "[32]. فالمسلم الذي يتخذ الكافرين ولياً يدخل في زمرة الفاسقين الذين سوف يعذبهم الله يوم القيامة

والذين كفروا من النصارى واليهود يجب أن يتخذوا بعضهم بعضاً أولياء ويتركوا المسلمين ليوالوا بعضهم بعضاً: " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير "[33]. فإذا توالى المسلمون والكافرون فسوف يصير فسادٌ في الأرض كبير. فعلى المسلم الذي يخشى الفساد ألا يوالى الكافرين.

وتبدأ سورة الممتحنة بهذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول و وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل " [34]. فيبدو أن بعض المسلمين، رغم التحذيرات المتكررة بألا يتخذوا من الكافرين أولياء، كانوا يتخذونهم أولياء سراً، فأنذرهم الله مرة أخرى أنه يعلم السر والجهر، وأنهم قد ضلوا السبيل بما فعلوا. فليس هناك من سبيل لاتخاذ النصارى واليهود أولياء حتى لو سراً، لأن الله يعلم السر وما يُخفى.

وفي آخر سورة نزلت في القرآن، يخبرنا الله: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم "[35]. فهذه هي صورة المؤمن الكامل الذي لا يوالي الكافرين، ولكن يوالي المؤمنين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.

وبعد كل هذا المنع والتحذيرات يأتي القرآن ليقول لنا: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن توالوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون "[36]. فمن هم الذين حاربوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم. كفار قريش لم يحاربوا المسلمين في مكة، ولكنهم استهزءوا بالرسول، وقد يكونوا دبروا لقتله لكنهم لم يخرجوا المسلمين من ديارهم في مكة. بل بالعكس فإن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة خرجوا خلسةً من مكة، ولو علم بهم أهل مكة لما سمحوا لهم بالخروج منها.  ويهود المدينة قطعاً لم يحاربوا الرسول ولكنه خاف منهم خيانة، وأذن له الله أن يحاربهم حين أنزل عليه: " وإما تخافن من قومٍ خيانة فانبذ إليهم على سواء "[37]. فحاصر وقتها يهود بني قينقاع وأجلاهم عن المدينة واستولى على أموالهم ونخيلهم. وفعل نفس الشئ مع يهود بني قريظة، فسبى نساءهم وقتل رجالهم. وأما يهود بني المصطلق فقد خرج إليهم الرسول ووجدهم على ماءٍ لهم يقال له المريسيع ، فتزاحم الناس واقتتلوا، وقُتل من قُتل من رجالهم ونقل رسول الله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه ( يعني المسلمين)، ولم يقٌتل من المسلمين غير رجلٍ واحد ( لا بد أن يرجع هذا إلى عامل المباغتة، فقد كان بنو المصطلق يسقون مواشيهم ولم تكن الحرب من أولوياتهم). واختار الرسول جُويرية بنت الحارث من السبايا.[38]

أما النصارى فلم يحاربوا المسلمين لا في المدينة ولا في مكة. فلماذا إذاً منع الله المؤمنين من موالاة اليهود والنصارى وهم لم يحاربوهم؟ وطبيعة الإنسان تدعوه إلى موالاة ومؤاخاة جيرانه ومعارفه دون أي اعتبارات للدين، الذي هو علاقة بين الإنسان وربه ولا دخل له في علاقة البشر مع بعضهم البعض. وكان الرسول نفسه قد ملك جواري لم يسلمن، مثل جويرية بنت الحارث، وماريا القبطية، ولا بد أنه قد والاهن لدرجة أن مارية أنجبت له ابنه إبراهيم. وهناك رجال مسلمون تزوجوا من نصرانيات ويهوديات لم يسلمن، فهل حرامٌ عليهم أن يوالوهن؟

ولم يكتف الإسلام بمنع المودة بين المسلمين والنصارى واليهود بل ذهب أبعد من ذلك وأوصى بعداوتهم: " قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا براء منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده "[39]. فيجب أن تكون لنا أسوة في إبراهيم الذي جعل العداوة والبغضاء بينه وبين قومه لأنهم لم يؤمنوا بإلهه. فنحن يجب أن تكون العداوة والبغضاء بيننا وبين النصارى واليهود تمشياً مع قدوتنا.

وأكثر من هذا يجب أن تكون العداوة والبغضاء بيننا وبين آبائنا وأخواننا إن اختاروا غير الإسلام دينناً: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون "[40].

وحتى بين المسلمين أنفسهم، يجب ألا يوالوا الذين لم يخرجوا معهم لحرب الكفار: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا "[41]. ولذلك في سنة تسعة هجرية عندما قام الرسول بغزوة تبوك وتخلف عنها ثلاثة من المسلمين، أمر الرسول بقية المسلمين أن يقاطعوهم ولا يتكلموا معهم ولا يسلموا عليهم، وفصل عنهم أزواجهم لعدة أسابيع قبل أن يعفوا عنهم.

فهل بعد هذا يسأل الناس لماذا هذه الكراهية من المسلمين لغيرهم؟ لماذا التفجيرات ولماذا نسئ معاملة غير المسلمين؟ ولماذا كل هذا العنف في الإسلام؟

والإسلام يوصينا بعدم موالاة الكافرين، و لكنه يحثنا على موالاة بعضتا البعض ويقول الرسول: " المسلمون في تعاطفهم وتواددهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً". ويقول كذلك: " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". فهل طبق المسلمون شيئاً من هذا منذ بداية الإسلام. فقد رأينا أن ثاني خليفة للمسلمين قُتل غيلةً وثالث خليفة كذلك قُتل بأيدي المسلمين أنفسهم عندما اقتحموا عليه منزله وهو شيخ ناهز الثمانين من عمره، وحاولت زوجته حمايته، فقطع السيف أصابعها،  ورابع خليفة كذلك قُتل غيلةً، وتحارب المسلمون في واقعة صفين وواقعة الجمل وواقعة كربلاء، وتحاربت الفرق الإسلامية المختلفة، وغزا يزيد بن معاوية المدينة المنورة وأباحها لجيشه ثلاثة أيام، عاثوا فيها فسادا، ورمى الحجاج بن يوسف الكعبة بالمنجنيق. وقتلت جيوش الخلفاء الأمويين والعباسيين الآلاف من المسلمين في الثورات العديدة التي قامت ضد فساد الخلفاء.

وفي العصر الحديث لم يجتمع المسلمون يوماً على شئ، فدائماً تفور بينهم العداوة والبغضاء والحروب، كما رأينا في حرب إيران/ العراق وحرب العراق/ الكويت، وفي حرب الخليج الأولى حينما حاربت البلاد المسلمة مع الحلفاء ضد الجيش العراقي. والآن هناك حرب غير معلنة تدور بين الشيعة والسنة في العراق، يفجرون مساجد بعضهم البعض ويقتلون أئمة أعدائهم. فقد حذرت هيئة علماء السنة بالعراق من أن مشايخهم يُقتلون ومساجدهم تُضرب، وقالوا إن مساجد السنة تعرضت إلى ثلاثين عملية سطو منذ سقوط النظام[42]. ولا شك أن علماء الشيعة يقولون نفس الشئ، وقد رأينا على شاشات التلفزيون تفجير مساجدهم وقتل المصلين. وقد يقول قائل إن هذه إغتيالات سياسية يجب ألا نلوم عليها الإسلام. ولكن من حرّض المسلمين على القتال " يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال "، و " كُتب عليكم القتال وهو كره لكم "، ومن حرّض المسلمين علن جعل العداوة والبغضاء بينهم وبين الكفار، والسنة يعتبرون الشيعة كفاراً، ومن علّم المسلمين أن يأخذوا القانون في أيديهم ويغيروا الأشياء عنوةً " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ".

والإشكال في مثل هذه التعاليم أنها تزرع في الأشخاص والمجتمع بذور التعصب و" الدوغماتية" التي لا بد لها أن تترعرع وتنمو مع مرور الزمن. وهذه حتمية لا يمكن نكرانها لأنها حدثت في المسيحية أيام القس " كالفن " الذي  اعتنق مذهب الإصلاح المسيحي " Reformation  " عام 1533 وفي عام 1541 كون أول حكومة تخضع لقوانين الكنيسة في جنيف، وفرض تعاليم الإنجيل البروتستانتية على كل شئ وكل فرد، وأصبح كالفن صوت الله في الأرض. وبسبب تعاليمه المتزمته التي تقول إن كل من يخالفه كافر، قامت محاكم التفتيش الكنسية التي عاثت في أوربا فساداً باسم المسيحية، فكانوا يشقون صدر الرجل فعلياً ليبحثوا عن الإيمان فيه، وأحرقوا اليهود أحياء على الصليب، ولم يعترض أحد ولم يشك أحد مطلقاً أن كالفن على حق ومن خالفه الرأي زنديق. ولذلك عندما حكمت محاكم التفتيش بحرق العالم برونو وبحرق الدكتور مايكل سيرفيتيوس مع كتبهم، وعندما حكموا على جاليليو بالحبس المنزلي لقوله إن الأرض تدور حول الشمس كما قال كوبرنكوس، هلل المؤمنون لإعلاء كلمة الله وسحق الزنادقة.

وفي روسيا في عام 1917 عندما بدأت الثورة البلشفية بقيادة لينين، كان للدولة تعاليم كالمنزلة تماماً سنها ماركس وإنجلز ولينين، وكان لهذه الدولة مفتي يدعى " جدانوف" ينظر في قضايا الإشخاص الذين يخالفون رأي الحزب، وكل من يقول جدانوف بكفره، إما يُنفي إذا كان شخصاً مهماً مثل مكسيم جوركي الذي نفوه إلى إيطاليا، أو يُقتل إذا كان من البرولتاريا العاملة. وفي شرق أوربا التي كانت ترزح تحت الحكم الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، عانى مثقفوها ما عاناه مثقفو روسيا، فكان هناك دوبشيك في تشيكوسلوفاكيا وايمري ناجي في المجر، ولأنهم تجرءوا وانتقدوا تعاليم وسياسة الحزب الشيوعي، نفوا الأول وأعدموا الثاني.

ورغم إيمان كالفن المطلق بتعاليمه وإيمان الرفاق الشيوعيين وجدانوف بنظرياتهم وقولهم إنهم سيدحرون الباطل وسوف تظل عقيدتهم قوية إلى الأبد، فقد انتهى تسلط الكنيسة وانتهت الشيوعية وبقي العقل وحده سيد الموقف.

والإسلام يمر بهذه المراحل الآن، فقد رأينا أفكار سيد قطب وحسن البنا تؤدي إلى نشوء جماعة الأخوان المسلمين ثم نمو فروع منها مثل جماعة التكفير والهجرة و "كتائب  أبو حفص المصري" في مصر وحديثا في السعودية بدأت حركات تكفير عديدة منها جماعة جهيمان العتيبي التي احتلت الحرم النبوي بمكة عام 1979، وكتائب الحرمين التي هددت حديثاً بقتل المرتدين.   

 


[1]  تاريخ الطبري، المجلد الأول ص 540

[2]  سورة الشعراء، الآية 214

[3]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 207

[4]  سورة التوبة، الآية 39

[5]  العجاب في بيان الأسباب للعسقلاني،ص 432

[6]  سورة البقرة، الآية 256

[7]  هادي العلوي: من قاموس التراث، ص 46

[8]  Mullah Manon Niazi, Fatwa on the Hazaras, www.hazara.net

[9]  Human Rights Watch, Massacres of the Hazaras in Afghanistan, vol.13, no. 1C,

February 2001, quoted in Islam Unveiled, Robert Spencer, Encounter Books,2002  p 62             

[10]  Ismaili Shiite Group Seeks an End to Saudi Religious Discrimination,                            

Wall Street Journal, 9 January 2002   

[11]  نوال اليوسف، كتابات، 5 كانون 2003، www.Kitabat.com

[12]  إبراهيم الجندي، صحيفة إيلاف الإلكترونية عدد 4 ديسمبر 2003 www.elaph.com

[13]  صحيفة الشرق الأوسط الإلكترونية، عدد 9 ديسمبر 2003

[14]   صحيفة الشرق الأوسط، عدد 23 ديسمبر 2003

 [15]  صحيفة الشرق الأوسط الإلكترونية، عدد 6 فبرائر 2003

[16]  سورة التوبة، الآية 97

[17]  تفسير القرطبي للآية

[18]  تفسير ابن كثير للآية

[19]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 574

[20]  د. خالد منتصر، إيلاف الألكترونية، عدد 1 أكتوبر 2003

[21]  عادل داود: إيلاف الإلكترونية، عدد 5 ديسمبر 2003

[22]  عادل داود: إيلاف الإلكترونية، عدد 5 ديسمبر 2003

[23]  د. علي الوردي، مهزلة العقل البشري، ص 41

[24]  سورة المائدة، الآية 82

[25]  د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الثالث ص 200

[26]  سورة المائدة، الآية 51

[27]  سورة المائدة، الآية 57

[28]  سورة آل عمران، الآية 28

[29]  سورة النساء، الآية 89

[30]  سورة النساء، الآية 139

[31]  سورة النساء، الآية 144

[32]  سورة المائدة،الآية 81

[33]  سورة الأنفال، الآية 73

[34]  سورة الممتحنة، الآية 1

[35]  سورة التوبة، الآية 71

[36]  سورة الممتحنة، الآية 7- 8

[37]  سورة الأنفال، الآية 58

[38]  ابن كثير، مختصر السيرة النبوية، الطبعة الأولى، دار المسيرة بيروت1982، ص 317

[39]  سورة الممتحنة، الآية 4

[40]  سورة التوبة، الآية 23

[41]  سورة الأنفال، الآية 72

[42]  صحيفة لإيلاف الإلكترونية عد 11 ديسمبر 2003

الفصل السابع

الفتاوى في الإسلام

بعد موت الرسول محمد انقطعت الصلة بين السماء والأرض ولم يعد جبريل ينزل بالوحي ليوضح للمسلمين الأحكام الإلهية في القضايا التي تستجد فيهم. في حياة الرسول كان المسلمون يسألون محمد عن قضايا بعينها، وكان جبريل جاهزاً بالأجوبة ينزل بها في بعض المرات بعد دقائق من السؤال، كما حدث عندما نزلت الآية: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين "، فاحتج ابن أم مكتوم، وكان أعمى، أنه لا يستطيع الجهاد وبذلك لا يكون من المفضلين عند الله. فقال زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وكان جاساً بجوار النبي يكتب:    " عندما تكلم ابن أم مكتوم أُوحى للنبي وغشيته السكينة فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، فلا والله ما وجدت شيئاً أثقل من فخذ رسول الله. ثم قال لما سري عنه: أكتب يا زيد" [1]. فأنزل الله على الرسول الاستثناء المعروف " غير أولي الضرر"، فأصبحت الآية: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله".

وفي مرات أخرى كان جبريل لا ينزل بالإجابة المطلوبة إلا بعد أيام. ولكن مع نهاية الوحي كان لا بد من إيجاد وسيلة أخرى للإجابة على أسئلة المسلمين، فابتكر علماء الإسلام الفتوى كوسيلة للإجابة على هذه الأسئلة. والفتوى قد تكون مبنية على القياس على مسائل مشابهة كان القرآن أو الرسول قد أجاب عليها أو فعل الرسول شيئاً يمكن أن يُعطي الإجابة المطلوبة، أو إذا انعدم القياس لجأ العلماء للعقل والاجتهاد لإيجاد الإجابة. والاجتهاد هو الذي فتح الباب على مصراعيه لكل من ادعى العلم في الإسلام.

وحتى كبار الصحابة والأئمة أتوا بفتاوى لا تستقيم والعقل ولكن لأنهم علماء وخلفاء لم يتجرأ أحد بنقد فتواهم . فمثلاً  يقال أتى رجلٌ بامرأة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين هذه امرأتي، وهي كما ترى سوداء وأنا أسود، وقد ولدت لي غلاماً أبيض. فالتفت أمير المؤمنين عمر إلى الحاضرين في مجلسه قائلاً لهم: ما ترون؟ قالوا: نرى أن ترجمها. فأمر عمر بأن تُرجم، وفيما هي في الطريق إلى الحفرة أقبل الإمام علي بن أبي طالب، ثم سأل فحدثوه بما قال الزوج الأسود وبما أمر به أمير المؤمنين، فقال الإمام للأسود: أتتهم امرأتك؟ قال الرجل: لا. فمضى الإمام يسأل حتى قال: هل أتيتها وهي طامس؟ قال الرجل: لقد قالت لي في ليلة إني طامس فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها. فتوجه الإمام للمرأة بالسؤال: هل أتاك وأنت طامس؟ قالت الزوجة: نعم، واسأله إنني قد خرجت عليه وأبيت أن أطاوعه. قال الإمام: إنطلقا، والمولود ابنكما، وإنما غلب الدم النطفة [2].

وهذه طبعاً فتوى لا أساس لها من الناحية العلمية، فليس هناك أي علاقة بين دم الحيض ولون الجنين.  فلون الجنين تحدده الجينات الموروثة من الأم والأب. ولو جامع الرجل زوجته وهي حائض فلن تحبل الزوجة لأن الحيض علامة أن الحمل لم يحدث ولذلك تخلص الرحم من الجدار الدموي الذي كان قد كوّنه لاستقبال البويضة المخصبة.

ويقال كذلك كان لرجلٍ على عهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب جاريتان فولدتا، إحداهما ولداً ذكراً والأخرى بنتاً، فعهدت صاحبة البنت فوضعت بنتها في المهد الذي فيه الولد الذكر ثم أخذته لنفسها، ثم تنازعتا الولد الذكر فكل واحدة منهما تدعيه لنفسها، فتحاكمتا إلى أمير المؤمنين فأمر أن يوزن لبنهما قائلاً: أيهما كان لبنها أثقل فالولد الذكر لها [3].

وهذه الفتوى واضح أنها مبنية على قصة واقعة لم تحدث، والأسباب لذلك عديدة، منها أن الموازين في تلك الأيام لم تكن من الدقة التي تمكنهم من وزن جرامات، وإنما كانوا يزنون بالأرطال، ولبن المرضعة ليس كلبن الشاة يمكن حلبه بكميات كبيرة في وعاء. ربما استطاعوا حلب كمية بسيطة لا تتعدى الجرامات، مع تسبب ألم شديد للمرأة. ولم يكن في إمكانهم وزن كمية بسيطة من اللبن كهذه لمعرفة الفرق في الوزن بين لبن المرأتين. وثانياً، هؤلاء النسوة لم يلدن في وسط الصحراء بدون مساعدة، فلا بد أن كل منهما ساعدتها قابلة كان يمكن لأمير المؤمنين أن يسألها ماذا أنجبت. وثالثاً، هاتان المرأتان كانتا جاريتين، والجارية كانت تعيش في غرفة داخل بيت مالكها لتخدم أهل البيت الذين لا بد قد عرفوا ماذا أنجبت. ورابعاً، كان لا بد لهاتين الجاريتين أن يضعا مولوديهما في نفس اليوم وفي نفس الغرفة حتى تستطيع إحداهما أن تبدل مولودها بالآخر.

وعلى العموم هذا ليس مهماً إنما المهم أن لبن الأم لا يتأثر وزنه بجنس المولود، ذكراً كان أم أنثى. واللبن في الأيام الأولى يكون عبارة عن ماء  به أجسام مضادة للعدوى، يُسمى Colostrum ويكون وزنه شبيهاً بوزن الماء. والمهم في هذه الفتوى أنها فتوى موضوعة لكن صدقها أناس كثيرون على مر العصور حتى يومنا هذا. وهذا يدل على مدى قوة تأثير هذه الفتاوى في العامة الذين لا يحققون في هذه الفتاوى بل يأخذونها مأخذ القرآن، ومن ثم يعملون بها حتى لو أمرتهم بمقتل مسلم آخر

وأفتى الإمام علي برد شهادة شاهدين من اليهود شهدا على يهودي أنه أسلم. وتفسير ذلك عنده أنهما يجيزان تغيير كلام الله وشهادة الزور. فلما سُئل عن شاهدين من النصارى شهدا على نصراني أنه أسلم أجاز شهادتهما قائلاً: إن الله يقول في النصارى " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون". ثم قال: إن من لا يستكبر عن عبادة الله لا يشهد الزور.

وعليه نستطيع أن نقول إن النصارى لم يحرفوا الكلم عن مواضعه ولم يحرفوا الإنجيل لأنهم لا يستكبرون وبالتالي لا يشهدون بالزور. وكذلك نستطيع أن نقول إن القرآن لم يكن محقاً حينما قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " ( المائدة/51) لأن النصارى لا يستكبرون ولا يشهدون بالزور وهم أكثر الناس مودة للذين آمنوا.

 وأفتى الخليفة عمر بن الخطاب بفتوى غير قانونية، إذ قال لرجل تزوج امرأة  اشترطت عليه ألا يتزوج غيرها وألا يتسرى بالإماء ولا ينقلها إلى أهله. ولما سمع الخليفة عمر بذلك قال للرجل: عزمت عليك، تزوج غيرها وتسرى وأخرج بها إلى أهلك [4].

والشروط التي اشترطتها المرأة على زوجها قبل زواجها وقبِلَ بها أصبحت شروطاً شرعية مثلها مثل العقد، واجبة التنفيذ، وليس من حق الخليفة أن يفسخها. ولكنه فعل وأصبحت الفتوى تصريحاً للرجال المسلم ليتحلل من عقوده مع النساء

وبعض الفتاوى فيها جور واضح، فقد روى عبد الرزاق أن امرأة تسرّت بغلام لها أي اتخذت عبداً لها يطأها كالرجال فبلغ ذلك عمر فسألها: ما حملك على ذلك؟ فقالت: كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجل من ملك اليمين. فاستشار عمر فيها أصحاب رسول الله فقالوا: تأولت كتاب الله عز وجل غير تأويله. فأفتى عمر: لا جرم، والله لا أحلك لحر بعده أبداً. وأمر العبد ألا يقربها

وواضح هنا أن هذه المرأة كانت غير متزوجة، وحد الزنا لغير المتزوجة الجلد. فكان أرحم لها لو جلدها عمر، ولكنه درأ عنها الحد بأن حرّمها على أي رجل حر أن يتزوجها، وفي نفس الوقت منع العبد من أن يقربها. وهذا ليس من العدل في شئ زيادة على أنه ليس في الإسلام ما يقول أن المرأة إذا وطأها عبد لا تحل لحر بعده. وهذه أقل ما توصف بها أنها سياسة عرقية لا تقرها القوانين الحديثة

وبعض الفتاوى ينقصها المنطق، فقد روى أبو يوسف بإسناده إلى عمر بن الخطاب أنه أتى برجل وقع على بهيمة فعززه بالضرب وأمر بالبهيمة فذبحت وأحرقت بالنار. فقد نفهم أنه ضرب الرجل ( ولو أنا لا نوافق على ضرب الرجل)، ولكن ما هو المنطق في حرق البهيمة بعد ذبحها، وماذا جنت حتى تُذبح؟ فما فعله الرجل لا يؤثر في لحم أو لبن البهيمة، أما كان الأفضل أن يُعطى لحم هذه البهيمة إلى سُراق المدينة الذين كان عمر يخشى منهم على المسافرين ليلاً؟

والغريب في هذه الفتوى من عمر بن الخطاب أنها خالفت سنةً قالها الرسول على حسب رواية البيهقي، فقد روى أن رسول الله (ص) قال في وطئ البهيمة: " اقتلوه واقتلوها معه حتى لا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا ". حكمٌ لا شك قاسي. فلو كان هذا الرجل غير متزوج وجامع امرأة فإنه يجلد. فلماذا يُقتل إذا جامع بهيمة؟

والإسلام ملئ بالمفارقات التي تتيح للعلماء الإتيان بأحاديث تبرر أي فتوى يفتون بها. فلو أخذنا مثلاً المسلم تارك الصلاة، وكثير من المسلمين، ولعلها الغالبية العظمى، لا يصلون. فماذا قال العلماء عنه. قال مالك والشافعي وجماهير السلف، لا يُكفّر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب لا عقاب عليه وإن لم يتب يُقتل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفّر، وهذا مروي عن عليّ وأحمد بن حنبل. ويقول هؤلاء لا يُقتل تارك الصلاة لأن الحديث يقول " لا يحل دم امرئ إلا بإحدى  ثلاث" وليس فيهن ترك الصلاة. وكذلك يقول القرآن: " إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". وهناك حديث يقول " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة". وحديث آخر يقول " حُرّم على النار من قال لا إله إلا الله ". فكيف نبرر تكفير وقتل تارك الصلاة وكل هذه الأحاديث تقول إن الله يغفر هذه المخالفات، وإنه غالباً ما يدخل الجنة، كل من قال لا إله إلا الله وبذا حرّم جسمه على النار

والصلاة أصلاً صلة بين العبد وربه، فمن أعطى هؤلاء العلماء الحق في إقرار ماذا يفعلون به. فالإسلام حدد الأركان الخمسة وقال من واظب عليها دخل الجنة ومن لم يواظب عليها سوف يحاسبه الله  يوم القيامة، وإما أن يغفر له وإما أن يُدخله النار. فما دخل العلماء في هذا حتى يفتوا لنا ماذا نصنع بتارك الصلاة؟

ويذكر السبكي في طبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد بن حنبل تناظرا في تارك الصلاة فقال الشافعي: يا أحمد، أتقول أنه يكفر؟ قال: نعم. قال الشافعي: إذا كان كافراً،  فبم يُسلم؟ قال أحمد: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال الشافعي: فالرجل تارك الصلاة مستديم لهذا القول لم يتركه. قال أحمد: يُسلم بأن يصلي، فقال الشافعي: لكن صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم له بالإسلام بها. فسكت أحمد [5].

وفي عصرنا هذا أصدر العلماء فتاوى غريبة كذلك. فقد أجاز البرلمان السوداني مشروع قانون بالتصديق على اتفاقية قرض بين الحكومة والبنك الإسلامي للتنمية بجدة لتمويل مشروع إنشاء 22 مدرسة بجنوب السودان بقرابة تسعة ملايين دولار، ولكن القرض يحتوي على 5.2 % تدفعها الحكومة كرسم خدمة سنوياً للبنك ( والبنوك الإسلامية لا تتعامل بالربا) ولكن اعترض أحد الأعضاء على أن هذه النسبة المئوية السنوية تمثل ربا على القرض. ولكن أفتى السيد أحمد إبراهيم الطاهر بقبول القرض وإن كان ربوياً لأن 80% من أبناء الجنوب خارج التعليم والحكومة لا تستطيع أن تبني لهم مدارس بإمكاناتها الحالية، وهذه ضرورة تبيح التعامل مع الربا . أليست الحكمة وراء تحريم الربا أن صاحب المال يستغل حاجة الناس للقروض فيفرض عليهم الربا؟

وهناك فتاوى يصعب فهم منطقها، فمثلاً عندما قال ناشطون في حقوق الحيوان بأستراليا إنهم أطعموا بعض الأغنام التي تُعد للتصدير إلى الكويت بغذاء يحتوي على لحم خنزير، حصلت شركة استيراد المواشي الكويتية على فتوى من قطاع الإفتاء بوازرة الأوقاف الكويتية لطمأنة المواطنين الكويتيين أن لحوم هذه الأغنام حلال. قالت الفتوى إنه يجوز أكل لحوم الأغنام آكلة الخنازير في أستراليا لكن شريطة أن تُعلف بعلف نظيف وطاهر طوال رحلتها من أستراليا إلى الكويت وأن تُعلف بعلف نظيف ثلاثة أيام بالكويت قبل أن تُذبح  [6].

وهذه الفتوى تقع تحت طائلة فتاوى وعاظ السلاطين إذ أن الغرض منها إخراج الشركة المستوردة من مأزقها لأنها تعاقدت على شراء هذه الأغنام وسوف تخسر مادياً إذا لم تنجح في بيعها في الكويت. لأن الأغنام التي أكلت لحم الخنازير وهضمته باستراليا، دخل هذا اللحم بعد هضمه إلى الحوامض الأمينية Amino acids و دخلت هذه الحوامض في تكوين البروتينات الجديدة في أجسام هذه الأغنام وبالتالي أصبحت جزءاً من عضلاتها. وسواء أطعمناها بطعام طاهر أو غير طاهر بعد هذا  فلن يؤثر ذلك في البروتينات التي سبق أن دخلت في تكوين عضلات الأغنام. فالفتوى غرضها طمأنة المواطنين والضحك على الذقون كما يقولون

وحديثاً أفتى علماء الأزهر أن نقل الأعضاء لمعالجة مرضى الفشل الكلوي وهبوط القلب أو الكبد حرام لأن جسد الإنسان هبة من الله ولا يجوز لأي كائن من كان التصرف به سواء بالنقل منه أو إليه [7].

هؤلاء العلماء يعملون بالحكمة القائلة " إن لم تنفع فضر". فقد أضر هؤلاء المشايخ بآلاف مرضى الكبد والكلى والقلب بفتواهم هذه. فلا خلاف أن جسم الإنسان هبة من الله، ولكن هذه الهبة إذا خُلقت وبها تشوهات خلقية مثل نقص جدار البطن في المواليد، Exomphalus  فلا بد أن يموت المولود بدون التدخل الجراحي, والجراح هنا يستعمل مواد صناعية Mesh لسد النقص في جدار البطن. فهذا تصرف في جسد الإنسان بالإضافة إليه. فهل يفضل هؤلاء العلماء أن نترك هؤلاء الأطفال يموتون؟

وجسد الإنسان حينما يموت تأكله ديدان الأرض، وحتى العظام تبلى، ومنهم من يُحرق حتى يصير جسده رماداً تذروه  الرياح. فلا بد أن يُعطي الله للإنسان جسماً جديداً يوم الحشر، خاصة أن الرسول قال: " لا يدخل الجنة عجوز" ومعنى الحديث أن كل داخلى الجنة يدخلونها بأجسام شابة جديدة. فما الضرر من أخذ بعض الأعضاء من هذه الأجسام التي سوف تبلى  لنعالج بها مرضى يعانون من أمراض سوف تقتلهم حتماً، وإن لم تقتلهم تجعل نوعية حياتهم كالموت؟

وإذا أراد هؤلاء العلماء حفظ جسد الإنسان كما خلقه الله، فلماذا يوصون بختان الأولاد الذكور؟ لماذا نقطع الجلد الذي يغطي الحشفة من ذكر الولد؟ أليس هذا أخذاً من جسد الإنسان بدون ضرورة، خاصةً وإنا نرمي بهذا الجلد المقطوع؟ الختان ليس مذكوراً لا في القرآن ولا في الحديث، ولو أراد الله أن يختن الأولاد لخلقهم مختونين. ألم تقل كتب السيرة إن النبي ولد مختوناً؟ وكان يمكن أن يخلقنا الله مختونين كما خلق النبي مختوناً. وماذا عن ختان البنات؟ هل يحل لنا أن نقطع البظر الذي خلقه الله للمرأة ليزيد من استمتاعها بالجنس؟ وماذا عن أخذ نخاع العظام Bone marrow من متطوعين لنعالج به طفل يعاني من سرطان الدم، هل نترك هذا الطفل يموت بدل أن نحقن في جسمه هذا النخاع؟ وماذا عن جراحة التجميل التي تُنقّص من حجم ثدي المرأة إذا كان حجم ثديا كبيراً فوق المعتاد ويسبب لها آلام في الظهر بسبب ثقل الثديين، هل حرام أن ننقّص من ثدييها؟ وماذا عن المريض الذي بكليته أو رئته ورم سرطاني خبيث، هل يجوز لنا أن نستأصل تلك الكلية أو الرئة لمعالجته أم لا؟ وماذا عن نقل الدم للمصابين بحوادث أو أثناء العمليات الجراحية؟

المأساة أن هؤلاء العلماء يخدعون أنفسهم بقولهم: للمجتهد أجران، إن أصاب له أجر وإن أخطأ له أجر. ولا أرى العدل في ثوابهم بمثل هذه الفتوى التي تضر بالمرضى ولا تفيد إلا دود الأرض.

وأما الشيخ القرضاوي فقد أفتى بأن المسلمين مبشرون بفتح روما لأن هناك حديث في مسند الإمام أحمد أن عبد الله بن عمرو بن العاص سئل: أي المدينتين تُفتح أولاً رومية أم قسطنطينية؟ فأخرج لهم صحيفة وقرأ لهم أن الرسول (ص) سئل هذا السؤال فقال: مدينة هرقل تُفتح أولاً، ومدينة هرقل في عهد الرسول كانت قسطنطينية، وهناك فتح ثاني لرومية، وفي معجم البلدان هي روما عاصمة إيطاليا. فالإسلام سيعود إلى أوربا فاتحاً منتصراً. ولكن السؤال هو هل سيكون الفتح بالقوة أم بالدعوة؟

والمسلمون الغير عرب كذلك مهوسون بالفتاوى، فقد أصدرت محكمة لاهور بباكستان حكماً فتوياً يقول إنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج بدون موافقة ولي أمرها، وإذا تزوجت يكون الزواج لاغياً. ولكن رئيسة منظمة حقوق الإنسان الباكستانية، أسماء جيهانجير رفعت استئنافاً إلى المحكمة العليا لنقض هذا الحكم. وأسماء جيهانجير نفسها متهمة من قبل عبد الوحيد روكري بأن المدعو عليها قد أثرت على ابنته سيما وحيد مما جعلها تتزوج بدون استشارته، وعليه تكون المدعو عليها قد اختطفت ابنته. وسوف يؤثر قرار المحكمة العليا في 250 امرأة تزوجن بدون إذن أولياء أمورهن، وأغلب هؤلاء النساء في السجن ( لان زواجهن بدون إذن أولياء أمورهن يُعتبر زنا) في انتظار القرار [8].

وهناك طبعاً الفتاوى السياسية من الجامع الأزهر الذي يعيّن رئيس الجمهورية مفتيه الرئيسي. ومن هذه الفتاوى الفتوى التي تقول إن مجلس الحكم العراقي غير شرعي لأنه لم يُنتخب بواسطة الشعب العراقي، وعليه لا يجوز شرعياً التعامل معه. ونفهم من هذا أن حكومة صدام حسين كانت شرعية لأن الأزهر لم يفتي طوال العشرين عاماً الماضية بعدم جواز التعامل معها. وكذلك حكومة البشير وحسن الترابي في السودان التي جاءت عن طريق إنقلاب عسكري، وحكومات الخليج الوراثية، وحكومة برفيز مشرف في باكستان، والحكومة الليبية والحكومة المصرية، كل هذه الحكومات التي لم تنتخبها شعوبها لا بد أن تكون شرعية لأن الأزهر لم يفت بغير ذلك.

أما الفتاوى التي أصدرها الأزهر بتكفير الكتاب والمفكرين المصريين من طه حسين إلى نصر حامد أبو زيد فلا تُحصى ولا تُعد، وسوف نناقشها لاحقاً.


[1]  تفسير ابن كثير للآية 95 من سورة النساء

[2]  صحيفة الراية القطرية تحت عنوان: أطرف وأغرب وأخطر الفتاوى في تاريخ الإسلام، عدد 30 أكتوبر 2003

[3]  نفس المصدر ونفس الصفحة

[4]  صحيفة الراية القطرية عدد الثلاثاء 4 نوفمبر 2003

[5]  صحيفة الوطن القطرية، عدد الخميس 30 أكتوبر 2003

[6]  صحيفة إيلاف الإلكترونية عدد 5 ديسمبر 2003

[7]  صحيفة إلاف الإلكترونية عدد 10 نوفمبر 2003

[8]  Khaleej Times, Friday 31 October 2003

الفصل الثامن

الطقوس في الإسلام

  كلمة طقوس تقابلها في الإنكليزية كلمة    Rituals وقد عرّف علماء الأنثربولوجي الطقوس بأنها " نوع من السلوك  المتكرر الذي ليس له نتيجة واضحة مباشرة. وقد تستعمل في الطقوس رموز منها حركات جسدية أو كلمات أو إشارات، أو إيقاع موسيقي أو روائح كالعطور والبخور"[1]. وللطقوس ثلاثة أنواع:

1-    طقوس كونية أو تقويمية Calenderical Rituals ويحتفل هذا النوع من الطقوس بمناسبات مهمة، مثل الحج، تتكرر في تاريخ معيّن

2-    طقوس تغيير الوضع الاجتماعي Social Transitionمثل الختان أو الزواج أو البلوغ

3-    طقوس الكوارث Misfortune مثل الموت أو الإجهاض

وأهم شئ في الطقوس هو التزام الترتيب الزمني للحركات أو الرقصات والموسيقي، ويجب ألا تسبق حركة حركةً أخرى من المفروض أن تأتي بعدها. فمثلاً في طقوس قبيلة الزولو في جنوب أفريقيا، عندما يعالج الطبيب القبلي الأمراض، يجب أن يستعمل ثلاثة أنواع من الأدوية: أسود ,أحمر وأبيض، فالأسود يمثل السوء، والأحمر يمثل الدم الذي يظهر عند تخطي الحاجز الاجتماعي مثل بدء الدورة الدموية عند البنت مما يعني أنها تخطت حاجز البنت وأصبحت امرأة، أو تخطي المحارب حاجز الحياة إلى الموت عندما يُجرح جرحاً غائراً ينزف منه ويموت، واللون الأبيض يعني الخير والعافية. ويجب أن تُعطي الأدوية للمريض بنفس هذا التسلسل وإلا لن يُشفى من مرضه.[2]

والطقوس غالباً ما ترتبط بمعاني دينية الهدف منها جلب رضاء الآلهة،  والطقوس  ممارسة في الإسلام وفي الديانات الأخرى، وحتى في العادات الغير دينية. فمثلاً قد ذكر الأخباريون طريقة من طرق أهل الجاهلية في الاستسقاء، ذلك أنهم إذا أجدبوا  وانحبس المطر عنهم، عمدوا إلي السلع والعُشر( أنواع من النبات)، فحزموهما وعقدوهما في أذناب الأبقار وأضرموا فيه النيران، وأصعدوها في جبل وعر قبل المغرب، ثم اتبعوها يدعون ويستسقون. يقولون لذلك " المسلعة" " بلوغ الإرب 2/161" [3]. ولا علاقة علمية طبعاً بين حرق العشب بأذناب البقر ونزول الأمطار، ولكن الجاهليون كانوا يعتقدون أن صعود هذه الأبقار الجبال الوعرة والنار تنبعث من أذنابها في المغرب، حتماً سوف يُرضي الإله في السماء فينزل لهم المطر

وقدماء المصرين كانوا يعتقدون أنهم إذا لم يكرموا نهر النيل، الذي يمثل شريان الحياة لهم، بفتيات عذارى كل عام فإنه لن يفيض في العام القادم وبالتالي لن تستطيعوا أن يزرعوا أراضيهم على ضفاف النيل، وسوف تحل بهم المجاعة. وما كان هؤلاء الناس يعرفون أن نزول الأمطار في هضاب الحبشة هو الذي يسبب فيضان النيل، فضحّوا، لجهلهم، بأعداد غفيرة من العذارى.

فالطقوس الدينية منذ القدم اتصفت بكونها مقدسات يقوم بها الإنسان ليجلب رضاء الآلهة أو ليدرأ خطراً أو شيئاً غير مستحب. ولا يفكر الإنسان المتدين في هذه الطقوس أو لماذا يقوم بها بهذه الطريقة المعينة، فهي طقوس قد ورثها أباً عن جد، ولا بد أن يفعلها هو إن أراد الخير لنفسه. والعقيدة نفسها، ويقابلها في الإنكليزية كلمة faith تعني " الاعتقاد أو التصديق بشئ دون وجود دليل على وجوده". فالعقيدة نفسها لا دليل عليها، وبالتالي كل الطقوس الناشئة من هذه العقيدة ينقصها الدليل. ومن الطقوس الإسلامية:

الحيض والنفاس

عندما تبلغ البنت يبدأ مبيضاها بإفراز بويضة واحدة كل أربعة أسابيع أو ما يقرب من ذلك. وإذا التقت هذه البويضة بحيوان منوي يلقحها، تلتصق هذه البويضة الملقحة بجدار الرحم ليتكون منها الجنين. ولكن جدار الرحم يتكون من عضلات لا تصلح في حد ذاتها لإلصاق البويضة بها, ولكن جسم الأنثي يستعد للبويضة الملقحة في كل شهر بإفراز هرمونات معينة تجعل الشعيرات الدموية في جدار الرحم تتكاثر وتنمو في العدد والحجم كذلك حتى تكوّن طبقة هشة ورطبة لاستقبال البويضة، يبلغ سمكها عدة مليمترات. تبلغ هذه التحضيرات ذروتها في الأسبوع الرابع من الدورة. فإن تلقحت البويضة، فالفراش جاهز لها لتزرع نفسها فيه لتكوين المشيمة التي تغذي الجنين ويستمر الحمل. ولكن إذا لم تُلقح البويضة ينضب معين الهرمونات التي كانت تغذي الفراش بجدار الرحم، وإذا توقفت هذه الهرمونات تضمحل الشعيرات الدموية التي كونت الفراش بالرحم وتسقط عن جدار الرحم. وبما أن هذه الشعيرات تحمل دماً، يخرج هذا الدم من مهبل المرأة. وتتكرر العملية شهرياً إلى أن يحدث الحمل.

وواضح من هذا الشرح أن الدم الذي كوّن الفراش بالرحم هو جزء من دم المرأة ولو حدث الحمل فسوف يغذي هذا الدم الجنين. وعليه هذا الدم الذي يخرج من مهبل المرأة في شكل دورة شهرية هو نفس دم المرأة، فليس هناك أي سبب يجعله غير طاهر. ولو كان هذا الدم غير طاهر، فبالضرورة يكون الجنين الذي تغذى منه غير طاهر، وتكون المرأة كلها غير طاهرة لأن دمها يدخل إلى كل خلية في جسمها. فمنطقياً إما أن تكون المرأة طاهرة والدم الذي يخرج منها طاهراً أو تكون غير طاهرة أصلاً ولا يمكن أن تطهر وبالتالي لا صلاة لها ولا صيام.

والتوراة، قيل حوالي 1500 عام قبل الميلاد،  كانت أول من قال أن دم العادة الشهرية غير طاهر. فنجد مثلاً في سفر " لاويون" الإصحاحين 12 و15 ما يلي:

12-2: قل لبني إسرائيل " إذا حبلت المرأة ثم ولدت صبياً، تصبح غير طاهرة لمدة سبعة أيام، تماماً كما تكون غير طاهرة في فترة عادتها الشهرية

12-4: لا بد أن تنتظر المرأة ثلاثين يوماً لتطهر من دمها. ويجب ألا تمس أي شئ مقدس أو تذهب إلى الأماكن المقدسة، حتى تنتهي مدة نجاستها

12-5: إذا ولدت المرأة بنتاً تكون المرأة غير طاهرة لمدة أسبوعين، تماماً كما تكون غير طاهرة حين نزول دم حيضها، وعليها أن تنتظر ستين يوماً لتطهر من دمها

15-19: عندما تأتي المرأة عادتها الشهرية تستمر مدة نجاستها سبعة أيام وكل من يمسها يصبح نجساً كذلك

15-20: كل ما تجلس عليه المرأة في فترة عادتها الشهرية يصبح نجساً وكذلك كل مت تنام عليه

15-21: كل من يمس سريرها يجب أن يغتسل بالماء ويغسل ثيابه

15-24: إذا نام معها رجلٌ أثناء عادتها الشهرية ومسه دمها، يصبح الرجل نجساً لمدة سبعة أيام، وكل سرير ينام عليه يصبح نجساً

وهكذا حددت التوراة أن المرأة الحائض نجسة، وحددت مدة نجاستها. ولإثبات أن العقيدة لا تخضع للعقل والمنطق، ولا دليل عليها، نجد أن التوراة حددت فترة نجاسة المرأة التي تلد صبياً بثلاثين يوماً، ولكنها إذا ولدت بنتاً تكون مدة نجاستها ستين يوماً. وليس هناك طبعاً أي فرق بين الدم الذي ينزل من المرأة عندما تلد صبياً والدم الذي ينزل منها عندما تلد بنتاً، ولكنه تحامل الديانات على المرأة دون أي دليل.

ونفس الفكرة كانت ممارسة من قِبل عرب ما قبل الإسلام، وحتى نفس الكلمات،  فكلمة " نجس" هي ضد      " طاهر"، فالنجاسة هي عكس الطهارة، وهي بهذا المعنى في الجاهلية كذلك. وهناك كلمة أخرى لها معنى قريب من معنى هذه الكلمة، هي لفظة " رجس" وهي بمعنى قذر. ومن الأمور النجسة في نظر أهل الجاهلية   " الطمث" وهو " الحيض" ومن معاني  "الطمث" " الدنس". وعدت أكثر الأديان المرأة في هذه الفترة وفي أيام النفاس غير طاهرة، فلم يسمح لها بأداء الشعائر الدينية ودخول المعابد ولمس الأشياء المقدسة إلى أن ينتهي الأجل المحدد لهذه الأدوار، فتغتسل أو تقوم ببعض الشعائر المطهرة[4].

ولجهل القدماء بمصدر دم الحيض نسجوا حوله قصصاً خرافية، وفي بعض الأماكن كانت المرأة الحائض لا تترك بيتها  بعد انقضاء مدة الحيض حتى يأتوا لها بطائرٍ تفتض به ( تمسح به عضوها التناسلي)، وقالوا إن هذا الطائر قلما يعيش لأنه أحتك بالشر الذي خرج من جسم المرأة

وجاء الإسلام ووجد أن اليهود إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها، فسألوا النبي عن الحيض، ولما لم يكن يعرف بالتحديد ما هو الحيض أجابهم بأنه أذى: " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن" ( البقرة/222).

وفي الحقيقة ليس هناك أي أذى في المحيض، لا أذى للمرأة ولا أذى للرجل. فبالنسبة للمرأة المحيض عبارة عن دموع الرحم الذي فشل في أن يكون مهداً لجنين، فذرف دموعاً هي عبارة عن الشعيرات الدموية التي كان قد حضّرها للجنين. وهذا الدم الخارج من الرحم لا يؤثر في صحة المرأة إطلاقاً، إذا كان حيضاً طبيعياً، فجسمها يعوض عنه بسرعة. بالنسبة للرجل فليس هناك أي إثبات علمي أن الجماع أثناء الحيض يسبب مرضاً للرجل أو المرأة. وقد ظهر من الدراسات التي أجراها جونسون أند جونسون في أمريكا في السبعينيات من القرن الماضي أن عدداً كبيراً من الرجال يفضلون مجامعة نسائهم أثناء الحيض.

ولا نعلم ما هو الأذى الذي قال عنه القرآن، ولا نظن أن الفقهاء كانوا يعرفون ما هو هذا الأذى بدليل أن القرآن قال " فاعتزلوا النساء" لكنه لم يحدد أي عقوبة للذين يجامعون النساء في المحيض، وأصبح العلماء في حيرة من أمرهم، فقال بعضهم على الرجل كفارة درهم إذا كان الدم مسوداً ونصف درهم إذا كان الدم أحمراً. وقال البعض الآخر لا كفارة على الرجل.

وكما قالت التوراة قال الإسلام، فالمرأة الحائض لا تصوم ولا تصلى ولا تمس القرآن ولا تدخل المسجد ولا يجامعها زوجها حتى تطهر. ولكي تطهر عليها أن تغسل جسمها بالماء. وقد نفهم هذا في أيام نزول القرآن بجزيرة العرب حيث شُح الماء، وحينما كان الشخص يستحم في المناسبات، فالغسل من المحيض يجبر المرأة على الاستحمام. ولكن في العصر الحديث حيث أن الاستحمام يومياً أصبح العادة السائدة في الناس، وأن المرأة سوف تستحم حتى وإن لم تكن عليها العادة، فهل ما زال الغسل واجباً للطهارة، ونحن قد قلنا إن دم الحيض ليس نجساً أصلاً؟

وقد أصبح الحيض أهم طقس في الطقوس الإسلامية لهوس مشايخ الإسلام بالجنس والنكاح، وقضى علماء المسلمين سنواتٍ يتدارسون هذا الحدث المهم، وقسموه إلى حيض واستحاضة، وكم يدوم كلٍ منهما وما تعريفهما ومتى يصح للزوج مجامعة زوجته المستحاضة، وماذا تصنع المرأة إذا اغتسلت من الحيض وبدأت الصلاة ثم نزل عليها الحيض مرة أخرى، وما إلى ذلك. ويقال إن الإمام أحمد قضى تسع سنوات يكتب كتابه عن الحيض

واتخذوا من الحيض حساباً عددياً لعدة المرأة المطلقة  أوالميت عنها زوجها، وقالوا إن عدة المطلقة ثلاثة قروء ( حيضات)، فإذا حاضت ثلاث مرات فهي غير حبلى ويجوز طلاقها، وإن لم تحض فهي حبلى ولا يصح طلاقها حتى تضع مولودها. وما عرفوا أن هناك أمراض عديدة تمنع عن المرأة الحيض بدون حمل. وفي عصرنا هذا لا نحتاج إلى ثلاث حيضات لنعرف إذا كانت المرأة حبلى أم لا. ولكن المشايخ ما زالوا مصرين على العدة لأنها طقس من الطقوس لا بد من الالتزام به إذا أردنا أن نُرضي الإله.

الحج والعمرة

كان العرب من قبل الميلاد يحجون إلى أماكن مقدسة لهم في شهر معين سموه ذي الحجة. وهذه التسمية المعروفة حتي الان في التقويم الهجري، هي تسمية قديمة كانت معروفة حتى لعرب جنوب الجزيرة،وقد وردت في نصوص المسند. فبين أسماء الأشهر الواردة في نصوص المسند اسم شهر يعرف ب " ذحجتن" أي " ذي الحجة" ويدل ذلك علي أنه الشهر الذي يُحج فيه. وقد وردت كلمة " حج" في نصوص المسند كذلك[5] 

أما النصوص الكلاسيكية من يونانية ولاتينية وسريانية فقد أشارت إلي وجود الحج عند العرب، وإلى ذهاب القبائل العربية الشمالية القاطنة في الكورة العربية أو النازلة في البوادي الملاصقة لإقليم الشام وفلسطين إلى بيوت كانت تعظمها وتقدسها، مثل معبد " ذي الشرى" عند نبط " بطرا" ولكنها لم تشر إلي وجود " بيت" واحد كان العرب يحجون إليه جميعاً. ولذلك ذهب " ولهوزن" إلي تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج إليها الجاهليون في شهر " ذي الحجة"

و عرب نجد وقبيلة قريش حول مكة كانوا يحجون إلى الكعبة، ولكن هناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم بها[6]

و " البيت" بناء مكعب ولذلك قيل له " الكعبة". لم يكن له سقف، وأول تسقيفه كان في التعمير الذي أُجرى عليه في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، أي أيام كان الرسول صغيراً. وقد أُقيم السقف علي ستة أعمدة من خشب وزعت في صفين. أما كسوة البيت فكانت قبل ميلاد الرسول، ويرجعها الإخباريون إلي التبابعة. وأما " الحجر الأسود" فكان موجودا قبل أيام الرسول، ويظهر أنه كان حجرا مقدسا عند الجاهليين، وقد كان الجاهليون يلمسونه للتبرك به، ( تاج العروس 8/251) )

والعمرة هي بمثابة الحج الأصغر في الإسلام، وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر رجب، وهو واحد من الأشهر الحرم في الجاهلية

وفي موسم الحج كان الجاهليون يقومون بالطواف بالبيت، وكان الرسول قبل نزول الرسالة عليه يعتكف بغار حراء لمدة شهر من كل عام وعندما ينتهي اعتكافه كان يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى بيته. ولم يكن الطواف حول الأمكان المقدسة من الأمور التي انفرد بها الجاهليون، بل هو معروف عند غيرهم من الشعوب، كقدماء الفرس والهنود والبوذيين والرومان. ونجد في " المزامير" : " أغسل يدي في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب" (المزامير: الإصحاح السادس والعشرون/6). وقد ذكر الإخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون علي شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة.( اللسان 10/117، تاج العروس 8/304)[7]

وقد كان الجاهليون يطوفون بالصفا والمروة وعليهما صنمان يمسحونهما،  والصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل الجاهلية. وكان طوافهم بها بقدر طوافهم بالبيت، أي سبعة أشواط، كما كانوا يقدمون الأضاحي ويقصون شعورهم هناك " تفسير الجلالين 1/ 21 "

ومن العادات الدينية المتصلة بالطواف وبالحج إلي المواضع المقدسة عادة " الإرتجام"، ويقال لرمي الحصى أو الأحجار " رمي الجمرات" أو " الرجم ". وقد كان الرجم معروفاً للعبريين، سفر التكوين: الإصحاح الحادي والثلاثون / 45 وما بعدها: " وقال لابان ليعقوب: هو  ذا هذه الرجمة وهو ذا العمود الذي وضعت بيني وبينك". وهو معروف أيضاً عند الآراميين. وكلمة " ر ج م" من الكلمات السامية القديمة، وهي تعني ايضاً  الأحجار التي تنصب علي القبر ( النهاية في غريب الحديث والأثر 2/74، اللسان 15/ 117 )[8]

ويلحق بالحج تقديم العتائر، وهي الأضحية,  وكانت تذبح عند الأنصاب، فتوزع علي الحاضرين فلا " يصد عنها إنسان ولا سبع" ( المشرق: السنة السبعة والثلاثون، كانون الثاني-آذار 1939 ص 92).

وتقبيل الأحجار واستلامها في أثناء الطواف أو في غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليين. كان في روعهم أن هذا التقبيل مما يقربهم إلي الآلهة، ويوصلهم إليها، فتقربوا إليها ونصبوها في مواضع ظاهرة، ومسحوا أجسامهم بها تبركاً. ,كلمة " استلم" " استلام" استعملت عند أهل مكة بالنسبة للحجر الأسود. وطريقتهم أن يمر الإنسان يده علي الحجر المقدس أو أن يمسه بها إن صعب استلامه كله. " البخاري 1/ 66، 211"

وكانت الرفادة خرجاً تخرجه قريش في كل موسم من  أموالها إلي قصي بن كلاب، فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم، وذلك أن قصياً فرضه علي قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف  بالكرامة، فاجعلوا لهم شراباً طعاماً أيام هذا الحج[9]

وكان عرب الجاهلية لما يطوفون حول البيت يترنمون بالتلبية للأصنام وكانت تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك".

فلما جاء الإسلام وهاجر الرسول إلى المدينة أراد أن يجعل الحج والطواف حول الكعبة من شعائر الإسلام، فنزلت سورة البقرة: : وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله " ( البقرة 196). فكان الحج في الإسلام لا يتضمن الصفا والمروة،

أورد أبن كثير في تفسيره الحديث الذي اخرجه البخاري في صحيحه والذي فيه سأل عاصم بن سلمان أنس بن مالك عن الصفا والمروة وأورد القرطبي أنه لما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله: كنا نطوف بالصفا والمروة والله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا والمروة  فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فانزل الله عز وجل الآية: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم)[10].

إن مما يدل على أن الطواف بين الصفا والمروة في أول الأمر لم يشكل ضفيرة في نسيج الحج أن الآيات التي تناولت الحج في القرآن وهي من السادسة والتسعين بعد المائة حتى المائتين، لم تشمله مع أنها ذكرت أموراً أخرى أخفض منه رتبة مثل ما يفعله المريض أو من به أذى في رأسه وكذا الرفث والجدال فيه

أما ما ورد في الآية السابعة والتسعين من سورة آل عمران ( لله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) فهو فرض الحج على الناس، وفي سورة الحج وهي أيضاً مدنية، حديث عن الآذان بالحج وكيف أنهم يأتون من كل فج عميق. وليس في إحدى الآيتين أي ذكر للطواف بين الصفا والمروة. وسورة الحج كلها تخلوا من ذكر الصفا والمروة. ويكفي أن مالكاً والشافعي وأحمد بن حنبل ذهبوا إلى أن الطواف بين الصفا والمروة ركن من اركان الحج، فلو كان أصلاً ركناً من أركان الحج لما أحتاج هؤلاء إلى تأكيده. والآية الخاصة بالطواف بين الصفا والمروة جاءت بمعزل عن الآيات التي تناولت الحج وجزئياته، فقد حملت رقم الثامنة والخمسين بعد المائة من سورة البقرة.

ويظهر من سياق هذه الآية أن الصفا والمروة من شعائر الله لكن الطواف بهما ليس فرضاً لأنه قال: " فلا جناح عليه أن يطوف بهما". فكلمة " لا جناح عليه" تعني : لا ذنب عليه، والذنب يكون على فاعل الشئ المحرّم. فنفهم من الآية أن الطواف بالصفا والمروة كان فيه إثم ولكن الآن لا إثم به أو لا جناح لمن أراد أن يطوف بهما. وكذلك قال: " فمن تطوع خيراً" أي الطواف ليس فرضاً ولكن من تطوع به فإن الله يكون شاكراً له ذلك ولا جناح عليه. ولكن في الواقع أن الطواف بالصفا والمروة أصبح فرضاً لأن هاجر هرولت بينهما تبحث عن الماء لطفلها. فسياق الآية لا يتماشى مع الفرض

وإذا كان الطواف بهما فرضاً لماذا لم تتضمنهما آية الحج؟ لماذا نزلت آية الصفا والمروة بعد أن ذكرهما المسلمون للنبي؟ وكيف يكون الصفا والمروة من شعائر الله والطواف بهما كان عادة جاهلية من قبل الإسلام. والحج نفسه كان عادة جاهلية، فماذا زاد الإسلام على الطقوس الجاهلية.

لم يزد الإسلام أي شئ على الطقوس الجاهلية بل جعل تقبيل الحجر الأسود، وهو نوع من عبادة الأصنام كانت تمارسها الجاهلية، جزءاً من الإسلام، والأخير جاء أصلاً ليمنعنا من عبادة الأصنام. ويقال أن الخليفة عمر بن الخطاب لما حج قبّل الحجر الأسود وقال: والله لولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك، لما قبلتك".

فهل لطقوس الحج أي فائدة للإسلام أو المسلمين، وهل الطواف حول الكعبة يعني أن الإنسان أكثر إيماناً بالله لأنه طاف حول مبنى عتيق لا يختلف عن أي مبني آخر مكعب الشكل إلا بالخرافات التي نُسجت حوله من أنه بناه النبي إبراهيم، الذي عاش في فلسطين في منطقة بيرشيبا، كما تقول  التوراة، وليس هناك أي دليل أنه جاء إلى منطقة مكة. هل الركض بين الصفا والمروة، كما كان يفعل الجاهليون، يثبت أن الإنسان أكثر إيماناً بالله؟

وماذا عن رمي الجمرات التي يُقصد منه رمي الشيطان، كأنما الشيطان سيقف مكتوفاً على منى حتى نقصفه بالجمرات، التي غالباً ما تقصف الحجيج  أنفسهم ويسبب الاندفاع إلى رمي الجمرات موت العشرات كل عام.

وإذا كان الحج ورمي الجمرات والهرولة بين الصفا والمروة بهذه الأهمية لله، لماذا لم يترك عرب الجاهلية يستمرون فيما كانوا يفعلون، فيبدو أنهم كانوا يقومون بكل شعائره.

يُحكى أن رجلاً من أهالي النهروان حج في أيام الهادي فنظر إلى الناس يهرولون في الطواف فشبههم " ببقر تدوس في البيدر" فلما سمع الهادي بهذا التشبيه الرائع أمر بالرجل فقتل ثم صلب.[11]

الصلاة

الصلاة تعني الصلة بين الإنسان والإله، و كانت معروفة للبشر منذ بداية الديانات القديمة، وهي في جوهرها طقوس يقوم بها الإنسان، قد تتخذ شكل حركات معينة أو دعاء أو خلوة وانفراد ليتأمل الإنسان في ربه وكيف يتقرب إليه ليجلب الطمأنينة والهدوء إلى نفسه. وكل الأديان السماوية والوضعية لها طقوس معينة للصلاة.

وفي بداية الدعوة الإسلامية عندما كان الرسول بمكة كانت الصلاة تقام سراً في إحدى البيوت، وقد أخبر الرسول أتباعه أن الله فرض عليهم الصلاة. ولكن القرآن لم يحدد كيفية الصلاة، ويبدو أن الأمر تُرك لمحمد ليبت فيه خاصةً بعد ليلة الإسراء والمعراج عندما قابل محمد ربه الذي أخبره أنه قد فرض على أمته خمسين صلاةً في اليوم، وقد قبل الرسول بذلك ولكن في طريق عودته مر بالنبي موسى الذي حثه ليرجع إلى ربه ويتوسل إليه ليقلل عدد مرات الصلاة في اليوم لأن أمة محمد لن تستطيع أن تتحمل خمسين صلاة في اليوم. وبعد عدة رحلات ومساومات مع الله استقر الوضع على خمسة صلوات في اليوم، دون تحديد عدد الركعات أو كيفية أداء الصلاة.

وعلق الإسلام أهمية كبيرة على الصلاة، فذكرها 53 مرة، في 26 سورة ، 14 منها مكية و12 مدنية. وحدد محمد نوعين من الصلاة، صلاة الحضر للمقيمين، وصلاة السفر لغير المقيمين، وكان عدد الركعات في النوعين من الصلاة ركعتين، وصلوا نحو بيت المقدس

وفي أول سنة في المدينة زاد الرسول عدد ركعات صلاة الحضر إلى أربعة ركعات [12]. وكان الناس يجتمعون للصلاة في مواعيدها دون دعوة. وفي أول سنة في المدينة قرر الرسول أن يجعل بوقاً كبوق اليهود يدعو به للصلاة، ولم يعجبه البوق فقرر استعمال الناقوس كالنصارى، فبينا هم على ذلك أتى عبد الله بن زيد بن ثعلبة إلى النبي فقال: يا رسول الله إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجلٌ عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوساً في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: ما تعمل به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول الله اكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله.

فلما أخبر بها رسول الله، قال الرسول: " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتاً منك" [13]. وصار الأذان من وقتها بهذه الصيغة، واستمرت القبلة نحو بيت المقدس حتى السنة الثانية من الهجرة، وقد كان يؤمل استمالة يهود يثرب إليه، ولكن بعد مرور سبعة عشر شهراً بالمدينة دون أي نجاح في استمالة اليهود، غير الرسول قبلته إلى مكة، التي لم يصل نحوها حتى عندما كان بها. وعندما سأله الناس لماذا هذا التغيير الذي لا يخدم غرضاً، جاء الرد في سورة البقرة، الآية 142: " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

ولما لم يكن هذا رداً مقنعاً، أنزل الله لمحمد الآية 143 من نفس السورة: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه". ولما لم يسكت الناس، وخاصةً اليهود، عن تساؤلاتهم عن سبب تحويل القبلة، أنزل الله لنبيه الآية 144: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلةً ترضاها، فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره". فصار المسجد الحرام هو القبلة الرسمية بعد أن كان بيت المقدس قبلة المسلمين لما يقرب من خمسة عشر عاماً.

وبعد كل هذا الجدل مع اليهود والمشركين عن القبلة، خرج الرسول في ليلةٍ مظلمة، حسب ما روى عامر بن ربيعة، فقال: " كنا مع النبي (ص) في ليلة مظلمة، فأشكلت علينا القبلة. فصلينا، فلما طلعت الشمس وجدنا أنا قد صلينا إلى غير القبلة، فنزلت:(ولله المشرق والمغرب  فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) "[14].  فيبدوا أن مسألة القبلة، بعد كل هذا الجدل، لم تكن مهمة لأن ثمة وجه الله حيثما صلينا.

ولم يكتف الرسول بالقرآن وحده ليبين لنا أن القبلة غير ذات أهمية، فقد روى عنه أبو هريرة: " ما بين المشرق والمغرب قبلة ". فقد تكون هذه القبلة 180 درجةً ما بين المشرق والمغرب إذا كنت متجهاً شمالاً، وكذلك 180 درجةً إذا كنت متجهاً جنوباً، وعليه تكون القبلة في 360 درجة حول الشخص. فيجوز أن نصلى شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، فثمة وجه الله.

ولزيادة هذا التأكيد على شيوع القبلة، قال عامر بن ربيعة: " رأيت رسول الله (ص) يصلي على راحلته حيث توجهت به ". فالدابة طبعاً لا تعرف أين بيت المقدس أو أين مكة، ولذلك ترك لها الرسول الأمر لتحدد في أي اتجاه يصلي.

غير أن العلماء الذين جاءوا بعد النبي لم يعجبهم هذا التعميم، فشرّعوا لنا في مسألة القبلة وقالوا يجب أن نصلي تجاه مكة، ووضعوا لنا بوصلات في سجادات الصلاة لتدلنا إلى القبلة. ولم يكتفوا بذلك، فقالوا إذا صلى المرء في الفضاء فيجب أن يضع سُترةً أمامه أو عصا لتمنع الناس من المرور بينه وبين القبلة، كأنما هناك ضوءاً تحت الأحمر Infrared سوف يقطعه الشخص الذي يمر من أمام المصلي. ولأهمية القبلة عند المشايخ قالوا إذا حاول شخص المرور بين المصلي والعصا التي وضعها أمامه، فيجب أن يدفعه المصلي حتى إن أدى ذلك إلى عراك بينهما، فعن ابن سعيد الخضري، قال: " إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره عن الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطانٌ ". وزاد العلماء على ذلك فقالوا إن دفعه أو ضربه فقتله فدمه هدر لأنه صائل ( متعدي على حرم الشخص) [15]. فيجب على المصلي أن يدفع الشخص العابر أمامه حتى إن أدى ذلك إلى مشاجرة يموت فيها الشخص الآخر الذي يصبح دمه هدراً، فحماية القبلة أهم من دم هذا الشخص

ولكن أبو هريرة يخبرنا عن رأي آخر، فقد قال: " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً ، فإن لم يكن فليخط خطاً في الأرض، ثم لا يضره من مر بين يديه ". فأبو هريرة لا يُعطي للصلة المباشرة بين المصلي والقبلة نفس الأهمية التي يُعطيها إياها بقية العلماء.

وأصبحت القبلة من الأهمية بحيث شرّع علماء الإسلام بأن المسلم إذا خرج إلى الخلاء لقضاء حاجته فيجب ألا يكون قبله أو دبره متجهاً نحو القبلة، ولكن إذا خرج في حمام في منزل فلا بأس من أن يستقبل أو يستدبر القبلة. وطبعاً ليس هناك أي منطق لهذه الاجتهادات ولا تخدم غرضاً، فوجه الله في كل مكان والصلاة المقصود بها مناجاة الله والتبتل إليه، وما دام الله في كل مكان فهو يرانا ويسمعنا سواء أكنا متجهين جنوباً أو شمالاً، شرقاً أو غرباً. ولكن الطقوس الإسلامية لم تتخلص من وثنية أهل الجاهلية الذين كانوا يقدسون بناء الكعبة لأنه يحتوي على أصنامهم، ولذا طافوا به. والإسلام، كالجاهلية، يهتم بالطقوس أكثر من العبادة نفسها. فما هي أهمية الكعبة التي تهدمت عدة مرات وبناها الجاهليون وسقفوها لأول مرة عندما كان الرسول طفلاً. ثم ضربها الحجاج بن يوسف بالمنجنيق ولم يحمها الله كما حماها من أبرهة وأفياله عندما رماهم بحجارة من سجين. ولا يسعنا إلا أن نتساءل: ماذا حدث لطير أبابيل وحجارتها من سجين عندما هاجم الحجاج الكعبة. 

ورغم أهمية الصلاة، وكونها من الأركان الخمسة للإسلام، لم يحدد الرسول غير عددها وأوقاتا وعد ركعاتها طوال فترة مكة ، وهي ثلاثة عشر سنة. وفي المدينة زاد عدد الركعات إلى أربعة، وغير القبلة، وحاول أن يستعمل البوق ثم الناقوس لدعوة الناس للصلاة، ثم اخترعوا الأذان. و لكن حتى صيغة الأذان أتى بها رجل عادي، وقال الرسول إنها رؤية مباركة، ولا يملك المرء إلا أن يسأل: لماذا لم يُري الله هذه الرؤية المباركة لرسوله وقد رآه حائراً يُجرب بوق اليهود وناقوس النصارى ؟

وبعد أن استقرت الأوضاع في المدينة، بدأ العلماء يُشرعون، وقال بعضهم إن الوظيفة الأولى للمسلم، بل للإنسان، في الحياة، هي عبادة الله وإقامة الصلاة، ولا داعي للبحوث العلمية التي تُقدم البشر ولا لأي عمل آخر. وأتوا بحديث عن الرسول يقول: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". وما دامت الصلاة بهذه الأهمية فلا يجوز أن يصلي المرء وهو نجسٌ، فلا بد من الطهارة قبل الصلاة.

ونزلت قواعد الطهارة في سورة المائدة، الآية 6: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم للصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جُنباً فاطهّروا وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءاً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ". وأصبح الوضوء طقساً من الطقوس الدينية يجب أن يتم بنفس الترتيب الذي قاله القرآن وفعله النبي.

فقد قال بن باز مفتي المملكة العربية السابق: " المشروع للمسلم أن يتوضأ كما توضأ النبي (ص)، فيبدأ بالوجه ويتمضمض ويستنشق ويغسله ثلاثاً، ثم يغسل اليدين مع المرفقين ثلاث مرات، ويبدأ باليمنى قبل اليسرى، ثم يمسح رأسه مع الأذنين مرة واحدة، ثم يغسل الرجلين، ويبدأ باليمني قبل اليسرى. وإذا نسى الشخص وجهه وأكمل الوضوء يجب أن يعيده من الأول" [16] . فمن الواضح أن الوضوء أصبح طقساً من الطقوس العادية يجب أن نلزم فيه الترتيب الزمني الذي لا يخدم غرضاً. فما هي أهمية الترتيب إذا كان القصد الطهارة، وقد غسل الإنسان كل الأعضاء التي يجب غسلها، لكنه أخطأ في الترتيب؟وهل أصبح الله لا يهمه من هذه الدنيا إلا مراقبتنا ليرى إن كنا قد غسلنا رجلنا اليمنى أولاً أم اليسرى؟

فالقرآن هنا حدد طقوس الطهارة وهي غسل الوجه والأيادي إلى المرفقين ومسح الرأس ثم غسل الرجلين إلى الكعبين. فنستنتج من هنا أن النجاسة هي في المواضع المذكورة، ولذلك أمر الله بغسلها لنكون طاهرين للصلاة. والنجاسة ليست في البراز والبول والمني، لأن الله قال : " أو جاء أحدكم من الغائط، أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءاً فتيمموا". فقد أذن الله لعرب الصحراء الذين كان الماء شحيحاً عندهم أن يتبرزوا ويجامعوا النساء ثم يمسحوا على أيديهم وأوجههم بالتراب، إذا لم يجدوا ماءاً، فيصبحوا طاهرين، ثم يصلوا. فالوضوء والغسل والتيمم كلها إذاً طقوس تدل على الطهارة المعنوية وليست الفعلية، إذ كيف يزيل المسح على الوجه بالتراب القذارة عن الدبر أو الفرج؟

وكيف يطلب الله من المسلم المتوضئ أن يغتسل أو يتوضأ إذا خرج من أحدهم المني أو البول أو الغائط، لكي يصير أحدهم طاهراً ليصلي لله، بينما إذا حمل الإنسان كل هذه الأشياء داخل جسمه ولم يخرجها، جاز له أن يصلي بوضوئه الأول وهو طاهر. فهل الإسلام يهتم بالمظاهر فقط؟ ويبدو لي لو أن الإنسان أخرج كل هذه الأشياء من جسمه يكون جسمه أكثر طهارة لأنه تخلص من الأدران التي كان يحملها، وبالتالي لا يحتاج أن يتوضأ.

وكالعادة، جلس العلماء، الذين لا عمل لهم غير التنقيب عن الأحاديث والآيات طوال الأيام والسنين، فليس لديهم وظيفة أخرى تشغلهم، ولا يطلبون علماً آخراً غير الحديث والقرآن، فخرجوا لنا بما لا يُحصى من نواقض الوضوء. فقالوا إذا بال المتوضئ وغسل ذكره بالماء، فإنه ما زال نجساً وعليه أن يتوضأ مرة أخرى، بينما لم يصب البول وجهه أو رأسه أو أنفه أو أرجله، وهذه هي الأعضاء التي يغسلها إذا توضأ. والمنطق هنا يقول إذا بال المتوضئ، واعتبرنا البول نجساً، فيجب أن يغسل المتوضئ ذكره فقط، خاصة إذا عرفنا أن المسلمين كانوا يعانون من شح المياه، حتى أن الله سمح لهم أن يتبرزوا ويمسحوا على أيديهم ووجوههم بالتراب ليصبحوا طاهرين.

وزادوا في شروطهم وقالوا: إذا أدخل البالغ حشفته في الفرج ولم يكمل دخول الذكر كله ولم يواصل الجماع، يجب عليه الوضوء مرة أخرى لأن وضوءه قد انتقض. وكما قلنا سابقاً فإنه  حين يتوضأ يغسل وجهه ويديه ورجليه،  فما الحكمة من غسل وجهه والذكر هو الذي سبب نقض الوضوء؟ أما كان الأجدر أن يغسل ذكره فقط لأنه سبق أن توضأ من قبل وغسل كل هذه الأعضاء؟ وإذا كان دخول الحشفة في الفرج دون الإنزال يسبب النجاسة، فإذاً الفرج في حد ذاته نجس، ودخول الحشفة به جعل الرجل المتوضئ نجساً. وما دام الفرج نجساً، فكيف يصبح غسيل الوجه واليدين من المرأة مطهراً لها والفرج الذي سبب نقض الوضوء ما زال نجساً؟ يجب أن تغسل المرأة فرجها في كل مرة تتوضأ فيها لأن الفرج بطبعه نجس.

واستمر الفقهاء في بحوثهم عن نواقض الوضوء فقال عليّ بن طلق إن رسول الله (ص) قال: " إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة ". فإذاً الفسوة، وهي غاز نحمل منه في الأمعاء الغليظ كميات ليست بالضئيلة، إذا خرج من المصلي، بطلت صلاته وبطل وضوءه، ولكن إذا ضغط على نفسه وحبس هذا الغاز داخله، فهو طاهر. وهذا الغاز هوDihydrogen sulphite  الذي يتكون من مشتقات الكبريت والهيدروجين ولا يختلف عن غاز ثاني أوكسيد الكربون، مثلاً، إلا في الرائحة. فما الذي جعله نجساً؟ إذا كانت الرائحة هي السبب، فهناك مرضى بتقرحات جلدية تنبعث منها رائحة كريهة، لكن صحتهم العامة وحركتهم لا تتأثران بهذه القروح التي قد تتطلب شهوراً لتندمل، فيجب إذاً أن يمتنع هؤلاء عن الصلاة لأن تقرحاتهم بها رائحة كرائحة الفسوة. وهناك مرضى يعانون من مرض وراثي اسمه ظاهرة رائحة السمك Fish Odour Syndrome هؤلاء المرضى ينقصهم إنزيم معين يؤثر في تخلص الجسم من بعض المواد التي تتسرب إلى الجلد وتصبح رائحة الإنسان كرائحة السمك مدى حياته، ولا ينفع معها الاستحمام. فهل تبطل الصلاة عن هؤلاء الناس؟

وبعد كل هذا الجدل عن كيف يتطهر الإنسان للصلاة، جاءنا أبو هريرة بحديث يقول: " إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب ". والحديث يعني إذا وطئ المتوضئ البراز بنعليه وعلق البراز بهما، فليمسحهما بالتراب ويصلي فيهما. فهل هناك قذارة أكثر من البراز؟ وهل إذا مسح الشخص الحذاء بالتراب، يزيل التراب هذه النجاسة لتسمح له أن يصلى في نعليه؟

ورغم هوس العلماء الإسلاميين بطقوس الطهارة، التي يجب أن تكون طهارة معنوية لكنهم جعلوها طهارة جسدية، فإن المسلمين الأوائل ما كانوا يرون في البول نجاسة تستدعي الغسل، فقد كانوا يبولون في كل مكان، حتى في مسجد الرسول [17]. واستمر هذا المفهوم كما هوحتى أيام الخلافة الأموية.  ويروى أن الحجاج بن يوسف، لما بنى مدينته الجديدة " واسط" أصدر أمراً بحبس من يبول أو يتغوط فيها. فقال أعرابي:

إذا نحن جاوزنا مدينة واسطٍ                خرينا وصلينا بغير حسابِ

وأكثر من ذلك تبحر العلماء في البحث وأتوا لنا بحديث عن أنس بن مالك يقول، قال رسول الله (ص) : " إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن يبصق عن شماله تحت قدمه". فالله غير موجود عن شمال الإنسان المصلي، ولذلك يستطيع أن يبصق عن شماله.

وقد رأينا فيما مضى أن بعض المشايخ قد كفرّوا تارك الصلاة، فسأل مأذون بالسعودية الشيخ بن باز: هل يجوز لي أن أعقد لرجل مسلم لا يصلي على امرأة تصلي؟ فقال له بن باز: " إذا علمت أن أحد الزوجين لا يصلي فلا تعقد لهما، لأن تارك الصلاة كفر لقول الرسول (ص): بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، وكذلك قال الرسول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر". فما دام المأذون قد عرف أن الرجل لا يصلي، وهو بالتالي قد كفر، لماذا لا يطبق عليه حد الردة ويقتله بدل أن يزوجه؟

وحتى التثاؤب منعوه في الصلاة، فقال أبو هريرة في حديث آخر: " التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع ". أي يضغط الإنسان على حنكه ليمنع فتح الفم والتثاؤب. وحسب علم الكاتب فالتثاؤب ينتج عن قلة الأوكسجين في الهواء، ولم يكن الكاتب يعلم أنه من الشيطان.

فكل هذا يثبت لنا أن الوضوء والصلاة أصبحتا طقوساً كطقوس الجاهلية، يهتم المسلمون بأدائها وترتيب هذا الأداء أكثر من العبادة نفسها.

الختان

يُعد الختان من العادات الجاهلية القديمة، والعرب في ذلك كالعبرانيين الذين سبقوهم بالختان. الختان أمر لم يشر إليه القرآن  إنما ورد ذكره في الحديث. وترجع الكلمة إلي أصل سامي شمالي قديم،  والختان هو في الأصل نوع من أنواع العبادة الدموية التي كان يقدمها الإنسان إلي الأرباب، وتعد أهم جزء من العبادات في الديانات القديمة. فقطع جزء من البدن وإسالة الدم منه هو تضحية في عرف أهل ذلك العهد ذات شأن خطير، كما كان حلق الشعر كله أو جزء منه نوعاً من أنواع التقرب إلي الآلهة. والختان في الإسلام وإن لم يُنص علي وجوبه في القرآن غير أنه من شعائر المسلمين. وكان الجاهليون يقولون لمن لم يختن " الأغلف" و "الأغرل" وهم يعيبون من لم يختن ويعدون الأغلف ناقصاً [18]

وقد أشار إلي انتشار هذه العادة عند العرب بعض الكتاب الكلاسيكيين مثل " يوسفوس" المؤرخ اليهودي و "أويسبيوس" و " سوزومينوس"   ويظهر أنه كان معروفاً عند العرب الجنوبيين وعند الحبشة كذلك  وقد طبق علي النوعين الذكور والإناث.

وعندما جاء النبي إبراهيم برسالته اتخذ الله معه عهداً، كما تقول التوراة: وقال الله لإبراهيم: " وأنت فاحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم * هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: يُختن كل ذكر منكم * فتختنون في لحم قُلفتكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم * وابن ثمانية أيام يُختن، كل ذكر منكم من جيلٍ إلى جيل " [19].

وجاء موسى واستمر عهد اليهود مع الله وختنوا، وما زالوا يختنون أولادهم، لكنهم لم يختنوا البنات. وجاء عيسى بن مريم بعد موسى، ومع أنه جاء ليكمل رسالة موسى إلا أنه لم يطلب من أتباعه الختان، ولا تخبرنا سيرته في المسيحية عما إذا كان هو نفسه مختوناً أم لا. والقرآن كذلك لم يتعرض لهذا الجزء من حياته الشخصية.

ولما جاء الإسلام تقبل محمد إسلام رجالٍ كثيرين دون أن يفحص عليهم ليرى إن كانوا مختونين أم لا. وهو نفسه لم يُختن كطفل ولكن كتب السيرة تخبرنا أنه وُلد مختوناً. وما دام الرسول قد ولد مختوناً، أصبح الختان واجباً على كل مسلم، غير أن الإسلام لم يُحدد متى يُختن الطفل، فمنهم من يُختن بعد الولادة مباشرة ومنهم من يُختن بعد البلوغ،كما يحدث في منطقة جيزان بالمملكة العربية السعودية.

وعلى مر العصور تمسك المسلمون بأن الختان يجعل المسلم أكثر نظافةً لأنه يُزيل تراكم " الحنشة" Smegma  (مادة بيضاء ذات رائحة كريهة تتجمع بين الحشفة والجلد إذا لم يُفسخ الجلد ).  وفي بداية القرن الماضي طلب جراح أمريكي من الأمركان ختان أولادهم الذكور لأن الختان، كما قال، يقلل من العادة السرية التي تقود إلى الجنون. وأخذ بعضهم بهذه النصيحة وختنوا أولادهم، غير أن النسبة لم تكن كبيرة. ثم جاء   بعد الحرب العالمية الثانية  جراح أمريكي من أصل يهودي، اسمه مادن Maden ادعى أن الختان يمنع حدوث سرطان القضيب في الرجال. وبني ادعاءه على إحصاءات أثبتت أن نسبة سرطان القضيب في الرجال اليهود بإسرائيل ضئيلة. وعليه انتشر ختان الأطفال الذكور في أمريكا وبلغت نسبة الأطفال المختونين في أمريكا 90% في  الستينات من القرن الماضي. وطبعاً هلل المشايخ وقالوا إن الإسلام قد عرف هذه الحقيقة منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.

وجاء من يشكك في ادعاء الجراح الأمريكي، وأجروا دراسات أثبتت أن سرطان القضيب أصلاً نادر الحدوث في المختونين وغير المختونين، ونسبته لا تتعدى 1: 100000 ( رجل واحد في كل مائة ألف رجل) ولا تختلف هذه النسبة بينهم كثيراً. وأثبتوا كذلك أن الختان، لأنه يجعل الحشفة مكشوفة كل الوقت وتحتك بالملابس الداخلية باستمرار، يجعل الرجل يفقد بعض حساسية الحشفة وبالتالي تقل نسبة تهيجه ولذته عند الجماع. وتحدث مضاعفات جراحية كثيرة منها النزيف ومنها قطع جزء كبير من الحشفة مع الجلد.

قال هؤلاء العلماء إن الله  خلق هذا الجلد ليغطي الحشفة لحكمة معينه، لأنه لا يُعقل من الله أن يخلق الأشياء عبثاً وبدون فائدة تعود منها للمخلوق. فلماذا يخلق الله هذا الجلد ليغطي الحشفة ويحميها من الاحتكاك بالملابس، ثم يقول للناس اقطعوا هذا الجلد، أو يقطعه هو بنفسه كما فعل مع الرسول محمد؟

وبناءاً على هذه الإحصاءات الجديدة تكونت جمعيات في أمريكا تطالب بوقف الختان، وتخصص بعض الجراحين في إعادة الجلد المقطوع من الذكر بتعليق أوزان صغيرة على جلد القضيب، تزيد هذه الأوزان تدريجياً، حتى يمتط الجلد فيغطي الحشفة.

وtفي عام 1971 أصدرت أكاديمية طب الأطفال الأمريكية منشوراً يقول أنه لا يوجد أي سبب طبي لختان الأطفال وليس هناك أي فائدة من الختان. و بالتدريج قلت نسبة الأطفال المختونين في أمريكا إلى 50% في عام 1995 [20].  ونفس الشئ حدث في إنكلترا وفي كندا، التي كانت نسبة الذكور المختونين فيها في عام 1975 44% وأصبحت الآن 4%، وفي فلندا نسبة الختان صفر بالمائة[21]

و نسبة ختان الذكور في البلاد الإسلامية طبعاً 100%. و رغم أن القرآن لم يذكر الختان إطلاقاً، لا للرجال ولا للنساء، يؤكد الأخباريون أن ختان النساء كان معروفاً في الجاهلية، وساقوا قصة عن حمزة بن عبد المطلب، عم الرسول، في غزوة أُحد عندما مر به سباع بن عبد العُزى، وكان يُكنى بأبي نمار، فقال له حمزة: هلمَ إليّ يا ابن مقطّعة البظور. وكانت أم سباع وكنيتها أم نمار، مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، كانت ختّانة بمكة. 

تمسك المسلمون بأحاديث غالباً ما تكون منحولة، منها حديث يقول أن الرسول مر على امرأة تختن بنتاً فقال لها: " أخفضي ولا تُنهكي"، ليبرروا به ختان البنات. ويعتقد أغلب المسلمين أن ختان البنات سنة ولذلك يصرون عليه. وينتشر ختان البنات في 28 قطر أفريقي منها الأقطار المسلمة مثل مصر والصومال والسودان وجيبوتي ومالى وبنين والكاميرون وغينيا بيساو. وبقية الأقطار الأفريقية التي تمارس ختان البنات بها مسلمون أيضاً، مثل شمال نيجيريا وأثيوبيا وشمال كينيا.  وسلطنة عمان واليمن والأمارات العربية يُمارس فيها ختان البنات. وكذلك البلاد المسلمة الأخرى مثل اندونيسيا وماليزيا

ويُقدر عدد النساء المختونات في العالم بحوالى 150 مليون امرأة، وكل عام تُختن حوالي أثنين مليون بنت. ويقول مشايخ الإسلام إن ختان البنت يزيل البظر الذي هو أكثر المناطق الحساسة في جهاز المرأة التناسلي، وبالتالي يقلل من شهوة المرأة ويساعد على صون شرفها.

والختان، مثله مثل الحجاب الذي يعتقد المسلمون أنه يصون  شرف المرأة بينما يأتي بعكس المطلوب منه، كذلك يأتي الختان بغير المتوقع. فأكثر أنواع الختان انتشاراً هو الختان السنة الذي يُقطع فيه البظر وأطراف الشفائف الصغرى ثم تخاط الشفائف الصغرى، ويتركون فتحة صغيرة للبول ولخروج دم الحيض. وأعداد كبيرة من هؤلاء النساء المختونات يمارسن الجنس قبل الزواج، ثم يدفعن للطبيب أو القابلة بعض المال لتخيط الشفائف كما كانت، وترجع المرأة كيوم ختانها وهي صغيرة

وللختان أضرار بالغة بالمرأة منها النزيف ساعة الختان، وقد يؤدي هذا للموت، ومنها الالتهابات التي قد تؤدي للعقم، والإصابة بمرض الكزاز ( Tetanus) ومنها كذلك صعوبة الولادة مما قد يؤدي لانفجار الرحم، ومنها الآلام المبرحة وقت مباشرة الجماع لأول مرة وبعد كل مرة تلد فيها المرأة. وهناك كذلك أضرار نفسية تصيب النساء من جراء الختان

ولم نسمع قط أن عالماً مسلماً دعا لتحريم ختان النساء، بل بالعكس هناك علماء من الأزهر، وعلماء في اليمن والسودان ونيجريا يؤكدون مشروعية ختان النساء ويطالبون به لحماية شرف المرأة المسلمة. وحتى في بلاد الغرب مثل كندا وإنكلترا وفرنسا حيث تقيم جاليات مسلمة، يلجأ ذوي البنات المسلمات إلى استئجار قابلة تختن البنات سراً أو يأخذون البنات إلى أوطانهم الأصلية حيث يختنوهن ويعودون بهن إلى أوربا.

وقد تكونت عدة جمعيات حول العالم لتوعية المسلمين بأضرار ختان البنات الذي أصبح اسمه في الغرب Genital Mutilation وتعني " تشويه الأعضاء التناسلية"، وللأسف الشديد نجد أن معظم أعضاء هذه الجمعيات من الأوربيين المسيحيين، ولا أثر لعلماء المسلمين بينهم. ولا غرو، فعلماء المسلمين هم الذين شجعوا المسلمين على التمسك بالختان بناءاً على أحاديثهم عن الرسول.

الصوم

الصوم في اللغة يعني ركود الريح وإمساكها عن الهبوب. وصيام النهار يعني اعتداله ومصام الشمس هو وقت توسطها السماء. وقد قال أمرؤ القيس في معلقته الشهيرة:

كأن الثريا عُلقت في مصامها               بأمراس كتان إلى صُم جُندلِ

 والصيام عن الشئ يعني الامتناع عنه، وقد يكون الصيام عن الأكل أو الشرب أو الاثنين معا، وقد يصوم بعض الناس عن نوع معيّن من الأكل كما يفعل المسيحيون يوم الجمعة الحزينة، يوم صُلب عيسى بن مريم،  فيصومون عن أكل اللحم ويأكلون السمك فقط. وقد يكون الصيام لأسباب طبية قبل العمليات الجراحية، أو كنوع من العبادة. وأصبح الصيام كذلك أداةً من أدوات الاحتجاج غالباً ما يستعمله السجناء السياسيون. وقد يكون الصوم عن الكلام فقط كما فعلت مريم العذراء عندما ولدت عيسى وقالت أنها نذرت للرحمن صوماً ألا تكلم اليوم إنسياً.

ويبدو أن الصيام لأسباب دينية بدأ باليهودية عندما قاد موسى بني إسرائيل من مصر وانفلق البحر لهم فنجوا واغرق الله فرعون وجنده، فصام الإسرائيليون شكراً لله على خلاصهم، وسموا هذا الصيام صيام عاشوراء. ولاختلاط بعض القبائل العربية بيهود المدينة وخيبر، كان جزء منهم يصوم يوم عاشوراء.

ولم يصم المسلمون في مكة في بداية الإسلام، ولم يذكر القرآن شيئاً عن الصيام. ولكن عندما هاجر الرسول إلى المدينة،  رأي اليهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم فاخبروه أنه اليوم الذي أغرق الله فيه آل فرعون، ونجي موسي ومن معه منهم، فقال الرسول: نحن أحق بموسي منهم. فصام وأمر الناس بصومه[22]

وأول سورة نزلت على الرسول بالمدينة هي سورة البقرة، وفيها نزلت الآية 183: " يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ". فأمر الرسول أصحابه أن يصوموا من كل شهر ثلاثة أيام، وقال لهم هكذا كُتب الصيام على الذين من قبلكم. فأصبح المسلمون يصومون ثلاثة أيام من كل شهر ثم يصومون يوم عاشوراء[23]

ثم نزلت الآية 184 من نفس السورة: " أيام معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً خيرٌ له وإن تصوموا خير لكم ". وهنا أعطى الله المسلمين الخيار فقال لهم الصيام أيام معدودات، ثلاثة أيام من كل شهر، ولكن من كان منكم مريضاً أو على سفر فيمكنه أن يفطر ويقضي الأيام فيما بعد. وكذلك زاد في الرخصة لهم وقال:  الأغنياء الذين يستطيعون إطعام مسكين، فلهم الخيار أن يصوموا أو يفطروا ويطعموا مسكيناً، ولكن إن تصوموا خيرٌ لكم.

ثم بعد فترة نزلت الآية 185 من نفس السورة: " شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات للهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ". فبدّل الرسول صوم الثلاثة أيام من كل شهر بصوم شهر رمضان كله، لكنه لم يذكر يوم عاشوراء، فصامه أناس وأفطره آخرون. وحدد بداية الصيام بقوله : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ".

وفي تلك الأيام طبعاً لم تكن هناك  تلسكوبات لترصد الهلال ولذلك اعتمدوا على الرؤيا بالعين المجردة إذا كان هناك شهود مع الشخص الذي شهد الهلال. واستمر الوضع هكذا إلى اليوم رغم أننا نمتلك اليوم مراصد علمية يمكن أن تحسب لنا مقدماً متى يظهر الهلال في أي بلد مسلم. ولكن نسبة لأن المسلمين لا يمكن أن يتفقوا على شئ، ظل الخلاف بين الأقطار المسلمة في بدء الصيام، ويندر أن تصوم كل البلاد المسلمة في نفس اليوم، وبالتالي يكون عيد الفطر في أيام مختلفة. ولكن عيد الأضحى لا اختلاف فيه لأن المملكة العربية السعودية تحدد متى يكون الحج.

وفي بداية صيام رمضان أباح الرسول للناس أن يأكلوا ويشربوا ويجامعوا نساءهم بعد غروب الشمس، ولكن إذا نام الشخص ثم استيقظ فلا يحل له الأكل أو الشرب أو مجامعة زوجته حتى غروب الشمس في اليوم التالي. وكالعادة، فعل عمر بن الخطاب شيئاً أو قاله، فوافقه الله فيما قال أو فعل. ففي ليلة من ليالي  رمضان أتى عمر فأراد أمرأته فقالت له: إني قد نمت، فظن عمر أنها تعتل فأتاها. وذهب عمر إلى النبي وقال له: اعتذر إلى الله وإليك، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال له الرسول: " لم تكن حقيقياً ياعمر". فرجع عمر إلى بيته فأرسل إليه الرسول وأخبره أن القرآن قد نزل بعذره، وقرأ له: " أُحِلَ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم "[24] .

فأباح الله للمسلمين مجامعة أزواجهم ليلة الصيام وفرح المسلمون بذلك. ويظهر من قصة فرض الصيام أن الموضوع تم بطريقة عشوائية متقطعة لا تراسل فيها. فالصيام ركن من الأركان الخمسة للإسلام، لكن الله لم يذكر عنه شيئاً طوال ثلاثة عشر عاماً قضاها الرسول بمكة، ثم لما جاء إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فرض على المسلمين أن يصوموه لأن المسلمين أحق بموسى من اليهود. ثم كتب الله الصيام على المسلمين، ثلاثة أيام من كل شهر. ثم غير رأيه وقال بل صوموا شهر رمضان كله لأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، وألغى صيام الثلاثة أيام من كل شهر. ولكن نسى الرسول أن يذكر أي شئ عن صيام يوم عاشوراء الذي كان قد فرضه على المسلمين، فلم يؤكده ولم يلغه، فظل جزء من المسلمين يصومه وجزء لا يصومه.

وفرض الله على المسلمين ألا يجامعوا أزواجهم في ليلة الصيام إذا نام أحدهم في أول الليل ثم استيقظ وأراد المجامعة. ولكن بعد أن جامع عمر امرأته، أحل الله لهم ذلك وقال: " قد علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ". فمتى علم الله ذلك؟ هل علمه منذ الأزل قبل أن يجامع عمر امرأته أم بعد أن جامعها؟ فإن كان قد علم منذ الأزل، يصبح تحريم المجامعة عندما نزلت آية صيام رمضان، لا معنى له لأنه عرف أنه سوف ينسخه بسرعة بعد نزول الآية. وإذا لم يعلم أنهم كانوا يختانون أنفسهم حتى حدثت الخيانة، يصبح موضوع أن القرآن أزلي غير وارد.

ثم لماذا هذا التردد والتقسيط في فرض ركن من أركان الإسلام الخمسة؟ فإذا أردنا للبناء أن يكون صلباً يجب أن تكون أركانه صلبه منذ البداية. ولكن قد رأينا أن الله قد أنزل الصيام بالتقسيط وبعد عدة تجارب ألغيت فيما بعد، وحدث نفس الشئ في الزكاة، ففي البداية حرم الله الكنز، ولما اشتد اعتراض الأغنياء، نسخ آية الكنز وأنزل آية الزكاة بدلها، وعندما أنزل آية الحج لم يكن الطواف بالصفا والمروة جزءاً منها، وبعد أن سأل الأعراب عن الصفا والمروة أصبحتا من شعائر الله، وحتى بعد ذلك قال: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ". فكأنه يقول: إذا طفت بهما فلا ضرر من ذلك، وإذا لم تطف فلا ضرر. وما هكذا نبني الأركان. وماذا عن الصلاة التي كانت ركعتين بمكة ثم زادها إلى أربعة بالمدينة؟ فهذه أربعة أركان من أركان الإسلام الخمسة نزلت بعد تردد وزيادة ونقصان. لو كان القرآن أزلياً كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق العالم، لماذا كل هذا الإضطراب؟

ثم ما الحكمة من أن يفرض الله على المسلمين في بلد صحراوي حار كالجزيرة العربية أن يصوموا عن الماء والطعام طوال اليوم ولمدة شهرٍ كامل؟ تفلسف علماء الإسلام في ذلك وأتوا بأسباب شبه علمية منها أن الصيام يُعلّم الأغنياء معاناة الفقراء. وهذا طبعاً مجرد هراء، فلو سلمنا أن الفقير لا يجد قوت يومه وأردنا للغني أن يذوق هذا الحرمان، لماذا نمنعه من شرب الماء، هل هناك فقير في تلك الأيام لم يجد ماءاً يشربه، خاصة إذا علمنا أن الإسلام جعل الماء والوقود حقاً مشاعاً حتى لا يستولي عليها الأغنياء؟ والغني الذي يصوم شهراً كاملاً ألا يكفيه هذا أن يتعلم كيف يعاني الفقراء، لماذا إذاً يصوم كل عام وهو قد تعلم الدرس من أول سنة في الصيام؟ وإذا كان الغني يصوم ليشعر بمعاناة الفقير، لماذا يصوم الفقير الذي يعرف هذه المعاناة لأنه يعيشها كل أيامه؟

ويقول الفقهاء كذلك إن الله سن الصيام لفوائده الصحية وقالوا إن الرسول قال: " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء". فما هي الفوائد الصحية؟ يمتنع المسلمون عن الأكل نهاراً ثم يتخمون أنفسهم ساعة الفطور وعند العشاء وساعة السحور، والنتيجة الفعلية لرمضان أن معظم المسلمين الأغنياء يزيد وزنهم بعد رمضان، ونرى هذا جلياً في أحجام ملوك وأمراء دول الخليج الغنية. وهناك ضرر عظيم يصيب المسلمين الذين يصومون رمضان في البلاد الحارة، وهو فقدان السوائل التي تؤدي إلى الهبوط الكلوي، ويظهر هذا جلياً في المملكة العربية السعودية حيث تدل الإحصاءات على أته كل خمسة ساعات يُضاف مريض جديد لقائمة المرضى المعالجين بالغسيل الكلوي بينما يموت كل يوم مريضان من المرضى المعاجين بالغسيل الكلوي [25]. وعدد المرضى المسجلين على كشوفات الانتظار لزراعة الكلى بلغ خمسة آلاف مريض.

وقد قال بن باز: " في الصيام يتدرب المرء على كبح جماح نفسه عن الملذات والشهوات المباحة لمدة من الزمن، وله فوائد صحية علاوة على الفوائد الروحية، وفيه يشعر المسلم بحاجة أخيه المسلم الجائع والذي قد تمر عليه الأيام دون طعام أو شراب، كما يحصل الآن لبعض إخواننا في أفريقيا ". وطبعاً بن الباز سمع بالجفاف في أفريقيا وما علم أنهم قصدوا عدم وجود الماء للزراعة، ولم يقصدوا أن الأفريقي لا يجد ماء للشرب، فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش أياماً دون أن يشرب. وقد علم المسلمون بما يحدث لإخوانهم في أفريقيا منذ عشرات السنين، فماذا فعلوا لمساعدتهم؟ هل تبرعوا بالزائد عن حاجتهم من فطور وعشاء وسحور رمضان للجائعين في أفريقيا؟ رأينا المغنيين الأوربيين والأمريكان يقيمون حفلات غنائية يكون دخلها للجائعين في أفريقيا ولكنا لم نرى أو نسمع عن علماء المسلمين الذين جمعوا التبرعات أو سافروا إلى الحبشة لمساعدة الجائعين. ربما تقاعس الفقهاء المسلمون عن مساعدة الأفارقة لأنهم غير مسلمين ولا يجوز لنا توليهم. مرة أخرى يتحفونا بأشياء نظرية بعيدة عن عالم الواقع.

وبدل أن ينفع  صيام رمضان فإنه يضر بمرضى كثيرين كمرضى السكري و ومرضى ضغط الدم الذين يحتاجون إلى تناول جرعات منتظمة من الأدوية ثلاثة أو أربع مرات في اليوم، ومع أن المرضى لديهم الخيار في الإفطار ثم القضاء فيما بعد، إلا أن أغلبهم يصوم ليتفادى الصيام فيما بعد عندما يكون كل من حوله غير صائم. وبالتالي لا يواظب على علاجه وتحدث له المضاعفات

وكالعادة في كل الأشياء الأخرى أصبح الصيام طقساً من بقية الطقوس يشدد العلماء في كيفية تطبيقه ويتسابقون في الفتاوى التي تُبطل صيام الصائم أو تجرحه على أقل تقدير. فقد أفتوا أن المريض الذي يتناول قطرة العيون أو قطرة الأذن فقد جرح صيامه، وقال آخرون أفطر. أما المريض الذي يحتاج إلى حقن علاج لتهدئة الألم أو حقن إنسولين للسكري فقد أفطر، رغم أن كمية الدواء المحقون صغيرة لدرجة أنها لا تسمن ولا تغني عن جوع.

وقال بن باز " الواجب على الصائم أن يحفظ صيامه باجتناب الغيبة والنميمة والكذب والاستماع إلى الملاهي والحذر من سائر المحرمات، ويُسن له الإكثار من قراءة القرآن ومن ذكر الله والاجتهاد في العبادة وخاصة في العشر الأواخر " [26]. صفات خيالية تجعل من المؤمن نبياً. أين هو هذا الإنسان الذي يفعل كل هذه الأشياء في رمضان؟ وقد يقول قائل: هذه ليست غلطة الإسلام وإنما غلطة المسلمين الذين لا يلتزمون به. ولكن الحكمة تقول: إذا أردت أن تُطاع، فأمر بالمستطاع. فلا يمكن أن تأمر الناس بأشياء خيالية وتتوقعهم أن يفعلوها، تماماً كما أمر الله المسلمين ألا يجامعوا نساءهم في ليلة الصيام إذا ناموا ثم أفاقوا، وأول من كسر هذه القاعدة كان عمر بن الخطاب.

ويضيع المسلمون وقتاً خيالياً في الحديث عن ليلة القدر ومحاولة معرفة متى تكون ليلة القدر. فالإسلام قد قال لهم : " ليلة القدر خير من ألف شهر". وليلة القدر هذه لا تختلف عن اليانصيب أو " اللوتري" الذي به 40 أو 50 رقماً تختار منهم ستة، فإذا صادف اختيارك اختيار الكومبيوتر، كسبت الجائزة الأولى وهي عبارة عن ملايين الدولارات أو الجنيهات، وتستطيع أن تقتني ما يخطر على بالك. تماماً كليلة القدر، ليلة واحدة في وسط ثلاثين ليلة، لا يعرف أحد متى تحل. يقول بعضهم في منتصف الشهر ويقول آخرون إنها في العشرة الأخيرة. فيجب على المؤمن المؤمل في مصادفة ليلة القدر أن يتهجد كل ليالي رمضان حتى تكون له فرصة معقولة بمصادفتها.

ولماذا نحتاج إلى ليلة القدر؟ فالعلماء يقولون: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، حسب الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي. فإذا غُفر للمسلم جميع ما تقدم من ذنبه فهو يدخل الجنة حتماً حيث يجد بنات الحور وأنهاراً من خمرٍ وعسل، فماذا يريد من ليلة القدر؟

كل هذه الطقوس الجاهلية في الإسلام حملت ابن العربي، الفيلسوف المعتزلي ، على أن يقول: " إن قلبي معبدٌ للأصنام، وكعبةٌ للحجاج، وألواحٌ للتوراة والقرآن، والحب وحده هو ديني"[27]. ونفس الطقوس جعلت أحد تلاميذ ابن العربي يقول: " القرآن ما هو إلا شرك في أبسط أشكاله". وقد قال أبو سعيد، وهو أحد الصوفية: " إلى أن يزول الجامع والمدرسة، لن يكتمل عمل الدراويش، وإلى أن يصير الإيمان تماماً كعدمه، فلن يكون هناك رجلٌ مسلمٌ إسلاماً صحيحاً ".


[1]  Cecil G Helman: Culture, Health and Illness, Third Edition, Butterworth Heinemann, Oxford 1998, p228

[2]  نفس المصدر ً 229

[3]  د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس، ص 241

[4]  د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس ص 294

[5]  د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس ص 215

[6]  نفس المصدر ص 218

[7]  تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس، ص 223

[8]  نفس المصدر، المجلد الخامس، ص 230

[9]  تاريخ الطبري، المجلد الأول ص 508

[10]  الجامع لاحكام القرآن/تفسير القرطبي المجلد الاول ص 559

[11]   وعاظ السلاطين: علي الوردي، ج3 ص 148

 

[12]  مختصر السيرة لابن كثير، ص 183

[13]  نفس المصدر ونفس الصفحة

[14]  سورة البقرة/115: مأخوذ عن موقع جامع ابن تيمية الإلكتروني www.taimiah.org

[15]  نفس المصدر تحت " سترة الصلاة"

[16]  موقع بن باز الإلكتروني www.binbaz.org.sa

[17]  هادي العلوي: من قاموس التراث، ص 33 ( مصدر سابق)

[18]  د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس ص 277

[19]  سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر/ 9-12

[20]  المجلة الطبية البريطانية BMJ, 1995,311:1471

[21]  جمعية الأطباء المعرضين للختان http://doctorsopposingcircumcision.org

[22]  تاريخ الطبري، المجلد الثاني، ص 18

[23]  تفسير ابن كثير للآية 183 من سورة البقرة

[24]  سورة البقرة الآية 187

[25]  صحيفة الشرق الأوسط عدد 9 ديسمبر 2003

[26]  موقع بن باز الإلكتروني www.binbaz.org.sa

[27]  Ibn Warraq: Why I am not a Muslim, p 277

الفصل التاسع والأخير

إنهم يحرقون الكتب

عندما جاء الإسلام للجزيرة العربية لم تكن الغالية العظمى من عرب مكة والمدينة يعرفون الكتابة، ولكن كان نظراؤهم في المناطق المتحضرة من الجزيرة مثل عرب الحيرة والغساسنة وعرب اليمن يعرفونها، ولم تكن لعرب مكة صحف يكتبون عليها، ولذلك لما جمعوا القرآن، كتبه القلة منهم الذين كانوا يعرفون الكتابة، على عظام الحيوانات وجريد النخل. فكان مفهوم الكتاب ليس معروفاً لديهم. ولم يتغير الوضع أيام الخلفاء الراشدين، فلما فتح المسلمون مصر على أيام الخليفة عمر بن الخطاب، يُقال إن قائد جيوش المسلمين كتب إلى عمر يخبره أن أهل مصر قوم متحضرون ولديهم مكتبة عامرة بالكتب في الإسكندرية. فكتب إليه عمر أن يحرق جميع الكتب، لأنها لو احتوت على ما قال به القرآن، فهي زائدة عن الحاجة، وإن قالت بغير ما جاء به القرآن فهي كتب الملحدين، وفي كلا الحالتين لا حاجة لنا بها فاحرقها[1].

وبحلول الدولة الأموية والفتوحات التي أنجزتها، اختلط العرب بالأمم المتحضرة ورأوا الكتب وعرفوا قيمتها وتعلموا القراءة والكتابة ونشأ عندهم علم الكلام. ولكن علم الكلام لم ينشأ بسبب لاهوتي، فأصله يرجع إلى الخوض في قضايا محددة أثيرت في مجرى الصراع بين الأمويين وجمهور المسلمين الذين كانت تضمهم الفرق المعارضة وأتباع وتلامذة الفقهاء وأهل الحجي. وينسب الجاحظ في رسالته " الكتاب" هذا المنشأ إلى معاوية وزيد بن أبيه. وهو التاريخ الشائع لدى جميع المعتزلة. وقد نُقل عن معاوية قوله إن خلافته كانت بأمر ورضى الله القادر على أن يغير ما لا يرضى من الأمور، ولو لم يكن الله راضياً عن خلافته لغيّرها. وليس من المستبعد أن يكون معاوية قد استفاد من آيات مثل الآية 26 من سورة آل عمران: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء".

وجاء رد المعارضين على يد رجل من التابعين كانت له صلة بأبي ذر الغفاري وهو معبد الجهني الذي يقول مؤرخو علم الكلام إنه أول من تكلم في القدر. وكان معبد معارضاً كأبي ذر وقد ختم حياته مشاركاً في حركة ابن الأشعث المسلحة ضد الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق، حيث أسر وقُتل بأمر الحجاج. ويعني الكلام في القدر إنكاره والقول بأن الإنسان خالق لأفعاله ومسؤول عنها وليست مقدرة عليه من الله كما يقول الأمويون. وكانوا يستشهدون بالآية: " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

وتطور علم الكلام بعد اختلاط العرب بالإغريق والهنود. ومن أميز التحولات كان ظهور المعتزلة في غضون القرن الثاني. ومع تشعب الفرق تشعب المنطق الكلامي. وأخيراً صار علم الكلام يستعمل أسلوب أرسطو وتعقدت مباحثاته فامتدت إلى قضايا الوجود والماهيات، ولو أنها بقيت في منأى عن الميتافيزيقية الصرفة. ومن أشهر علمائه فخر الدين الرازي ( 606 هجرية) ومؤلفاته مزيج من موضوعات علم الكلام والفلسفة الإسلامية.

وبتطور علم الكلام تعرضت المُسلّمات الدينية المقدسة إلى نقد المتكلمين لا سيما المعتزلة. وأدى التعمق ببعض فلاسفة الكلام إلى المجاهرة بالإلحاد كما حصل لابن الراوندي.  وقد أنكر أبو بكر الأصم وهو من أئمة المعتزلة المرموقين، وجود الروح، خارجاً بذلك على إجماع أهل الأديان، كما أنكر نزول الملائكة يوم بدر خلافاً لتصريح القرآن بنزولهم واشتراكهم في القتال. وألف الفيلسوف المعتزلي إبراهيم النظام كتاباً كرّسه لنقد الصحابة واستقصاء أخطائهم. وصرح تلميذاه أحمد بن خابط والفضل الحربي بتفضيل أبي ذر الغفاري على النبي محمد في مقام الزهد [2].

وأعطى ظهور المعتزلة وعلم الكلام فرصة للإسلاميين الكلاسيكيين أن يرموا من جاهر بمذهب المعتزلة بالزندقة. ثم في أيام الخلافة العباسية ظهرت مسألة المحنة في خلق القرآن، وكانت المحنة بمثابة امتحان امتحن به المأمون والمعتصم والواثق من بعده، الفقهاء في مسألة خلق القرآن. . كان المأمون متفلسفاً شديد الولع بمذهب المعتزلة، والمعتزلة قوم يريدون أن يقيموا العقيدة الدينية على أساس العقل والتفكير المنطقي. وقد استخدموا المأمون في نشر مذهبهم هذا بين الناس. ومالوا إلى اضطهاد من كان يخالفهم الرأي. وفي سنة 218 هجرية لما توجه المامون لحرب الروم، أناب عنه في بغداد إسحق بن إبراهيم المصعبي وأمره أن يدعو الفقهاء ويسألهم عن رأيهم في خلق القرآن، فمن قال أنه مخلوق أطلقه، ومن قال بغير ذلك أمره ألا يستعين به في عملٍ وأن يُسقط شهادته وأن يمنعه من التحدث بحديث رسول الله ومن الفتوى. ولما جمع الفقهاء في بغداد وسألهم قال جميع العلماء إنه مخلوق ما عدا اثنين: أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فشدهما إسحق بالحديد وبعثهما إلى المأمون. ولما جرى تبادل الأسرى بين الروم والمسلمين أمر الخليفة الواثق بألا يُفدى من المسلمين إلا من قال بخلق القرآن [3].

ثم جاء المتوكل وأخذ يضطهد المعتزلة اضطهاداً مزرياً، وصار يتتبعهم فرداً فرداً ويقصيهم عن مناصبهم التي كانوا فيها على عهد أسلافه الثلاثة. ومن جملة ما فعل في هذا السبيل أنه أمر عامله في مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة هناك، إذ كان معتزلياً شديداً، وأن يضربه ويطوف به على حمار في الأسواق[4] 

ولا مراء أن المتوكل كان من أظلم الخلفاء ومن أكثرهم عربدة ودناءة وسفكاً للدماء. وقد سماه بعض المستشرقين " نيرون الشرق". ولكن فعله ذاك في إحياء السنة وإماتة الفتنة جعل الفقهاء يمجدونه ويغتفرون له سوء فعله [5].

وأقام العباسيون محاكم الزنادقة التي حاكمت كل من جاء برأي يخالف رأي الإسلاميين الكلاسيكيين بتهمة الزندقة وقتلوه وأحرقوا كتبه. وقتلوا وأحرقوا أعداداً كبيرة من العلماء وكتبهم من أمثال ابن الراوندي و ابن المقفع( قتل عام 760م) وابن أبي العوجاء (عام 772م) و بشار بن برد( عام 784)و صالح بن عبد القدوس(عام 783م) وجعد بن درهم(عام742م) والحلاج (عام 922م) وآخرين. وهناك كُتاب اعتبرهم الإسلاميون الأوائل من كبار الزنادقة منهم أبو حيّان التوحيدي وأبو العلاء المعري وابن العربي الذي كتب " جواهر الأمثال" الذي قالوا إنه يدعوا إلى الكفر.

وفي الأندلس ساد جو من الخوف على الفلاسفة والكُتاب لأنه كان من السهل أن يُتهموا بالزندقة. ويُحكى أن ابن رشد عندما قدموه للحاكم أبو يعقوب يوسف، سأله أبويعقوب:" كيف يرى الفلاسفة السماء، هل هي من مادة أزلية أم أن لها بداية؟ " فسيطر الخوف على ابن رشد الذي اعتبر السؤال بمثابة استدراج له ليقول شيئاً يعتبره الحاكم دليلاً على الزندقة، فلم يستطع أن ينطق كلمةً واحدةً [6]. , وفي مثل هذا الجو المشحون بالخوف، اجتمع علماء الأندلس في مدينة قرطبة في عام 1192م  وأحرقوا مكتبة المدينة بكل ما تضم من كتب العلم والطب والفلك، لأن تلك الكتب كانت تمثل خطراً عظيماً على الإسلام لما فيها من إلحاد [7].

وتعلم المسلمون غير العرب من أساتذتهم العرب، أهل الإسلام، كيف يحرقون الكتب. فلما غزا تيمورلنك بغداد قتل ونهب وأسر وسبى وأحرق المكتبات وأباح بغداد لجنوده. ولما رجع إلى سمرقند احتفلوا به لأنه ملأ أسواقهم بالعبيد والجواري والتحف. وقبره اليوم  في سمرقند تعلوه قبة خضراء شاهقة، وتحيط به الآيات من كتاب الله الكريم. وهو مقدس في نظر العامة هناك، يحجون إليه وينذرون النذور إليه ويتبركون به. ولا يهمهم أنه حرق الكتب.

يروي البروفيسور نيكلسون  عن المقديسي: " إن الأندلسيين لم يعترفوا إلا بالقرآن وبموطأ مالك، فإذا وجدوا أحداً من أتباع أبي حنيفة أو الشافعي طردوه من بلادهم. وإذا لقوا معتزلياً أو شيعياً قتلوه[8]  

ويقال إن الخليفة الهادي أمر أثناء حجته التي قتل فيها الرجل الذي وصف الحجيج ببقر البيدر، أن يهيأ له ألف جذع من جذوع النخل لكي يصلب عليها الزنادقة. وصرح قائلاً: " والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عيناً تطرف"[9]. والغريب أن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أن الزنديق يجب أن يقتل ولا تقبل توبته إذا تاب [10]، مع أن الله يقول: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم "( المائدة/39). وزيادةً على ذلك فإن الله يتوب على المارقين لكي يشجعهم على التوبة، حتى قبل أن يتوبوا هم: " وعلى الثلاثة الذين تخلفوا حتى إذا ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم" ( التوبة/118).

والعلماء والحكام المسلمين يقتلون من يخالفهم الرأي ويحرقون الكتب باسم الإسلام لأنهم يعتقدون أنهم يحاربون بالإنابة عن الله، والله قادر أن يدير حربه بنفسه إن أراد أن يحارب المرتدين وعبدة الطاغوت. وحتى معاوية بن أبي سفيان، أبعد الناس عن الدين، سمع أن عليّ بن أبي طالب قد بعث الأشتر والياً على مصر، وخشي أن يؤلب الأشتر الناس عليه فتآمر مع أحد شيوخ القبائل الذي سقى الأشتر عسلاً مسموماً مات على أثره، فلما سمع بذلك معاوية قال: " إن لله جنداً من عسل ". فأدخلوا الله في المؤامرات والاغتيالات.

وفي الخلافة العثمانية بعث والي الموصل جيشاً إلى الأيزدية الذين يسكنون الجبال في شمال العراق لإدخالهم في الإسلام، فعاث الجيش فيهم تقتيلاً وتنكيلاً وأسر ما بقي من رجالهم وسبى نساءهم، ولما سُئل أبو السعود العمادي، مفتي الخلافة :هل قتالهم حلال؟ فقال: " الجواب، والله أعلم بالصواب، يكون قاتلهم غازياً، ومقتولهم ( المسلمين) شهيداً. لأن جهادهم وقتالهم جهادٌ أكبر وشهادة عظمى. وهم أشد كفراً من الكفار الأصليين وقتلهم حلال في المذاهب الأربعة، وجهادهم أصوب وأثوب من العبادات الدينية، وتشتيت شملهم وتفريق جموعهم والمباشرة في قتلهم وقتل رؤسائهم من الواجبات الدينية، وحكام الوقت والولاة الذين يرخصون في قتلهم ويحرضون على قتالهم ويرغبون في سبيهم، شكر الله سعيهم وأعانهم وساعدهم على مقاصدهم وأيدهم عليهم بنصره العزيز. فلهم أن يقتلوا رجالهم ويستأسروا ذريتهم ونساءهم ويبيعوهم في أسواق المسلمين أسرى كسائر الكفار ويحل لهم التصرف في أبكارهم وزوجاتهم "[11].

وفي إيران بعد أن أسقطت الثورة الخمينية نظام الشاه، سجن الخميني الكاتب علي الدشتي إثر نشر كتابه " ثلاثة وعشرون عاماً " الذي انتقد فيه الإسلام، ومات الرجل في ظروف غامضة. ثم ولى الخميني الشيخ صادق خلخالي رياسة محكمة الثورة في عام 1979، وقد اعتز خلخالي بأنه أصدر أحكام الإعدام بحق 1700 من كبار المسؤولين وجنرالات الجيش في العهد الملكي. وكان خلخالي قبل ذلك عضواً في تنظيم " فدائي الإسلام" ولا أظن تنظيمه ذاك يختلف كثيراً عن تنظيم " فدائي صدام " بالعراق. وقد اعترف الرجل بأنه حاول إحراق جثة رضا شاه والد الشاه الراحل، حين عودة الجثة من مصر إلى إيران، وحمل معه البنزين ليحرق الجثة ولكن رجال الأمن لم يمكنوه من الاقتراب منها. فهل سمح الإسلام بحرق الجثث بعد حرق الكتب؟

وفي أثناء محاكمة أحد الجنرالات، سأل الجنرال القاضي خلخالي: ألم يقل الإمام الخميني إن كل من ينضم إلى الثورة فإنه يكون في عداد الأحرار وسينعم بحرية وأمان؟ فرد عليه خلخالي: " إن الإمام ربما غفر لكم غير أن خلخالي مكلف من عند الله بأن يُنزل على رؤوسكم العقاب". وفي بيان تم نشره بعد إعدام هوفيدا، رئيس الوزراء في عهد الشاه، قال خلخالي إنه أعدم ما يقرب من ألفي شخص ومن المحتمل أن يكون بين هؤلاء بعض الأبرياء ممن سيكافئهم الله بمنحهم غرفة أكثر سعةً من الغرف العادية في الجنة وحوريات أكثر جمالاً[12]. ففي نظر خلخالي ليس المهم أن يكون القاضي عادلاً عندما يحكم على الناس بالموت لأن عدل الله سوف يعوضهم عن ظلم القاضي.

وفي مصر حيث يوجد الجامع الأزهر، حامي التراث الإسلامي منذ العهد الفاطمي،  أصدر مجمع الفقه الإسلامي عدة فتاوى بمصادرة وحرق الكتب وكذلك فتاوى بتكفير الكتاب الذين كتبوا أي شئ يخرج سنتيمتراً واحداً عما يراه العلماء الأجلاء  السراط المستقيم. فقد صادروا كتباً مثل " وليمة لأعشاب البحر"  للكاتب حيدر حيدر، في حين أن الكتاب لا يحتوي على أي شئ يمكن أن يُحكم عليه أنه مسئ  للإسلام. و صادروا كتاب     "  التكفير في زمن التفكير" لحامد نصر أبو زيد، وصادروا كتاب " نقد الخطاب الديني" لجلا العظم، كما صادروا كتاب " الخطاب والتأويل". ومن قبل ذلك كانوا قد صادروا كتاب نجيب محفوظ " أولاد حارتنا " وغيرها من الكتب.

أما الشيخ المصري محمد الغزالي ( 1917- 1966) فقد قال في فتوى مشهورة: " إن الذين يدعون إلى فصل الدين من الدولة فهم مرتدون، وليس في الإسلام عقاب لمن يقتل هؤلاء المرتدين"[13]. فقد زاد الشيخ قتل المفكرين على حرق الكتب حتى يتم لهم إسكات المفكرين.

وظهرت جماعات التكفير في مصر والسعودية والأردن وغيرها، وقي الكويت أحالوا ياسر حبيب إلى النيابة للتحقيق معه وأودعوه السجن لأنه وزع شريط كاسيت انتقد فيه تصرفات الصحابة، وهذا ليس أمراً جديداً إذ كان قد كفرّهم الشيعة في أيام الدولة الأموية، ووقفوا منهم موقفاً عدائياً لا رجعة فيه ، وهم يروون قولاً للباقر- إمامهم الخامس- يتهم فيه جميع الصحابة بالردة عدا ثلاثة هم أبو ذر، والمقداد وسلمان. وأصدر النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الكويتي بياناً قال فيه: " سنعمل بكل ما أوتينا من صلاحيات دستورية وقانونية على محاربة المتطاولين على الصحابة، لما لهم من إجلال في نفوسنا جميعاً " [14]. فلا يكفي أن جميع الصلاحيات والقوانين في الدول العربية مجندة لمحاربة الشعوب وحماية الحكام، فإنها سوف تُجند الآن لحماية الصحابة الذين ماتوا قبل أربعة عشر قرناً من الزمان. ولا مجال لنقد الصحابة ناهيك عن الحكام الحاليين.

وفي المغرب قدموا الداعية حسن الكتاني الذي كان خطيباً في إحدى المساجد في مدينة سلا إلى المحاكمة لأنه قد منع رفع أذان الجمعة ثلاث مرات كما هو مقرر في المذهب المالكي.

ولا يكتفي علماء الإسلام بمحاربة الفكر داخل بلادهم وتكفير من يتجرأ بقول أي شئ ضدهم أو ضد الإسلام، بل يصدّرون جهادهم في سبيل الله إلى شتى البلاد الأخرى. فقد قال بن باز في إحدى فتاواه: " قال رسول الله (ص) كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمي له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر". والمرابط هو المقيم على الثغور والأماكن التي يُخاف على أهلها من أعداء الإسلام. والمرابط يعد نفسه للجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينه وعن إخوانه المسلمين في أي مكان. وقد استغل بن لادن وجماعته مثل هذى الفتاوى ليرسلوا المرابطين إلى كل بقاع العالم ليسدوا الثغرات التي ينفذ منها أعداء الإسلام، فنجد المرابطين في أفغانستان وفي العراق وفي نيويورك يدمرون مبنى التجارة العالمي.

فهل لهذا الإسلام ومشايخه أي مصداقية تجعلنا نثق في حكمهم إذا قُدر للدول العربية أن تصبح جمهوريات إسلامية؟ كل الحكومات بطبعها جائرة لأن السلطة بيدها، وكما قال برتراند رسل: السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد إفساداً مطلقاً. ولذلك نجد الحكومات الديمقراطية تحتوي على أحزاب معارضة مهمتها حماية الشعب من تسلط الدولة. فهل يكفل النظام الإسلامي هذه المعارضة لحمايتنا ممن يحرقون الكتب؟

قد رأينا أن كل الحكومات في العهود الماضية، منذ أيام الخلفاء الراشدين، لم تكن تعرف من الإسلام إلا اسمه، واستطاعت هذه الحكومات أن تشتري ضمائر رجال الدين، ابتداءً بعقيل شقيق الإمام علي بن أبي طالب، الذي التجأ إلى معاوية وهو يقول: إن أخي خيرٌ لي في ديني ومعاوية خيرٌ لي في دنياي[15].  ويقال إن معاوية أعطى ذات مرة جماعة من العلماء كلاً مائة ألف، إلا رجلاً واحداً حيث أعطاه سبعين ألفاً. فاحتج الرجل على هذا التفريق وسأل عن السبب فيه، فأجابه معاوية قائلاً: " إني اشتريت من القوم دينهم.. ووكلتك إلى دينك" فقال الرجل: " وأنا فاشتر مني ديني"[16].

وقد رأينا كيف أن الخليفة هارون الرشيد جمع كبار علماء الإسلام ليجدوا له فتوى تُحل له نقض العهد الذي قطعه على نفسه لأحد الخارجين عليه، وقد تزعم كبير القضاة هذا المجمع وخرجوا له بفتوى تُحلل له ما أراد. ورأينا كذلك كيف أن الخليفة المأمون جمع كل العلماء وسألهم إن كان القرآن مخلوقاً أم أزلياً، فقال كلهم إنه مخلوق ما عدا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح.

وفي العصور الحديثة أفتى علماء الأزهر، الذي يُفترض فيه أن يكون الحامي للتراث الإسلامي، أفتوا أن الملك فاروق، سليل محمد علي الألباني، من أحفاد الرسول. وكذلك أفتى علماء الأشراف في العراق أن صدام حسين من سلالة النبي، ولم تفت الفرصة على علماء الأشراف بليبيا فأفتوا أن معمر القذافي من سلالة الرسول كذلك. ويبدو أن كل حكام العرب لا بد أن يكونوا من سلالة الرسول لأن الرسول قال: " لا يزال هذا الأمر في قريش وإن بقي منهم اثنان".

وفي المملكة العربية السعودية التي تُحكم باسم الإسلام، لم نسمع يوماً واحداً شيخاً من شيوخ الإسلام يقرأ: " إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها"، ولم يحتج أحد منهم على الترف الذي ينغمس فيه أفراد العائلة المالكة، بينما يتسول بعض المواطنين، ناهيك عن تطبيق حدود الله في الفقراء من الباكستانيين وإطلاق سراح الإنكليز الذين أدانتهم محاكم الدولة الشرعية بالمتاجرة في الخمور وتفجير السيارات.

وقد رأينا كذلك كيف حكم الطلبان في أفغانستان وطبقوا الشريعة الإسلامية كما رأوها، فمنعوا تعليم البنات وأغلقوا ميادين الرياضة حتى يتفرغ الشباب لعبادة الله، وتصبح الميادين أماكناً  للإعدامات. ولم نسمع عن أي معارضة لهم، لا من شيوخهم ولا من شيوخ الدول العربية المسلمة.

وفي إيران حيث أُقيمت أول دولة إسلامية، أقيمت المحاكم الصورية التي ترأسها الشيخ خلخالي وأعدم أكثر من 1700 شخصية كانت بارزة في أيام حكم الشاه، وادعى أنه مكلف من الله أن يعدم المارقين. هل سمعنا عالماً واحداً يقول إن الرسول قال: " أدرأوا الحدود بالشبهات"؟

أما السلطان العثماني فكان يتمتع بسلطات مطلقة، لا يحدها أي حد، والأمر الصادر من بين شفتيه كان يكفي لإعدام الأشخاص، ومصادرة أموالهم، دون محاكمة أوسؤال.

في الواقع إن أعمالهم كانت تبدو مقيدة -بصورة نظرية- بأحكام الشريعة الإسلامية، إلا إن رجال الدين قلما كانوا يتأخرون عن إيجاد الأحكام وإصدار الفتاوى التي تخدم مآرب السلاطين، وتضفي على أوامرهم وتصرفاتهم صفة شرعية".

ويذكر الحصري، بهذا الصدد، "الفتوى" التي تنص على جواز قتل جميع أخوة السلطان الجديد يوم اعتلائه عرش السلطنة. حتى وقال رجال الدين بوجوب ذلك "منعاً لحدوث فتنة في المستقبل". وعلى نحو مماثل أمر السلطان سليم الأول، عندما قرر محاربة الشاه إسماعيل الصفوي، بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، مستنداً في ذلك إلى "فتوى" صادرة من رجال الدين، تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام. (ساطع الحصري، في كتابه: البلاد العربية والدولة العثمانية( ص 26-27).

وقد يقول الإسلاميون كل هذه أخطاء بشرية لا نلوم عليها الإسلام، ولكن إذا كان علماء الإسلام الموكلون بحفظ التراث ومن ثم تطبيقه في الدولة الإسلامية يمكن أن يبيعوا ضمائرهم لمسايرة الحكام وللكسب الدنيوي، من ذا الذي يحمينا من تسلطهم إذا استولوا على السلطة وأصبحوا هم الحكام؟ وأين القوانين التي سنها الإسلام لحماية المحكومين من تسلط الحكام عليهم؟

وليت علماء الإسلام يتعلمون من إخوانهم المسيحيين الذين صادروا الكتب وحرقوها وأحرقوا النساء اللائي اتهموهن بأنهن كن ساحرات، كما حرقوا المارقين في أيام محاكم التفتيش. وكل ذلك لم يوقف عجلة التقدم ونُشرت الكتب التي منعوها قبل مائة عام مثل كتاب " عاشق الليدي جاترلي " Lady Chatterley’s Lover وغيره من الكتب. ولن يفلح رجال الدين في إيقاف عقارب الساعة.

الإسلام لم يفد العرب

أحياناً نسأل أنفسنا: هل من الممكن أن يكون حال البلاد العربية اليوم مختلفاً لو لم يأت الإسلام؟ وطبعاً لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال بثقة المتأكد، ولكن يمكن أن نخمّن كيف كان الوضع سيكون اليوم لو لم يأت الإسلام.

فقد رأينا أن اليهود كانوا مقيمين في يثرب وخيبر واليمن، ولكن لأن اليهودية دينٌ متقوقعٌ لا يبشر به علماؤه لأنه جاء فقط لبني إسرائيل، فليس من المحتمل أن يكون هذا الدين أتيحت له فرصةٌ ليستقطب أعضاءً جدداً من العرب. وغالباً لاستمر عدد اليهود صغيراً في جزيرة العرب. وعرب الحجاز كانوا في أكثرهم يعبدون الأصنام ولو أن التوحيد كان معروفاً لديهم وكانوا يعرفون الله ويحلفون به لكنهم كانوا يعبدون الأصنام، ربما كوسيلة لتوصلهم إلى الله المتعالي في السماء. وكان هناك أفراد حنفيون قد عرفوا الله وأنبياءه والجنة والنار والحساب، ولكن أعدادهم كانت بسيطة.

وبقية الجزيرة العربية كانت خاضعة للمسيحية، فقد كان هناك ثلاثة مراكز نصرانية مجاورة لعرب الحجاز ، هي : سوريا في الشمال الغربي ، والعراق في الشمال الشرقي ، والحبشة في الغرب والجنوب . فمن بيت المقدس ودمشق وأنطاكية انطلق المبشرون إلى العرب ، فكان هناك أساقفة بُصرى وتدمر ، وذلك قبل نهاية القرن الثالث الميلادي . وانتشرت المسيحية بين العرب الغساسنة المقيمين في بلاد الشام .

أما في الشمال الشرقي من الجزيرة العربية فقد كانت المسيحية متأصلة  في الرها ونصيبين  وإربل  وجنديسابور  وسلوقية  طيسفون التي أصبحت مركزاً لبطاركة النساطرة. ومن هناك انتشرت في بلاد البحرين وعمان، وتحول الكثير من عرب الحيرة إلى المسيحية وقد دان بالنصرانية بعض قبائل العرب النازلة بجوار الحيرة وبلاد الشام ؛ منهم : غسان وتغلب وتنوخ ولخم وجذام وسليح وعاملة .

وكانت للجماعات النصرانية الهاربة من الاضطهاد البيزنطي بسبب تهمة الهرطقة دور كبير في نشر المسيحية في الجزيرة، وقد امتدت في القرنين الرابع والخامس للميلاد إلى اليمن  فتنصر الحميريون على الطريقة الآريوسية. واستطاع بعض  النساك، ساكني القفار، والرهبان تنصير بعض القبائل العربية البدوية، فأفتيموس استطاع في مطلع القرن الخامس الميلادي تنصير بعض القبائل العربية وقام بتنصيب أساقفة   للكنائس.

وبعد وصول المسيحية إلى الحبشة، انتقلت منها للجزيرة كما جاء بعض المبشرين من الشمال، مثل فيمون الراهب  الذي نصّر أهل نجران  وأسس بها كنيسة. و تركزت المسيحية في نجران وصنعاء، خاصة عند الغزو الحبشي الثاني لليمن ( عام 525م) . و أراد أبرهة الحبشي أن يجعل من كنيسة نجران  كعبة يحج إليها العرب بدل كعبة مكة

فمعظم أهل الجزيرة كانوا خاضعين للمسيحية، وكذلك كانت مصر وبعض الممالك في النوبة وأواسط السودان والحبشة. فلو لم يأت الإسلام لتنصر بقية سكان العربية ولأصبحت كل البلاد العربية مسيحية، ولما ظهر عندنا كل هذا التزمت والكراهية للغير والجهاد في سبيل الله لندخل الآخرين في ديننا بالسيف، ولما ظهرت فتاوي التكفير والردة.

وحتى بدون المسيحية هل كان عرب الحجاز الذين عبدوا الأصنام سيخسرون شيئاً لو استمروا في عبادة الأصنام كوسيلة توصلهم إلى الله في ملكوته في السماء؟ فقد رأينا أنهم كانوا يحجون إلى بيت الله في الكعبة كل عام ويطوفون بالصفا والمروة ويذبحون الأضحية لأصنامهم. وكانوا أكثر تحملاً للآخرين، فقد ضمت الكعبة عدة أصنام لقبائل مختلفة، لم يطردوا أصنام الغير من كعبتهم،  وعندما دخل محمد إلى مكة فاتحا كان بالكعبة 360 صنماً.  وقد قدسوا الكعبة وجعلوها حرماً لا قتال فيه، ويكون آمناً كل من دخله.

أم البدو فقد كانت معابدهم في الخيام، تُحفظ فيها أصنامهم، فتنتقل معهم وتُضرب في الموضع الذي تحل القبيلة فيه. ينظرون إليها نظرة تقديس وإجلال لأنها حرم الآلهة وبيتها المقدس فلا يجوز تدنيسها ولا انتهاك حرمتها. لهذا لم يكن يسمح لأحد بالدخول إليها إلا إذا كان من رجال الدين، كما هو الحال بالقياس إلي خيمة " يهوه" إله العبرانيين. وهذه المعابد تحل محل المساجد في الإسلام. 

وقد تطورت أشكال المعابد وهندستها بتطور الحضارة. لذلك نجد معابد تدمر مثلا قد تأثرت بطراز البناء الإغريقي لتغلغل الثقافة اليونانية فيها. كذلك نجد هذا الأثر والأثر الروماني في معابد الشام وفلسطين. وتعرف المعابد ب " بيوت الآلهة" أو بيت الإله، إذا كان البيت خصص لعبادة اله واحد. وتقابل كلمة  "المعبد" كلمة     " Templum " اللاتينية التي تعني موضعا مربعاً أي ذا زوايا مربعة حدده " عراف" أو كاهن " AUGER" لإجراء ملاحظاته فيه [17]. فعرب الجاهلية لم يكونوا أقل تقديساً لمعابدهم من غيرهم، وخاصة الكعبة، المربعة الشكل مثلها مثل معابد الإغريق على جبل الأولمبياد.

وقد كان عند الجاهليين رجل يقال له القلمس،  وكلمة " قلمس" علي ما يتبين من روايات الأخباريين، لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة يراد بها عند الجاهليين ما يراد من معنى الفقيه والمفتي في الإسلام، يقنن لهم ما يحل لهم وما لا يحل.

وكان لقريش وللعرب عامة أشهر حُرم تضع الحرب فيها أوزارها، فلا قتال فيها ولا فسق. وفي بعض الروايات ما يفيد ان يوم الجمعة كان من الايام المعظمة في نظر الجاهليين، وقد عرف عندهم ب " يوم العروبة" وان قريشاً كانت تجتمع في الجاهلية في كل جمعة الي كعب بن لؤي بن غالب فيخطب فيهم، وانه هو الذي سمى يوم العروبة يوم الجمعة، وذلك لتجمع الناس حوله في ذلك اليوم " بلوغ الأرب 1/273 " وروى عن ثعلب ايضاً انما سُمي يوم الجمعة لأن قريشاً كانت تجتمع إلي قصي في دار الندوة " تاج العروس 5/306" [18]. وجاء الإسلام وتبني الأشهر الحرم ويوم الجمعة

يخبرنا القرآن أن عرب الجاهلية لم يكونوا يؤمنون بالحشر بعد الموت. لقد كانوا يرون أن الموت نهاية، وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شئ غير معقول ولذلك تعجبوا من قول النبي بوجود البعث والحساب     " وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " ( الأنعام 29)

غير أن فريقا من الجاهليين كما يقول أهل الأخبار كان يؤمن بالبعث وبالحشر بالأجساد بعد الموت، ويستشهدون علي ذلك " بالعقيرة" ويقصدون بذلك عقر ناقة أو جمل أو بقرة عند قبر الميت، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعا وعطشا، أو يحفر لها وتترك في الحفرة إلي أن تموت. ذلك لأنهم كانوا يرون أن الناس يحشرون ركباناً علي البلايا ومشاةً إذا لم تعقر مطاياهم عند قبورهم " تاج العروس 10/43، اللسان 18/ 92 ". وكانوا يطلقون مصطلح " اللزام" علي الموت والحساب " الأغاني 16/48"

و كما كان الزواج كذلك كان الطلاق عند الجاهليين. ولا بد أن يكون له قواعد وعرف وأسباب. وقد ذُكر أن من عادة أهل الجاهلية أن يقول الرجل لزوجه إذا طلقها " أنت مُخلى كهذا البعير" ( اللسان 2/136) وذكر أنهم كانوا يطلقون ثلاثاً علي التفرقة، فكان أحدهم يطلق زوجته طلقة واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث انقطع السبيل عنها، فتصبح طالقة طلاقاً بائناً " الأغاني 8/ 80 وما بعدها" ومعنى هذا عدم إمكان الرجوع إلي الزوجة بعد وقوع الطلاق الثالث مهما أوجد المطلق له من أعذار. فبعد الطلاق الأول أو الثاني يستطيع الرجل أن يعيد إليه زوجته، أما في الطلاق الثالث فلا تمكنه العودة إليها، وتكون عندئذ بائنة عليه.

ويظهر أن الجاهليين كانوا قد أوجدوا حلا لهذا الطلاق الشاذ، فأباحوا للزوج أن يرجع زوجته إليه بعد الطلاق الثالث، ولكن بشرط أن تتزوج من رجل غريب يطلقها بعد اقترانه بها، وعندئذ يجوز للزوج الأول أن يعود إليها بزواج جديد. ويقال للرجل الذي يتزوج المطلقة بهذا الطلاق ليحلها لزوجها القديم " المحلل" وهو حل مذموم عند الجاهليين " النهاية 1/266، عمدة القارئ 20/236، وتبنى الإسلام هذه الفكرة كذلك

وعلي المرأة اتخاذ " العدة" عند طلاقها وعند موت زوجها، والغاية من ذلك المحافطة علي النسب، وعلي الدماء كراهة أن تختلط بالزواج العاجل بعد الطلاق أو الموت، فوضعوا لذلك مدة لا يسمح فيها للمرأة بالزواج خلالها تسمى " العدة" " بلوغ الأرب 2/50". وعدة المرأة أيام قروئها، وعدتها أيضاً أيام إحدادها علي بعلها وإمساكها عن الزينة شهوراً كان أو قراءً أو وضع حمل حملته من زوجها " اللسان 4/275"[19]

و كانت النجاسة معروفة لهم، ومن الأمور النجسة في نظر أهل الجاهلية " الطمث" وهو " الحيض" ومن معاني  "الطمث" " الدنس"  " تاج العروس 1/732". وعدت أكثر الأديان المرأة في هذه الفترة وفي أيام النفاس غير طاهرة، فلم يسمح لها بأداء الشعائر الدينية ودخول المعابد ولمس الأشياء المقدسة إلى أن ينتهي الأجل المحدد لهذه الأدوار، فتغتسل أو تقوم ببعض الشعائر المطهرة. وعندئذ يجوز لها أداء ما عليها من فروض وواجبات " The Shorter Ency. Islam pp 126". وأصبحت العدة جزءاً من الطقوس الإسلامية

وكان عرب الجاهلية يؤمنون بالسحر والسحرة ويؤمنون بعين الحسود، وكانوا يحمون أطفالهم من العين بلبس الخرز والتمائم. وكان الساحر ينفث في العُقد فيضر الناس بها، وكان النساء يستعن بالكاهن أو الساحر ليكتب سحراً يمنع حب أزواجهن عن ضراتهن أو يمنع الزوج من معاشرة الضرة جنسياً. وجعل الإسلام السحر شيئاً نستعيذ منه " قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد".

وأما " الرقية" فتستعمل في مداواة الآفات، مثل الحمى والصرع ولدغات العقارب والحيات وأمثال ذلك، وتكون بقراءة شئ علي المريض أو علي موضع المرض ثم النفث عليه، أو بحمل شئ مكتوب [20]. تماما كما يفعل المشايخ الإسلاميون اليوم.

وقد رأينا في الفصول السابقة أن عرب الجاهلية كانوا يستسقون الله إذا أصابهم الجفاف بأن يربطوا العُشر على أذناب البقر ويضرمون به النار ويتوسلون لله أن يُنزل عليهم المطر. وأبدل الإسلام ذلك بصلاة الاستسقاء

وحتى الصيام كان عرب الجاهلية قد تعلموه من اليهود وكان بعضهم يصوم يوم عاشوراء. فغير الصلاة والزكاة، هل هناك من شئ جديد أتى به الإسلام؟ وحتى كلمة الصلاة وكلمة الزكاة مأخوذتان من كلمتي  " صلوت" و " زكوت" الأرامية الأصل. فلا بد أن الأراميين قد عرفوا الصلاة والزكاة قبل الإسلام. كل هذه الأشياء المذكورة كان يمارسها الجاهليون وتبناها الإسلام دون أن يغير فيها أي شئ. فالإسلام إذاً لم يثر حياة الجاهلين بأي شئ.

وعلى العموم، حتى لو كان الإسلام قد أثرى حياة عرب الجاهلية ومنعهم من عبادة الأصنام، فقد تغير الوضع الآن ورجع العرب إلى عبادة الأصنام الحية ممثلة في الملوك والرؤساء الذين نقول عنهم " جلالة الملك المعظم" ونجلس على الأرض في حضرتهم بينما يجلسون على الكراسي التي تشبه كرسي العرش. وقد وصل الحد من عبادة الأصنام الحية لدرجة أن أحد الشعراء العباسيين قال للخليفة:

ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ                فاحكم فأنت الواحد القهارُ

ولم نسمع عن أي عالمٍ إسلامي عاصر هذا الشاعر احتج على هذا القول. وفي بعض الأحيان عندما يسافر أحد الملوك إلى إسبانيا أو أمريكا للاستجمام يسافر معه رهط من الخدم والحشم قد يفوق المائتين، ليقبلوا يد الملك ويلبوا كل صغيرة أو كبيرة من نزواته. وإذا أراد الحاكم أن يتحرك من قصر إلى قصرٍ آخر، أُقفلت كل الطرقات التي تؤدي إلى قصوره قبل ساعات من تحركه، مما يُعطّل أمور المواطنين. أليست هذه عبادة أصنام تبعد كل البعد عن ما كان يفعله عمر بن الخطاب وأبو بكر.

والمسلمون العاديون لا يتصلون بالله مباشرةً، رغم صلاتهم وصيامهم، وإنما يزورون قبور الأولياء ويتمسحون بها ليوصل هذا الولي دعواتهم إلى الله. ويعقدون حلقات الذكر مع البخور ودق الطبول حول مقابر هؤلاء الأولياء، تماماً كما كان عرب الجاهلية يفعلون حول الكعبة

ويقال إن المختار الثقفي هو أول من اتخذ العقائد الغالية سلاحاً له في ثورته والمعروف أنه جاء بكرسي لأتباعه وقال لهم إنه كرسي الإمام علي، ولفه بالحرير وأقام له السدنة وأرسل حواليه الحمام يطير زاعماً أنها الملائكة. وأخذ الناس يتمسحون به تبركاً وحملوه أمام الجيش في المعارك[21]

والشيعة جعلوا أئمتهم الاثني عشرة معصومين من الخطأ، وأصبح كل ما قالوه أو زعموا أنهم قالوه، قرآناً ثانياً لهم. والسنة كذلك جعلوا من أصحاب الرسول أناساً معصومين لا يجوز انتقاد ما فعلوا، وقد رأينا كيف صال السياسيون وجالوا في الكويت عندما وزع أحد الدعاة شريطاً فيه نقد للصحابة. فعبادة الأصنام لا يُشترط فيها أن تكون عند قدمي الصنم المنحوت من الحجارة

ويقال إن عمر بن الخطاب عرف أن الإسلام لن يدوم طويلاً فقال:" ألا إني قد سَنّنتُ الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعاً ثم ثنياً ثم رباعياً ثم سديساً ثم بازلاً. ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان! ألا فإن الإسلام قد بزل" [22]

الإسلام قد أتى بأفكار جميلة مثل " من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له " و "المؤمنون سواسية كأسنان المشط" و "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" و "الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله "، وأفكار أخرى أقرب إلى عالم اليوتوبيا منها إلى عالم الواقع. فقد تجاهل الإسلام طبيعة البشر التي ما زالت طبيعة الغاب، حيث البقاء للأصلح، والقوي يأكل الضعيف، وأن الإنسان جشع بطبعه، لا يشبع من كنز الذهب، وقد رأينا هذا في بداية الإسلام عندما كنز صحابة الرسول ملايين الدراهم وكان غيرهم فقيراً معوزاً.

ونفس هذه الأفكار اليوتوبية جاءت بها الشيوعية " من كلٍ حسب جهده، وإلى كلٍ حسب حاجته". وبالطبع لم تجد الشيوعية أناساً بهذه الصفات ليعملوا أقصى جهدهم ويرون من هو أقل جهداً منهم يأخذ أكثر منهم لأن حاجته أكبر. وانهارت الشيوعية، لأن الإنسان هو الإنسان.

وقبل أن يظهر الإسلام بعدة قرون قال أفلاطون أن المجتمع الإنساني كي يصُلح لا بد له من حاكم فيلسوف يدير شؤونه، وبالتالي يمكن لهذا المجتمع أن يعيش في جمهورية فاضلة. وفي العصور الأولى للإسلام ظهر مفكرون مثل الفارابي يعتقدون بأن صلاح الحاكم يقود إلى صلاح الرعية، تماماً كما اعتقد أفلاطون. وأخرج لنا الفارابي شروط الحاكم المثالي، وهي:

1- أنه يجب أن يكون تام الأعضاء ومتى هم عضو من أعضائه بعملٍ أتى عليه بسهولة

2- يجب أن يكون جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له فيلقاه بفهمه على ما يقصده القائل

3- يجب أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ويراه ويسمعه ويدركه ولا يكاد ينساه

4- يكون جيد الفطنة ذكياً إذا رأى الشئ بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل

5- يكون حسن العبارة يواتيه لسانه على إبانة ما يضمره إبانة تامة

6- يكون محباً للتعليم والاستفادة منقاداً له سهل القبول لا يؤلمه تعب ولا يؤذيه الكد الذي يناله منه

7- يكون غير شره في المأكل والمشرب والمنكح متجنباً بالطبع للعب مبغضا للذات الناشئة عنه

8- يكون محباً للصدق وأهله ومبغضا للكذب وأهله

9- يكون كبير النفس محباً للكرامة تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور. يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده

10- يكون محباً للعدل وأهله ومبغضاَ للجور والظلم وأهلهما يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه

11- يكون معتدلاً غير صعب القياد ولا جموحاً ولا لجوجاً إذا دعي إلى العدل، بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور والى القبح

12- يكون قوي العزيمة على الشئ الذي يرى انه ينبغي أن يُفعل، جسوراً عليه مقداماً غير خائف ولا ضعيف النفس

والفارابي لم يكلف نفسه عناء إرشادنا إلى مكان وجود مثل هذا الحاكم ليدير شؤون دنيانا. و الإسلام، كالفارابي، أعطانا أفكاراً جميلة لكنه لم يخبرنا كيف نطبقها. وأفكاره من الصعوبة بمكان جعلت تطبيق الإسلام من المستحيلات. فعلى مر العصور ومنذ بداية الإسلام لم يُطبق من الإسلام إلا الحدود وبعض الطقوس كالصلاة والصيام والحج. حتى الصلاة يبدو أنها لم تُطبق تطبيقاً سليماً، إذ أن القرآن أخبرنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعالمنا الإسلامي يخوض في مستنقع الفحشاء والمنكر.

ولو قُيض لدولة الإسلام أن تقوم في العصر الحديث فليبحث غير المسلمين عن مكانٍ آخر يعيشون فيه، فقد رأينا كيف يعامل المسلمون المسيحيين في مصر والشام وجنوب السودان، بعد أن اغتصبوا بلادهم وجعلوهم مواطنين من الدرجة العاشرة في بلادٍ كانت بلادهم قبل الغزو الإسلامي. وكذلك رأينا كيف عامل النظام العراقي المنهار الأقليات غير المسلمة في العراق.  فإذا صارت هذه الدول إسلامية يحكمها رجال الدين فلتجد الأقليات، وكذلك المسلمون العلمانيون دولاً أخرى يلجأون إليها. 


[1]  Robert Spencer: Islam unveiled, Encounter Books, 2002 p123

[2]  هادي العلوي: من قاموس التراث، ص 66 ( مصدر سابق)

[3]   تاريخ الإسلام الإلكتروني، تحت باب مسألة خلق القرآن www.history.al-islam.com

 أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج3، ص 198 [4]

[5]  د. علي الوردي، وعاظ السلاطين، ص 242 ( مصدر سابق)

[6]  ابن الوراق: لماذا أنا لست مسلماً ص 281 Ibn Warraq: Why I am not a Muslim Prometheus Books, New York

[7]  يوسف بودنسكي في كتابة " بن لادن" ص XI / نقلاً عن: Robert Spencer: Islam Unveiled p 125

   د. علي الوردي، وعاظ السلاطين، ص 243[8]

[9]   أحمد أمين، ضحى الاسلام، ج3 ص 147

  نفس المصدر، ج3 ص 194 [10]

[11]   صديق الدملوجي، اليزيدية ص 429/ نقلاً عن مهزلة العقل البشري، د. علي الوردي، ص 42  

[12]  صحيفة الشرق الأوسط الإلكترونية عدد 28 نوفمبر 2003

[13]  Quoted in Bassam Tibi, The Challenge of Fundamentalism, Political Islam and the

New World Disorder ( University of California Press 1998) P 169   

[14]  صحيفة الشرق الأوسط الإلكترونية، عدد 30 نوفمبر 2003

[15]   عباس العقاد، عبقرية الامام ، ص 50

 الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج2، ص 97[16]

[17]  تاريخ العرب قبل الإسلام،: د؟ جواد علي، المجلد الخامس، ص 162

[18]  نفس المصدر ص 246

[19]  تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد الخامس ص 273

[20]  نفس المصدر ص 352

[21]  محمد جابر عبد العال، حركات الشيعة المتطرفين، ص 28 نقلاً عن مهزلة العقل البشري لعلي الوردي ص 64

  طه حسين، الفتنة الكبرى ، ج1 ص 79 [22]